تقارير

الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي لعام 2025: فاشية القرن الحادي والعشرين تمحق مصدّاتها الأخيرة

ينقضي عام 2025 والعالم يشهد تحوّلات سياسية كبيرة تزيد المستقبل غموضاً، إذ يتصاعد العنف في البؤر المشتعلة في فلسطين، ومحيطها، والسودان، وأوكرانيا، بينما تتزايد درجات التوتر السياسي والعسكري في الولايات المتحدة الأمريكية وهي تهدّد بتحرّك عسكري ضد فنزويلا؛ وتستعيد اليابان وألمانيا الروح القتالية، كما تظلّ بؤر أخرى للصراع في حالة تدهور، كما شهدنا في التناوش العسكري قريب العهد بين الهند وباكستان. إنّ التوصّل إلى سلام، بخاصة في فلسطين والسودان، يعني عملياً الخضوع للمشروع الإمبريالي الجديد الذي يستهدف الأرض والموارد. بتأمّل نسخة السلام الحالية في غزة والمستقبل الملغوم الذي ينتظر الضفّة الغربية، ندرك أنّ عودة اللغة الاستعمارية في اقتراح تعيين توني بلير «حاكماً عاماً» على غزة ليست عودة مجازية. ربما تكون الإبادة المُتلفزة في غزّة ودماء وجثث السودانيين في الفاشر، وهي تُرصد من الفضاء، بمثابة عنوان لخريطة النظام العالمي الجديد قيد التشكّل.

تحالفات تاريخية على مفترق الطرق
ظلّ الحفاظ على درجة معقولة من الاستقرار في النظام العالمي ذي القطب الواحد، بعد نهاية الحرب الباردة، مسألةً تزداد صعوبة، لكنّ دخول الصين بوصفها قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية قاهرة، قاد إلى تسارع مجموعةٍ من التحوّلات السياسية التي ستُحدِّدُ درجة العنف والوحشية المُصاحبة لتخلُّقِ نظامٍ عالميٍّ جديدٍ بنفوذٍ مُتصاعد للصين، ودَورٍ قويٍّ لكنه مُتراجع للولايات المتحدة، ودَورٍ أقلَّ تأثيراً لأوروبا. تُحاول الولايات المتحدة تأجيل هذا المصير بعدد من الخيارات الصعبة، التي تبدو انتحارية إذا قُرئت بمعزل عن سياق التنافس اليائس مع الصين.

عندما مدَّت الولايات المتحدة طوق النجاة إلى الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، لم يكن منظوراً أن تجد أمريكا نفسها، بعد ثمانين عاماً، تقف على مُفترق طريقٍ يُفسّر المصلحة الأمريكية المُباشرة بوصفها نقيضاً للتحالف مع أوروبا. من تحت تيّارات التصريحات والتحركات السياسية، تقبع فكرة أن فرصة الولايات المتحدة في البقاء لفترةٍ أطول على دفة قيادة العالم، تَقتضي التضحيةَ بالقيم والمُؤسّسات الليبرالية، وبمركزها الأوروبي. بدَت ملامح هذه الخيارات الصعبة جليةً في وثيقة الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي لعام 2025 التي نشرها البيت الأبيض في نوفمبر الماضي. وهي وثيقةٌ تاريخيةٌ بجميع المقاييس، وقد وصفها عددٌ من المُحلِّلين بالزلزال السياسي.

الاستراتيجية الوطنية للأمن القومي هي في العادة تحديثٌ روتينيٌّ للسياسة الخارجية ذات الخريطة المُحدَّدة سلفاً على نمطٍ شبه ثابت من التحالفات والتوافقات، لا تتأثّر كثيراً بتوالي الرّؤساء على البيت الأبيض، سواءٌ أكانوا من الحزب الجمهوري أم الديمقراطي. لكن، استراتيجية ترمب الجَديدة قَلَبَتْ الطاولة على الخريطة القديمة، وافترعَتْ نهجاً غير مسبوقٍ في التعامل مع مُحيطها المباشر وحلفائها وخصومها التقليديِّين. الوثيقة، ذات التسع وعشرين صفحة، لا تُعدِّل في التكتيكات فحسب، إنما تعيد تعريف المفاهيم الجوهرية: مَن الحليف، مَن الخصم، ما هي مجالات النفوذ، وأين حدود السيادة الوطنية.

