الاستثمار في السودان .. تقاطعات الحرب والإعمار

الأحداث – وكالات
“لم أستطع أن أستمر، التحديات كثيرة، ورأس المال جبان، لذا فقد قررت إلغاء المشروع برمته والعودة من حيث أتيت”.. بهذه العبارات المختصرة، أغلق محمد عبد الله مشروعه الاستثماري وأحد أحلام حياته بإنشاء مصنع للأدوات البلاستيكية جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، بعد أن وضع لبناته الأولى بعد الحرب، ولكن العقبات والتحديات التي واجهته لقيام المشروع عجلت بنهايته.

يقول عبد الله الذي تحدث لــ”المحقق”: إن “حجم التحديات الاستثمارية في السودان بعد الحرب لا يمكن أي مشروع استثماري من النهوض”.
ويضيف: “الدولة لا تريد أن تفعل شيئاً للمستثمر، وتريده أن يقوم بكل شيء بدءاً من إدخال الكهرباء التي تكلف مبالغ طائلة بعد الحرب، بالإضافة إلى الجبايات والرسوم المتعددة وغياب التنسيق بين الجهات ذات الصلة بالعمل الاستثماري”. حروبوصراعات

وعلى غرار مشروع عبد الله، يبدو الواقع الاستثماري في السودان بعد الحرب محاطاً بالتحديات والعقبات المزمنة منها والحديثة.

وبحسب تقارير سابقة للبنك الدولي، فإن السودان يحتل مرتبة متأخرة في مجال سهولة ممارسة الأعمال، والتي تمكّن المشاريع الاستثمارية من المضي قدماً والدخول في الدورة الاقتصادية للبلاد.

وتكمن التحديات التي تواجه الاستثمار بالسودان في الموازنة ما بين الإمكانيات الضخمة من الموارد وبين استغلالها بصورة مثلى.

ويرى مستثمر وطني – فضل حجب هويته – أن التحديات المؤسسية والهيكلية التي تواجه الواقع الاستثماري في البلاد بعد فترة الحرب تنقسم إلى تحديات موجودة مسبقاً تتمثل في ضعف كفاءة بعض مؤسسات الخدمة المدنية، وغياب التنسيق بينها، وتعقيد الإجراءات والبيروقراطية.

وقال في حديثه لــ”المحقق”: إن هذه المشكلات قديمة تفاقمت بسبب الحرب ولكنها لم تنشأ بسببها فقط، مشيراً إلى وجود التحديات الناتجة عن ظروف الحرب المستمرة، والتي تشمل فقدان السيطرة على مناطق الإنتاج؛ حيث إن ما يقدر بنحو 40% من مساحة السودان خارج نطاق السيطرة الحكومية وتتواجد بها قوات الدعم السريع، وهي مناطق تضم ثروات زراعية وحيوانية ضخمة ومؤثرة على الاقتصاد.

وأشار إلى أزمة أصول الطاقة والتوزيع الناجمة عن الأضرار البالغة التي لحقت بقطاع الكهرباء (التوليد، النقل، والتوزيع)، بالإضافة إلى أزمة القطاع المصرفي ورأس المال بعد تعرض البنوك لسرقات وتلف الأصول، بجانب تعثر التمويلات الممنوحة سابقاً بسبب تعرض المصانع والبضائع للنهب والدمار.
ونوه إلى تدهور قيمة العملة وانخفاض قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار من نحو 500 جنيه قبل الحرب إلى حوالي 5550 جنيهاً، مما يعني أن استرداد أي ديون سابقة يعادل نحو 10% من قيمتها السابقة. تاريخ

وكشف عن ضعف الرساميل البنكية وارتفاع تكلفة التمويل مما يحد من قدرتها على ضخ السيولة لقطاع الأعمال، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية وسلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة للتوترات والحروب الإقليمية، بجانب تراجع القوة الشرائية وانقطاع مرتبات العاملين في القطاعين العام والخاص لفترات طويلة، وتآكل القيمة الفعلية للأجور جراء التضخم الحاد.

وقال إن من أبرز التحديات التي تواجه الاستثمار تداخل الاختصاصات وتضارب الصلاحيات بين السلطات الاتحادية (المركز) والسلطات الولائية مع تعدد الرسوم والجبايات، وفرض رسوم مالية متعددة من جهات مختلفة دون سند قانوني أو تشريعي واضح.