على نحو عام، تنتقل وثيقة ترمب مِن خطاب الشراكة والقيم المشتركة إلى منطق ولغة السيد والتابع، ومِن الأُحادية القطبية القائمة على التفاوض مع المؤسّسات والأحلاف والكيانات الدولية، إلى الأُحادية القسرية، ومِن القيادة عبر الهيمنة المُقنّعة إلى القيادة عبر الاستتباع المكشوف. هذا التحوّل، بقدر وقعه الصادم، لم ينشأ بغتة، إنما هو ذروة تصعيدية في مسارٍ بدأ مع صعود تيار «أمريكا أولاً»، وتبلور في وثيقة «مشروع 2025» التي تُعدّ إنجيلاً سياسياً لليمين الأمريكي المُتطرّف، كما ظهر جزءٌ منها في الخطبة الاستعلائية الشهيرة التي شنّف بها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس مسامعَ قادة أوروبا في مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير 2025، عندما انتقد التضييق على حرية التعبير، ودفع بأن التهديد الأكبر ضد أوروبا «يأتي من الداخل»، كما أشار بوضوح إلى أن على القارة العجوز تحمّل مسؤولية الدفاع عن نفسها. ويذكر العالَم بكاء رئيس المؤتمر آنذاك، ولا ندري أمِن قسوة العتاب أم مِن الهجر سالت الدموع الأوروبية!

تبدأ الوثيقة بتأكيد هدفها العام المُتمثّل في ضمان أنّ تظلّ الولايات المتحدة هي الدولة «الأقوى، والأغنى، والأعظم قدرةً، في العالم، لعقود قادمة»، ثمّ تَصِمُ السياسةَ الخارجيةَ الأمريكيةَ بعد الحرب الباردة بالفشل، لكونها لم تكن سوى «قوائم طويلة من الأماني الرغبوية ولم تُحدّد بوضوح ما نريده»، إنما اكتفت عوضاً عن ذلك بـ«شعارات غامضة». في مواضع عدة تتطرّق الوثيقة إلى ضرورة أن تكون الأهداف واقعية ومُمكنة، مع التعريض بطموحات الإدارات السابقة بالتورّط في ملفات مُتعدّدة لا تنتهي، ترى الإدارة الآن أنها لا تقع في صميم اهتمامها. وتختصر الاستراتيجية أسئلتها الكبرى في الآتي: «ما الذي ينبغي أن تريده الولايات المتحدة»، ووسائل تحقيقه، وكيفية ربط الغايات بالوسائل في استراتيجية قابلة للتنفيذ. تُفصّل الوثيقة بعض النقاط الجديرة بالذكر: تريد أمريكا «عالماً لا تكون فيه الهجرة «منظمة» فحسب، بل عالماً تتعاون فيه الدول ذات السيادة لإيقاف التدفقات السكّانية المُزَعْزِعَةِ للاستقرار بدلاً عن تسهيلها». ثمّ «نريد أقوى قطاع طاقة في العالم وأكثرها إنتاجية وابتكاراً – قطاعاً قادراً ليس على دفع النمو الاقتصادي الأمريكي فقط، بل على أن يكون إحدى الصناعات الأمريكية الرائدة التصديرية بحد ذاتها». وتُسمِّي الوثيقة بوضوحٍ الحاجةَ إلى الفخر والاعتزاز بالماضي وبالروح الأمريكية في مواضع مختلفة. تقول الاستراتيجية: «لن نعتذر عن ماضي بلدنا وحاضره»، وتتطلّع إلى استعادة الروح الريادية الأمريكية.

خطاب الصراع الحضاري وعَرْقَنة السياسة الأوروبية
تَقرأ الوثيقة العالم من منظور المصلحة العارية والقوة الصريحة للهيمنة الإمبريالية، لتتحوَّلَ أوروبا من حجر الزاوية في التحالف الغربي إلى الخصم الأيديولوجي الداخلي الذي ينبغي احتواؤه. بينما يُشار، في لغةٍ وقائية، إلى الخصوم التاريخيين، مثل روسيا والصين، بوصفهم مُنافسين إقليميّين يُمكن إدارتهم أو حتى التعامل معهم ضمن صفقات تقسيم النفوذ. أشارت أمريكا بوضوح إلى أنّ الطريقة الأوروبية في إدارة ملف الهجرة غير مقبولة، والاستمرار فيها مدعاة للعواقب، وأردفت أنّ الولايات المتحدة ستساعد أوروبا على تغيير «مسارها الحالي».

لإدراك جذرية هذا الانزياح، يَتعيَّنُ وضع الوثيقة في سياقها التاريخي، عبر مُقارنتها مع استراتيجيات الرؤساء السابقين، إذ تُظهر هُوّة سحيقة تفصل بين عالمين. ففي أعقاب هجمات 11 سبتمبر مباشرة، أصدر الرئيس جورج بوش الابن وثيقته لعام 2002، التي كانت تتويجاً «للحظة الأحادية القطبية» وثقته المطلقة في قدرة أمريكا على تشكيل العالم. وفي حوار بين روري سيتورات وألستير كامبل على The Rest Is Politics يصف روري ستيوارت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ييل، وثيقة جورج بوش، بأنها «تعبير عن اعتقاد راسخ بأن مستقبل البشرية هو الديمقراطية الليبرالية والأسواق الحرة، وأنّ دَور أمريكا هو قيادة وتحقيق هذا المصير الحتمي». كان الناتو والأمم المتحدة أدوات لترويج هذه القيم، وكان العدو واضحاً: «الإرهاب والدول المارقة». بعد ثماني سنوات فقط، في عام 2010، جاءت وثيقة الرئيس باراك أوباما لتُظهر أمريكا مختلفة، أمريكا غارقة في أزمة مالية عالمية، ومنهَكة من حربين. أبرزت الوثيقة حاجة أمريكا إلى تعزيز تحالفاتها و«تقاسم الأعباء». تقول الوثيقة:

«في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة هي التي ساعدت في تولّي زمام المبادرة لبناء هيكل دولي جديد للحفاظ على السلام وتعزيز الرخاء – من حلف الناتو والأمم المتحدة، إلى المعاهدات التي تحكم قوانين الحرب وأسلحتها؛ ومن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى شبكة متنامية من الاتفاقيات التجارية. هذا الهيكل، رغم نواقصه، منع حرباً عالمية، ومكّن النمو الاقتصادي، ودفع بحقوق الإنسان إلى الأمام، بينما سهّل تقاسم الأعباء على نحو فعّال بين الولايات المتحدة وحلفائنا وشركائنا».

يؤكّد روري ستيوارت أن التحالفات ظلّت أساسية، لكن بوصفها آلية لتشارُك الأعباء. لقد كانت وثيقة أوباما تنبئ بمرحلة انكفاء نسبي، لكن ضمن الإطار المؤسسي نفسه. ويُحاجّ ألستير كامبل بأن وثيقة ترمب الأولى عام 2017، والتي كتبها مستشارون تقليديون، حاولت تقديم رؤية «واقعية» مُحافِظة تؤكّد على المصالح الأمريكية، لكنها احتفظت بالجوهر: أكّدت أن التحالفات مفيدة لأمريكا، خصوصاً في حماية أمنها الداخلي. في المقابل، تقوم وثيقة 2025 بهدم هذا الأساس كله، فهي لا تنتقد الحلفاء فحسب، إنما تعيد تعريفهم بوصفهم «مشكلة»، وترى في التعددية عبئاً، وفي القيم الليبرالية تهديداً لهويتها.