وأضاف: “هنالك عدم تنسيق واضح بين وزارتي الاستثمار والصناعة من جهة وهيئة الجمارك من جهة أخرى؛ حيث يتم منح المستثمر موافقات وإعفاءات جمركية على كشوفات الاحتياجات، بينما ترفض الجمارك تطبيقها”. حروبوصراعات

وأشار إلى أن ضعف الخدمة المدنية والبيروقراطية القاتلة، مع وجود ضعف في كفاءة الكوادر والبطء الشديد في إنهاء إجراءات المعاملات البسيطة، يعمل على خلق واقع مشوه للبيئة الاستثمارية.

وأكد على وجود صعوبة في جذب الاستثمار أثناء الحرب في ظل استمرار النزاع المسلح الذي يمنع دخول أي رؤوس أموال تستهدف الاستقرار وتحسين قيمة الجنيه السوداني أو خفض التضخم.

وتوقع أن تكون طبيعة الاستثمار بعد الحرب قائمة على المستثمرين الباحثين عن “الاستثمار السريع عالي الربحية” لاسترداد أموالهم في فترة قصيرة، وليس “الاستثمار الصبور طويل الأجل”، وذلك لعدم يقين البيئة الاستثمارية حينها.
واقترح إنشاء مفوضية الاستثمار وإعادة الإعمار مع دمج ملف إعادة بناء البنية التحتية مع ملف الاستثمار ليعملا بالتوازي، والتركيز على قطاع الطاقة (الكهرباء) من خلال إنشاء مزارع الطاقة الشمسية الكبيرة لسرعة تنفيذها (خلال عام) وسرعة دورة العائد المالي فيها، وتفعيل قوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع العمل على توحيد وحسم الجبايات وإنهاء ظاهرة فرض الرسوم العشوائية بقرارات حازمة.

إلا أن الأمين العام المكلف للجهاز القومي للاستثمار، نور الدائم بابكر، أكد على وجود تسهيلات تشريعية وإجرائية من خلال تطبيق نظام النافذة الموحدة، مع إلغاء وتوحيد الرسوم في رسم واحد يُدفع إلكترونياً.

ووفقاً لحديث بابكر مع “المحقق”، فإن هنالك المساواة الكاملة بين المستثمر الوطني والأجنبي، مع إلغاء شرط وجود الشريك المحلي للمستثمر الأجنبي.
وأشار إلى التحول الرقمي (زيرو ورق/ زيرو مقابلات) من خلال تحويل “النافذة الواحدة” إلى بوابة إلكترونية بالكامل؛ لإنجاز المعاملات، والمتابعة، والربط مع الضرائب والجمارك دون بيروقراطية.

وأكد بابكر على استمرار التدفقات الاستثمارية للبلاد بعد الحرب، وعدم مغادرة المستثمرين للسودان، وتفنيد وجود تراجع استثماري؛ بل يُتوقع تدفق المزيد خاصة بعد التعافي وتحديثات البنك الدولي.

ونوه إلى وجود مجالات استثمارية واعدة تشمل الزراعة والإنتاج الحيواني والتعدين، بالإضافة إلى الصناعة، و خدمات الطاقة الشمسية، والتحول الرقمي، والنقل، والخدمات الطبية.
وأوضح وجود ضمانات ضد المخاطر السيادية، وحظر التأميم والمصادرة والحجز الإداري إلا بحكم قضائي وتعويض فوري بسعر السوق، مع حرية رأس المال والحرية الكاملة لتحويل الأرباح ورأس المال للخارج دون سقف أو إذن مسبق من بنك السودان.
بدوره، يشير خبير التطوير المؤسسي، النعمان يوسف، إلى أن إصلاح البيئة الاستثمارية يبدأ من الانطلاق نحو اقتصاد منتج من خلال خروج الدولة من ممارسة العمل الاستثماري وحصر دورها في وضع القواعد والأسس والقوانين وتوفير البيئة. قوانينوحكومات

وشدد النعمان على أهمية إصلاح المنظومة التشريعية من خلال مراجعة القوانين القائمة وليس بإصدار المزيد من القوانين، مع العمل على إزالة التعارض وتوحيد المرجعيات المنظمة للاستثمار.

وطالب بتفعيل النافذة الموحدة للاستثمار وتحويلها من شعار متداول إلى واقع مؤسسي، مع العمل على اعتماد الرقمنة كسياسة دولة.

نقلا عن موقع “المحقق”

Exit mobile version