الناتو على شفا جرفٍ هار
يتجلّى هذا الهدم بوضوح في معالجة الوثيقة لمسألة الأمن الأوروبي، إذ إنها لا تكتفي بمطالبة الحلفاء الأوروبيين برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يعدّه معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) غير مستدام مالياً لمعظم الدول الأوروبية المُثقَلة بالديون، وترى أنّ زمن تصدِّي الولايات المتحدة لملفّ الدفاع عن أوروبا انقضى، وصار عليها تحمّل مزيد من الأعباء في الدفاع عن نفسها، في صيغة ابتزازية صريحة.

مع ذلك، يظلّ المحتوى الأشدّ خطورةً في الاستراتيجية هو الهجوم المباشر على الشرعية الداخلية للديمقراطيات الأوروبية، إذ تصف الحكومات المنتخبة في ألمانيا وفرنسا بأنها «حكومات أقلية» وأنها «تقوّض العملية الديمقراطية» ولا تمثل تطلعات الشعوب الأوروبية التي تريد السلام لا الحرب في أوكرانيا. كما تنقد الوثيقة سياسات الحدّ من حرية التعبير، في إشارة إلى محاصرة خطابات الكراهية التي تتبنّاها أحزاب اليمين المتطرّف، وهي الأحزاب المشار إليها في الاستراتيجية بوصف «الأحزاب الوطنية».

في سياق مطالبة أوروبا بتشديد سياسات الهجرة ومقاومة ما تسمّيه الوثيقة «المحو الحضاري»، تتعهّد الوثيقة بأنّ الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة أوروبا على تغيير «مسارها الحالي». وتربط إدارة ترمب بين قابلية استمرار حلف الناتو واستعداد أوروبا لتغيير سياسات الهجرة، بمسوّغ أن بعض الدول الأوروبية خلال عقود قليلة ستكون ذات أغلبية غير أوروبية. تقول إدارة ترمب:

«ترتبط أمريكا، وهذا مفهوم، ارتباطاً عاطفياً بالقارة الأوروبية، وبالطبع ببريطانيا وأيرلندا. كما أن طبيعة هذه الدول تحمل أهمية استراتيجية لأننا نعتمد على حلفاء ديمقراطيين مبدعين وأكفاء وواثقين لإرساء ظروف الاستقرار والأمن. ونحن نرغب في التعاون مع الدول المتوافقة التي تسعى لاستعادة عظمتها السابقة. على المدى الطويل، من المرجّح في غضون بضعة عقود على الأكثر، أنْ تصبح بعض دول حلف الناتو ذات أغلبية غير أوروبية. ومن ثمّ، يظلّ السؤال مفتوحاً عمّا إذا كانت هذه الدول ستنظر إلى مكانتها في العالم، أو إلى تحالفها مع الولايات المتحدة، بالطريقة نفسها التي نظر بها الموقِّعون على ميثاق الناتو».

إنّ خطابات الاستبدال الثقافي والحرب الحضارية التي يفرضها وجود المهاجرين في أوروبا تصبّ مباشرة في واقع سياسي واجتماعي مُلتهب في أوروبا. تضغط أمريكا من أجل العودة إلى أوروبا «أكثر أوروبية»، ما يعني مزيداً من التصعيد في لغة الإقصاء العنصرية التي كانت تدور على استحياء في غرف «الدارك ويب»، وتحوّلت بالتدريج إلى خطاب سياسي يُحمّل مجتمعات المهاجرين في أوروبا أوزار تدهور الاقتصاد والتنمية ويجعلها الوجه الأساسي للجريمة.

في إشارةٍ أخرى بشأن نظرة الولايات المتحدة الجديدة إلى المؤسّسات والكيانات السياسية، مثل الاتحاد الأوروبي، تقول الوثيقة إنّ أمريكا ترى أنّ الوحدة السياسية قائمة على «الدولة القومية». وبرز هذا المفهوم في أزمة الجمارك التي شغلت الجزء الأعظم من فترة ترمب الرئاسية الثانية، إذ ضغطت الإدارة الأمريكية على الدول الأوروبية باتجاه السعي إلى مفاوضات ثنائية مع أمريكا وليس تفاوضاً على أساس كتلة الاتحاد الأوروبي. وفي 12 ديسمبر الجاري، نشرت صحيفة Dagens Nyheter السويدية تسريباً لنسخة أطول من الاستراتيجية الأمريكية تشير بوضوح إلى رغبة الولايات المتحدة في تشجيع إيطاليا وبولندا والمجر والنمسا على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. نفت الإدارة الأمريكية وجود نسخة أخرى، لكنّ ظلال الاستراتيجية الحالية ومغادرة بريطانيا في 2022 أثارتا ظلالاً كثيفة حول مستقبل الكيان السياسي الأكبر في أوروبا.

في خطوةٍ تُظهر تصاعد التيار المعارض للانخراط الأمريكي العسكري الخارجي، قدّم النائب الجمهوري توماس ماسي مشروع قانون تحت عنوان «قانون المنظمة غير الموثوقة» أو «قانون الناتو»، يطالب صراحةً بإبلاغ انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويجادل المشروع بأنّ الحلف فقد مبرّره الاستراتيجي بعد انهيار الاتحاد السوڤييتي وحلف وارسو عام 1991، متّهِماً الناتو بالتوسّع شرقاً في مخالفة صريحة لتعهّدات أمريكية سابقة لروسيا، ما زاد من حدّة التوترات وأدّى إلى مخاطر صراع في أوروبا.

كما ينتقد مشروع ماسي العبء المالي غير المتكافئ الذي تتحمّله واشنطن، مشيراً إلى أنّ أكثر من ثلث أعضاء الناتو لا يلتزمون بتعهّد ويلز بإنفاق 2% من الناتج المحلي على الدفاع. ويدفع المشروع بأن المصالح الأمنية القومية الأمريكية لم تعد تتطلب الوجود ضمن التحالف، خاصة وأن القدرات العسكرية والاقتصادية المجمّعة لأوروبا تفوق قدرات روسيا وتشكّل رادعاً كافياً. إذا صدر القانون، فسيُلزم الرئيسَ الأمريكي بإشعار انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة شمال الأطلسي في غضون 30 يوماً، ويقطع التمويل عن جميع المساهمات الأمريكية في ميزانيات الناتو المشتركة، ما يمثل أعمق هزّة في التحالف الغربي منذ تأسيسه. لم يحظ مشروع القانون بدعم الجمهوريين، لكنه مع ذلك يظلّ علامة فارقة في تاريخ الناتو. وحسب فوكس نيوز، قال ماسي في منشور على منصّة إكس إنّ «الناتو أنتيكة من بقايا الحرب الباردة، يجب أن تنسحب الولايات المتحدة من الناتو وتوظّف تلك الأموال في الدفاع عن بلدنا، وليس عن الدول الاشتراكية».

عقيدة مونرو و«تتمة» ترمب
في المقابل، يُظهر تَعامُل الوثيقة مع المناطق الأخرى في العالم منطقاً براغماتياً قائماً على التقسيم الصارم لمناطق النفوذ. تعلن واشنطن أنّ استراتيجيتها الجديدة تبني على عقيدة مونرو عبر تأويل جديد سَمَّته «تتمة ترمب لعقيدة مونرو». في استراتيجية الإدارة الأمريكية للأمن، تُعلن واشنطن أن النصف الغربي من الكرة الأرضية هو منطقة نفوذها الحصري، أيْ «فناء خلفي» لا يسمح بأيّ وجود استراتيجي أو اقتصادي لقوى مُنافِسة. تترتّب على ذلك الإعلان حزمة من المخاطر، لا سيّما أنه يتزامن مع التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا، ما يعني أنّ الولايات المتحدة أنهت حقبة الديمقراطية الليبرالية بطموح توسّع إمبريالي صريح يستخدم العدة التقليدية للاستعمار بما فيها السيطرة العسكرية والإدارية على الشعوب. تعرّض هذه الطموحات شعوب أمريكا اللاتينية لمخاطر متزايدة من زعزعة الاستقرار ونهب الموارد وتدمير السيادة، خاصةً مع ضوء صعود تيارات يمينية مُتشدّدة في العديد من الدول مثل الأرجنتين وشيلي. لكنّ المطامع الأمريكية تعني أيضاً إخراج أطراف تجارية مهمّة من منطقة النفوذ الحصري الجديد، مثل الصين التي تملك استثمارات ضخمة في أمريكا اللاتينية صارت مُهدَّدة الآن ورهينة بالإرادة الأمريكية. والجدير بالذكر أنّ البنية التحتية الصينية في أفريقيا تتعرّض الآن لمنافسة حادة من الإمارات العربية المتحدة التي تحوّلت في عام 2025 إلى أكبر مستثمر في أفريقيا. يمكن فهم التوسّع الإماراتي في أفريقيا بوصفه جزءاً من التوسّع الإمبريالي الأمريكي في المناطق خارج حزام النفوذ الأمريكي المباشر حسب التقسيم الجديد لخريطة النفوذ الدولي.

في مقال صدر حديثاً، يؤكّد بروفيسور جيفري ساكس، الأستاذ بجامعة كولومبيا ومدير مركز التنمية المستدامة، أنّ الاستخدام الحالي لمفهوم «عقيدة مونرو» ينطوي على خطأ فادح في التفسير وفي فهم السياق الذي نشأت فيه تلك العقيدة، ويعدّ الاستشهاد بها بوصفها أول إعلان عن الهيمنة الأمريكية على النصف الغربي من العالم مغلوطاً. يذكّرنا ساكس أن الرئيس جميس مونرو وضع تلك السياسة عام 1823 في سياق وجود قوى استعمارية متعدّدة في المنطقة المحيطة بالولايات المتحدة الأمريكية. كان هدف مونرو الرئيس هو حماية دولته من تعقيدات التنافس الاستعماري الأوروبي في المنطقة: «القوى الاستعمارية الأوروبية يجب ألا تحاول مزيداً من الاستعمار أو التدخّل السياسي في نصف الكرة الغربي، بينما ستلتزم الولايات المتحدة في المقابل بعدم التدخل في شؤون أوروبا». يرى جيفري ساكس أنّ هذه السياسة عقيدة أمنية قائمة ليس على الهيمنة، إنما على المعاملة بالمثل، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة «لا تزال جمهورية ضعيفة على حافة القارة، تسعى لعزل نفسها عن صراعات موازين القوى في أوروبا. وقد أدرك قادتها أن التدخّل الأوروبي في أمريكا اللاتينية سيجلب حتماً التنافسات الأوروبية إلى العالم الجديد، ما يهدد استقلال أمريكا». في المقابل، وعد مونرو بأن الولايات المتحدة لن تتدخّل في شأن يجري خارج محيطها المباشر. بهذا المعنى، يقول جيفري ساكس: «تُمثل عقيدة مونرو نموذجاً لمجال الأمن: فقد حُميَت الأمريكيتان من أن تصبحا مسرحاً عسكرياً للإمبراطوريات الأوروبية المعادية، بينما تُركت دول أمريكا اللاتينية المستقلّة حديثاً حرةً رسمياً في اتباع سياساتها الداخلية والخارجية دون تدخّل لا من القوى الأوروبية ولا من الولايات المتحدة».

عالم بلا فلسطين؟
في عددٍ من المناسبات صرّح الرئيس الأمريكي أنّ تحييد القوة النووية لإيران، وتقويض نظام الأسد في سوريا، وتنظيمات حماس وحزب الله، تعدّ تسوية لمصادر القلقلة في الشرق الأوسط، لذلك يتعيّن على الولايات المتحدة الانتقال من وضعية التدخّل والتفاوض إلى حصد ثمار الاستثمار. ربما نجد تلخيصاً أميناً لفكرة الإدارة الأمريكية بشأن القضية الفلسطينية في ڤيديو الذكاء الاصطناعي الذي نشره ترمب على منصّته الإلكترونية في فبراير 2025. بدا الڤيديو مثل كابوس كرنڤالي تتقاطع فيه صور ترمب مع بنايات تحمل صورته، وراقصات شرقيات ملتحيات، بينما يركض بعض الأطفال حاملين بالونات عليها صورة رأس ترمب، ثمّ اللقطة الشهيرة حيث يسترخي ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على شاطئ يحمل اسم «غزة ترمب».

تضع الوثيقةُ الحالية السياسةَ الأمريكية إزاء الشرق الأوسط في مسارٍ يرى أنّ محضَ التفكير في بناء دولة فلسطينية مسألةٌ عقيمة. إنه شرق أوسط جديد، بلا فلسطين:

«ستظلّ أمريكا دائماً تملك مصالح أساسية في ضمان عدم سقوط إمدادات الطاقة الخليجية في يد عدوّ صريح، وأن يظلّ مضيق هرمز مفتوحاً، وأن يبقى البحر الأحمر صالحاً للملاحة، وألا تكون المنطقة حاضنة أو مصدّرة للإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو الوطن الأمريكي، وأن تظل إسرائيل آمنة. يمكننا، ويجب علينا، مواجهة هذا التهديد أيديولوجياً وعسكرياً دون حروب «بناء الأمم» العقيمة التي استمرت عقوداً. كذلك لدينا مصلحة واضحة في توسيع اتفاقيات إبراهيم لتشمل مزيداً من الدول في المنطقة ودول أخرى في العالم الإسلامي».

إنّ دلالة دفن مستقبل فلسطين في العبارة الغامضة بشأن «حروب عقيمة لبناء الأمم»، مع التأكيد على دعم الاتفاقات الإبراهيمية والتوسّع فيها، يكرس واقعاً جديداً تكون فيه إسرائيل هي اللاعب الرئيسي بلا منافس ولا رقيب، ومهما كان الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون. في الخريطة الجديدة لم تمح الآمال في الدولة الفلسطينية فقط بل فلسطين نفسها.

إن هذه الاستراتيجية، في جوهرها، خريطة طريق لعالمٍ تَنتقل فيه القوة مِن شبكة معقّدة من المؤسسات والتحالفات إلى قبضة أحادية الجانب، تمارس هيمنتها عبر السيطرة على المنظومة التقنية المصرفية العالمية، والبنية التحتية لتقنية الاتصالات الرقمية، مهدِّدةً بفرض عقوبات خاسفة على المعارضين، كما حدث عندما أمرت وزارة الخزانة الأمريكية شركة مايكروسوفت، وهي شركة خاصة، بتجميد حسابات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لأنّ ترمب قرّر وضع اسمه على قائمة العقوبات، في سابقة خطيرة تخلط بين القانون والسياسة، وبين السلطة العامة والشركات الخاصة. في واقعة أخرى لا تقلّ استفزازاً، صرّحت فرانشيسكا ألبانيزي، المقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز، في مقابلة مع الإعلامي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون، بأن الولايات المتحدة الأمريكية تمنعها من دخول أراضيها، حيث تعمل، كما حرَمتها من الوصول إلى أي نوع من أنواع الخدمات المصرفية، بما في ذلك إمكان الوصول إلى حسابها البنكي. لقد استخدمت الولايات المتحدة سلاح سيطرتها على النظام المالي لمعاقبة قاضٍ ومندوبة أممية لا تتفق معهما في الرأي.

في هذا المشهد الجيوسياسي المُعادِ تشكيله، تبدو الحرب في السودان نموذجاً مصغّراً ومسبقاً للعالم الذي تريد واشنطن تشييده، فالصراع المدمر بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع لا يُفهم بمعزل عن تحوّلات السياسة الدولية. فالدعم السريع، وهي وريثة مليشيات الجنجويد التي ارتكبت إبادة جماعية في دارفور بدعم من الجيش، تحوّلت إلى لاعب إقليمي بالوكالة، تدعمه دولة الإمارات العربية المتحدة بالسلاح والمرتزقة على نحو ممنهج. مثّل وجود المرتزقة الكولومبيين في صفوف الدعم السريع في السودان لحظة كاشفة في منطق حروب النظام العالمي الجديد. حسب صحيفة The Eastern Herald فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شبكة عابرة للحدود متهَمة بتجنيد مئات الجنود الكولومبيين السابقين للقتال إلى جانب مليشيات الدعم السريع في السودان: «الإجراء الذي أعلنته وزارة الخزانة في 8 ديسمبر 2025 يستهدف أربعة أفراد وأربعة كيانات، معظمهم مواطنون وشركات كولومبية، تقول السلطات إنهم عمدوا إلى توجيه الخبرة التكتيكية إلى صراعٍ أودَى بحياة عشرات الآلاف وشرّد الملايين منذ أبريل 2023». اللافت للنظر أن الخزانة الأمريكية، بينما توجه انتقادات إلى كولومبيا بشأن مشاركة مقاتلين كولومبيين في الحرب، تتجاهل عمداً أيّ إشارة إلى دَور الإمارات بوصفها الطرف الوسيط والمسهّل والراعي لهذه المشاركة. هذا التجاهل، ليس سهواً، إنما هو جزء من صفقة غير مكتوبة تطلق فيها واشنطن يد حلفائها الإقليميين في مساحات تحرّك سياسي معينة مقابل الولاء والتعاون في ملفات أخرى، مثل التطبيع مع إسرائيل أو محاصرة إيران. السودان هنا هو النموذج الأليم: دولة غنية بالموارد تقع في مفترق طرق استراتيجي، تُترك فريسة لصراع بالوكالة بين قوى إقليمية تحت الغطاء الأمريكي، بينما يُنظر إلى شعبها بوصفه تكلفة جانبية في معادلة تحقيق النفوذ والتحكّم في الموارد، خاصة الذهب والمعادن الحرجة لصناعة التكنولوجيا الفائقة.

أفريقيا: عودة الاستعمار بلا سرديّة حضارية هذه المرة
أخيراً، تكشف الوثيقة عن نظرة إلى القارة الأفريقية تعيد إنتاج أنماط الاستعمار الكلاسيكي في ثوب حديث. فبعد أن كانت ملفات التنمية والديمقراطية تحتلّ حيزاً ولو شكلياً في الخطاب الأمريكي، تعلن الوثيقة صراحة تحوّل العلاقة من «الدعم» إلى «التجارة»، مع التركيز على الوصول إلى المعادن النادرة دون أي التزام حقيقي بالتصنيع المحلي أو نقل التكنولوجيا. اتفاقية السلام التي فرضتها واشنطن بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، والتي مهّدت الطريق أمام شركات أمريكية للحصول على امتيازات استخراج الكوبالت والنحاس، هي النموذج العملي لهذه الفلسفة. بهذه الاستراتيجية الجديدة تعود أفريقيا إلى القرن التاسع عشر، حيث تُقسّم مناطق النفوذ، وتُستخرج الثروات، وتُترك الشعوب لمواجهة العنف المباشر بلا حليف. هذه المرة، أعفت القوى الاستعمارية أفريقيا من خطاب التحضّر، فالوثيقة الجديدة تصرّح بالتخلي عن إرسال المعونات؛ وفي الوقت نفسه التوقّف عن تصدير قيم الديمقراطية الليبرالية إلى أفريقيا. لن يكون هناك مزيد من الأقنعة بشأن حقوق المرأة وحقوق الإنسان والأقليات، أي أن الآلة الاستعمارية ستتحرك بقوة العنف العاري متخليةً عن الرسالة الروحية ومهام إنقاذ الإنسان الأفريقي من ظلامه الروحي.

استراتيجية ترمب ليست محض سياسة خارجية؛ إنها إعلان نهاية عصر وبداية آخر أشدَّ قسوة، تنتقل فيه الهيمنة مِن قيادة تحالفات معقدة إلى ممارسة سيطرة مباشرة عبر أدوات العصر: العقوبات المالية، والحصار التكنولوجي، وحروب الوكالة، وخطاب الهوية العنصري. العالم الذي يتشكّل هو عالمٌ لا مكان فيه للضعفاء.

إذن، ما العمل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى