. ليبيا: منصة لوجستية للعبور وإعادة التوزيع في اقتصاد السلاح الإقليمي
شبكة متعدّدة العقد والوظائف
لا تظهر ليبيا في هذا الملفّ كساحة مجاورة أو مجرّد ممرّ حدودي، بل كحلقة مركزية في بنية إمداد عابرة للحدود تطوّرت تدريجياً إلى عمق لوجستي وعملياتي خلفي لمليشيا قوات الدعم السريع. فقد خلص فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، في تقريره النهائي الصادر في 24 مارس/آذار 2026 والذي يغطّي الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2024 وفبراير/شباط 2026، إلى أنّ مناطق جنوب شرق ليبيا، ولا سيّما محيط الكفرة، أصبحت جزءاً من شبكة تُستخدم لنقل الأسلحة والمعدّات والوقود والمقاتلين الأجانب إلى مليشيا الدعم السريع والقوات المرتبطة بها.
ولم يقتصر الدور الليبي، وفق المعطيات الموثقة، على تسهيل العبور، بل شمل توفير مرافق للتجميع والتوقّف، وصيانة وتعديل المركبات القتالية، ونقل المقاتلين، وتوفير الوقود وقطع الغيار، بما يجعل جنوب ليبيا جزءاً من البنية التي تُجهَّز فيها القوة قبل انتقالها إلى الأراضي السودانية .
تكتسب هذه الخلاصة أهميتها من أنّ التقرير الأممي لا يتحدّث عن طريق واحد ثابت، وإنما عن شبكة متعدّدة العقد والوظائف. فقد وثّق وجود منشآت تستخدمها عناصر مرتبطة بمليشيا الدعم السريع في محيط الكفرة، بما في ذلك موقع يقع على مسافة نحو خمسة وسبعين كيلومتراً جنوب غرب الكفرة، ومرافق مرتبطة بقاعدة معطن السارّة، إضافة إلى مرافق قريبة من مطار الكفرة استُخدمت، وفق نتائج الفريق، في استقبال المقاتلين الأجانب وتعديل المركبات قبل تحرّكها نحو السودان. كما وثّق التقرير دور «كتيبة سُبُل السلام» في تأمين الحركة وتسهيل نقل المقاتلين والمعدّات عبر الأراضي الليبية . ويُذكر أنّ الكفرة تبعد نحو ثلاثمئة كيلومتر عن الحدود السودانية .
من ممرّ عبور إلى قاعدة خلفية
يكشف هذا التطوّر عن تحوّل نوعي في وظيفة ليبيا داخل الحرب السودانية: من ممرّ عبور إلى قاعدة لوجستية لإعادة تشكيل القوة وإدامة تدفّقها. فالمركبات لا تدخل ليبيا بالضرورة لتخرج منها بالطريقة نفسها، بل يمكن أن تتوقّف وتُعدَّل وتُزوَّد بالوقود وقطع الغيار، بينما يتجمّع المقاتلون الأجانب في نقاط تجميع قبل نقلهم جنوباً. ويعني ذلك أنّ القيمة الاستراتيجية للكفرة لا تكمن في موقعها الجغرافي وحده، وإنما في قدرتها على الجمع بين النقل والتخزين والتجهيز والحماية وإعادة التوجيه داخل عقدة واحدة .
وتتّصل هذه البنية بمسار أقدم وثّقه فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان. ففي تقريره النهائي الصادر في 15 يناير/كانون الثاني 2024، أورد الفريق — استناداً إلى تتبّع الرحلات الجوية ومصادر ميدانية — أدلة ذات مصداقية عن تدفّقات جوية للأسلحة والمعدّات إلى أم جرس في شرق تشاد، ثم نقلها برّاً عبر قوافل صغيرة إلى دارفور وتسليمها إلى قوات الدعم السريع، قبل أن يتحرّك بعضها لاحقاً نحو الخرطوم إبان فترة احتلال مليشيا الدعم السريع للعاصمة. وشملت الشحنات أسلحة خفيفة وطائرات قتالية مسيّرة وصواريخ مضادة للطائرات وقذائف هاون، في خرق لحظر السلاح المفروض بموجب قرار مجلس الأمن 1591 (2005). كما وثّق الفريق مسارات إمداد من جنوب ليبيا، بما في ذلك نقل مركبات ومعدّات عبر الأراضي الليبية باتجاه السودان، مشيراً إلى دور فاعلين مسلّحين محلّيين في تأمين هذه الحركة . ويُقرأ هذا التقرير اليوم مقروناً بتقرير الفريق اللاحق الصادر في 17 أبريل/نيسان 2025 والذي أكد على نفس هذه المعطيات .
إعادة التموضع: من أم جرس إلى الكفرة
تشير مقارنة التقارير الأممية المتعاقبة إلى تطوّر مهمّ في جغرافيا شبكات التهريب. فقد كان مسار أم جرس–دارفور في 2023 و2024 أحد أهمّ محاور الإمداد التي جرى توثيقها بدقة، لكنّ الضغوط التي تعرّض لها هذا المسار لم تؤدّ إلى توقّف التدفّقات بقدر ما دفعت إلى إعادة توزيع وظائفها جغرافياً. وبحلول 2025 برز جنوب شرق ليبيا والكفرة بصورة أوضح كمركز لوجستي بديل أو موازٍ . ويقدّم تحقيق لرويترز نشره ألكسندر دزيادوش وجوليا بارافيتشيني في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025 تأكيداً مستقلاً لهذه التحولات، إذ خلص — استناداً إلى أكثر من اثني عشر مسؤولاً عسكرياً واستخبارياً ودبلوماسياً، وإلى صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبّع الرحلات — إلى أنّ الإمدادات المرسَلة عبر مهبط الكفرة ساعدت قوات الدعم السريع على تكثيف وإعادة دعم عملياتها بعد استرداد الجيش السوداني للخرطوم في مارس/آذار 2025. ونقل التحقيق عن برقية دبلوماسية غربية مؤرّخة في سبتمبر/أيلول 2025 وصفها «الممرّ الليبي» بأنه صار «نقطة ارتكاز رئيسية» لعمليات إمداد مليشيا الدعم السريع .
تدعم المعطيات الكمّية هذا الاستنتاج. فقد أحصى جستن لينش، المدير الإداري لـ«مجموعة الاستبصار في النزاعات»، مئة وخمس عمليات هبوط لطائرات شحن في الكفرة بين الأول من أبريل/نيسان والأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بمطابقة صور الأقمار الصناعية ببيانات تتبّع الرحلات — ولم تتمكّن رويترز من التحقّق من الرقم على نحو مستقلّ. ثم أوردت المجموعة في تقريرها الصادر في أبريل/نيسان 2026 أنّ عدد طائرات إليوشن-76 التي رصدتها في الكفرة ارتفع من عشر طائرات بين أبريل/نيسان 2024 ومارس/آذار 2025 إلى مئة وثلاث وأربعين طائرة بين أبريل/نيسان وديسمبر/كانون الأول 2025 بدرجة ثقة تبلغ خمسة وتسعين في المئة فأعلى، أي بمعدّل 15.8 رحلة شهرياً — وهو المعدّل نفسه الذي كان يتم في مطار أم جرس قبل انكشافه . مما يدل على ان المسار لم يتوقّف تحت الضغط الدولي، بل أُعيد توجيهه بالمعدّل ذاته.
الجسر الجوي: الطائرات والمشغّلون بأسمائهم
لا يعتمد هذا التوثيق على كثافة الحركة وحدها، بل أيضاً على أنّ الطائرات نفسها معروفة ومحددة بأرقامها. فقد رصدت رويترز هبوط طائرتَي إليوشن-76 تشغّلهما شركة «فلاي سكاي»، المسجلة في قيرغيزستان، في الكفرة — وهما الطائرتان EX-76017 وEX-76022 — وسبق لكلّ منهما أن نفّذت ستّ رحلات على الأقلّ من الإمارات إلى أم جرس بحسب تحليل سابق للوكالة. وسبق أن تم رصد الشركة نفسها في تقرير أممي بنقل أسلحة من الإمارات إلى قوات خليفة حفتر. كما رصدت رويترز طائرة تشغّلها شركة «سابسان» — المملوكة لشركة «بو شمس» ومقرّها الإمارات — هبطت في الكفرة في الثاني عشر من يوليو/تموز قادمةً من بوصاصو في إقليم بونتلاند الصومالي، حيث درّبت الإمارات قوات أمن محلّية ومّولتها. وكان تقرير أممي عن ليبيا صادر في مايو/أيار 2022 قد أورد أنّ الشركة نفّذت رحلات «للإمداد المباشر وغير المباشر بالمعدّات العسكرية وغيرها من المساعدات» ضمن جسر جوي إلى حفتر مطلع العقد . وهذه أرقام تسجيل قابلة للتحقّق المستقلّ، مما يزيد من مستوى الإثبات.
وأضاف تحقيق ثانٍ لرويترز نُشر في 15 يوليو/تموز 2026 طبقة أخرى من الاثباتات، إذ تتبّع ثلاث طائرات بوينغ قديمة تشغّلها شركات مرتبطة بستيفن شوليس، وهو جندي سابق في القوات الخاصة الأمريكية ومتعاقد حكومي أمريكي منذ سنوات، من مطار في تشاد إلى محطات لوجستية تستخدمها مليشيا قوات الدعم السريع في السودان وليبيا والصومال. وأورد التحقيق أنّ إحدى الطائرات — وهي بوينغ 737 — كان على متنها مقاتلون من الدعم السريع حين دُمِّرت في مايو/أيار 2025. ويشترك شوليس مع كريغ مونرو في ملكية شركة «كونتراكتر إيرويز» المسجّلة في جنوب أفريقيا، والتي اشترت اثنتين من طائرات البوينغ 727 من شركة «كاليتا». وقد نفى مونرو سابقاً أيّ صلة لشركته بقوات الدعم السريع، ولم تعثر الوكالة على دليل على أنّ شوليس أو شركاته خضعوا لعقوبات أو اتُّهموا رسمياً بأي مخالفة .
ثم جاء ما هو أهمّ: كشفت رويترز في 29 يوليو/تموز 2026 أنّ مسودة تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، المقرّر نشرها في سبتمبر/أيلول 2026، خلصت إلى أنّ طائرات البوينغ 727 المعنية نقلت مرتزقة وأسلحة وطائرات مسيّرة لصالح مليشيا الدعم السريع. ونصّ التقرير على أنّ «قوات الدعم السريع استخدمت الممرّ الجوي أنجمينا–نيالا لنقل المقاتلين والمرتزقة الأجانب والمعدّات العسكرية، بما فيها الطائرات المسيّرة والأسلحة، إلى دارفور»، وأنّ الفريق تلقّى «معلومات موثوقة من أربعة مصادر» — شاهدَين في نيالا ومراسلات من دولتين عضوين. وسجّل التقرير هبوط طائرات بوينغ 727 وإليوشن-76 ليلاً في نيالا بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2026، وأنّ الطائرات تعمل من أنجمينا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وتتّخذ «خطوات متعمّدة لتفادي الرصد أثناء الطيران» — إذ لم تظهر رحلاتها على أنظمة التتبّع المستقلّة . وبذلك أصبح الجسر الجوي منظومة متعدّدة المراحل تجمع النقل الجوي الاستراتيجي بالنقل البرّي التكتيكي، وتُخفي أثرها عمداً.
المرتزقة في صفوف المليشيا: من بوغوتا إلى الفاشر
وفي هذه الدائرة تتداخل تجارة السلاح مع حركة المرتزقة. فقد أشار تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا إلى دور «كتيبة سُبُل السلام» السلفية، المرتبطة بالقوات المسلحة العربية الليبية، في تسهيل حركة مقاتلين أجانب ومعدّات عسكرية عبر منطقة الكفرة باتجاه السودان، ووثّق وجود مقاتلين كولومبيين ضمن هذه الحركة .
وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية عند مقارنتها بتحقيقات مستقلّة لاحقة. فقد خلصت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير من ثلاث وثمانين صفحة صدر في 25 مايو/أيار 2026 بعنوان «من بوغوتا إلى الفاشر»، إلى أنّ شركة «غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز قروب» ومقرّها أبوظبي جنّدت منذ 2024 مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين تم نشرهم في السودان للقتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع، وأنّهم مرّوا عبر قواعد عسكرية إماراتية قبل وصوله الي السودان .
وتضمنت منهجية التقرير مقابلات مع عدد من المرتزقة الكولومبيين الذين كانوا في السودان، وثلاثة مصادر مطّلعة على شركات التجنيد الكولومبية وشركات الأمن الإماراتية، وستّة من سكان الفاشر الذين شاهدوا المقاتلين الأجانب في المدينة.
قد وثّقت المنظمة نشر ما لا يقلّ عن ثلاثمئة كولومبي منذ أغسطس/آب 2024 — وهو التوقيت الذي كانت فيه قوات الدعم السريع تُحكم حصار الفاشر — وحدّدت جغرافياً مقطعاً مصوّراً من يناير/كانون الثاني 2025 يُظهر أحد المرتزقة وهو يشغّل مدفع هاون، وأثبتت وجود متعاقدين في المدينة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 حين اقتحمتها المليشيا وارتكبت فيها القتل والاغتصاب على نطاق واسع، وهي الأحداث التي وصفتها بعثة تقصّي الحقائق الأممية بأنها تحمل «معالم الإبادة الجماعية» . وأشارت مسودة تقرير فريق الخبراء إلى نحو ألف وخمسمئة مرتزق كولومبي يُعرفون باسم «ذئاب الصحراء»، جنّدتهم الشركة نفسها لصالح القتال في صفوف المليشيا .
وتضيف تحقيقات المصادر المفتوحة طبقة أخرى إلى هذه الصورة. فقد خلصت تحقيقات متخصّصة في حركة المقاتلين والرحلات والبيانات الرقمية إلى أنّ مسارات الكولومبيين لم تكن خطاً مباشراً من كولومبيا إلى السودان، بل كانت رحلة متعدّدة المراحل شملت الإمارات ومواقع في شرق ليبيا ثم الانتقال البرّي والجوي إلى مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع . وتدعم هذه المعطيات الاستنتاج القائل إنّ البنية الخارجية للحرب لا تنقل السلاح وحده، إنها تنقل أيضاً القوة البشرية والخبرة القتالية والقدرة التشغيلية.
البنية ليست وليدة الحرب الراهنة
على أنّ هذه البنية أقدم من الحرب نفسها. فقد وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا في تقريره لعام 2021 أنّ منشأة الغياثي العسكرية في أبوظبي استُخدمت في تدريب مرتزقة سودانيين استأجرتهم شركة الأمن الإماراتية «بلاك شيلد» تحت إشراف ضبّاط إماراتيين . والمنشأة نفسها تظهر اليوم في مسار الكولومبيين. خمس سنوات تفصل بين الواقعتين، وتربطهما المنشأة ذاتها. وهذا ما ينقل التوصيف من «وقائع متكرّرة» إلى «بنية قائمة» — وهو فارق قانوني لا بلاغي، لأنّ الاستمرارية تُنشئ قرينة على العلم والقصد لا يُنشئها الحادث المفرد.
من الذي يدير العملية
تمتدّ سلسلة إدارة هذه الشبكة إلى أشخاص محددين بعينهم لا إلى كيانات مجرّدة. فشركة «غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز قروب: Global Security Services Group (GSSG) » والتي أسّسها أحمد محمد الحميري، الأمين العام لديوان الرئاسة الإماراتي، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى محمد حمدان الزعابي المرتبط بشبكة تجارية أوسع . وهذا الانتقال من مستوى الدولة إلى مستوى المسؤولين بأسمائهم هو ما يحتاجه مسار المساءلة الفردية أمام آليات العقوبات والقضاء الدولي. ويُلاحَظ أنّ ثلاثة مصادر مستقلّة — تقرير هيومن رايتس ووتش، وتقرير «ذا سنتري»، ومسودة تقرير فريق الخبراء — تلتقي على الشركة نفسها، وهو تقاطع نادر في هذا الملفّ.
الأدوار المتعددة وإعادة البيع في السوق الموازية
ولا تقتصر وظيفة العقدة الليبية على الأسلحة والمقاتلين. فقد كان الوقود والمركبات جزءاً أساسياً من بنية الدعم المقدم لمليشيا الدعم السريع. وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة في تقاريره السابقة حصول قوات الدعم السريع على مركبات، بما فيها مركبات من طراز لاند كروزر، من جنوب ليبيا ونقلها عبر الكفرة باتجاه دارفور. ثم جاء تقرير 2026 ليضيف أنّ بعض المركبات الداخلة عبر ليبيا خضعت للتعديل في منشآت قريبة من الكفرة قبل استخدامها في العمليات . وهذا التفصيل مهمّ لأنه يعني أنّ ليبيا لم تكن مجرّد مكان لتسليم الشحنة، بل جزءاً من عملية توليد القدرة العسكرية نفسها.
وكما أنّ هذه الشبكة لا تعمل في اتجاه واحد فقط. فقد وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا إعادة توجيه أو بيع ذخائر ومعدّات كانت متجه أصلا لمليشيا قوات الدعم السريع في أسواق وشبكات أخرى في المنطقة. وشملت الحالات الموثّقة ذخائر من عيار 7.62×39 ملم وصلت إلى شبكات مرتبطة بتهريب الذهب في النيجر، مع صلات بأفراد مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية. كما وثّق التقرير تعامل وسطاء ليبيين وتشاديين مع جزء من الشحنات الموجَّهة إلى الدعم السريع وإعادة بيعها إلى جهات مسلّحة في المنطقة .
وهذه النقطة تنقل التحليل إلى مستوى مختلف تماماً. فالمسألة لم تعد مجرّد خطّ إمداد عسكري يعمل وفق مسار محدّد بين مصدر ووجهة نهائية، بل بدأت تأخذ شكل سوق إقليمية موازية للسلاح والذخائر. فالسلاح الذي يدخل الشبكة لا يظلّ بالضرورة في المسار الذي خُصِّص له، يمكن أن يُعاد بيعه أو تحويله أو تسريبه وفق الطلب والسيولة والروابط بين شبكات التهريب والذهب والجماعات المسلّحة . وبذلك تتقاطع الحرب السودانية مع اقتصاديات الجريمة المنظّمة في الساحل، ويصبح استمرار تدفّق السلاح منتِجاً لشبكات مصالح تتجاوز الهدف العسكري المباشر لقوات الدعم السريع. وقد فصّلت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظّمة عبر الوطنية هذا الامتداد في دراستها الميدانية عن أثر الحرب السودانية في أسواق السلاح وشبكات المرتزقة في تشاد وليبيا .
وتكتمل الصورة عند النظر إلى وجهة الفائض المقتطَع. فنقاط التسليم الموثّقة داخل الأراضي التشادية — كوري بوغودي، وبردَي، ووادي مارو، وكتلة إيمي كوسي، ومنطقة ديردي-ووني في إقليم كانم — تقع جميعها على مسافة تتراوح بين اثنين وسبعين وخمسمئة كيلومتر وثمانمئة وثمانين كيلومتراً من الحدود السودانية التشادية، وليست مجاورة لها ولا تشكّل جزءاً منها. أي أنّ ما يخرج من منظومة الإمداد لا يتجه إلى الجبهة السودانية، بل يتّجه شمالاً وغرباً نحو ممرّات الساحل. وهذا هو الفرق بين خسارة ميدانية عارضة وآلية تحويل منظّمة، فهذه الشبكة لا تعمل على الاتجار في مجرد فقدان شحنة أسلحة في سياق عمليات عسكرية، وإنما هي عبار عن مسار يمكن أن يُعاد فيه توجيه الأسلحة والذخائر إلى فاعلين مسلّحين آخرين داخل الإقليم.
الراجح أن يكون لهذا التحويل غرض مزدوج: تحقيق عائد مادي مباشر من إعادة بيع السلاح والذخائر في اقتصاد الحرب، وفي الوقت نفسه استمالة مجموعات مسلّحة أخرى عبر تزويدها بالموارد التي تحتاجها للاستمرار والتوسع. وبذلك تتحول الأسلحة من مجرد سلعة إلى أداة لبناء النفوذ، تسمح للشبكة المسيطرة على مسارات الإمداد بخلق علاقات اعتماد مع جماعات مسلحة متعددة، وربط مصالحها باستمرار تدفق السلاح عبر الحدود. وتزداد أهمية هذا الاحتمال في بيئة إقليمية تتداخل فيها شبكات التهريب مع اقتصاد الحرب والتحالفات المسلحة، حيث يمكن للمسيطر على مسار الإمداد أن يحوّل فائض السلاح أو الشحنات المعاد توجيهها إلى وسيلة لتوسيع شبكة حلفائه وتأمين طرق العبور وحماية مصالحه المستقبلية. وتشير التحقيقات الحديثة بشأن شبكات الإمداد المرتبطة بحرب السودان إلى أن تدفقات السلاح والمرتزقة عبر ليبيا وتشاد ومراكز إقليمية أخرى أصبحت جزءاً من منظومة عابرة للحدود، لا تقتصر وظائفها على إيصال الإمدادات إلى طرف واحد .
تعدّد الفاعلين ولا مركزية القرار
ويفسّر ذلك أيضاً لماذا ينبغي تجنّب تصوير الشبكة باعتبارها علاقة ثنائية بسيطة بين مصدر خارجي وقوات الدعم السريع. فالبنية التي تكشّفت في ليبيا وشرق تشاد لا تتكوّن من فاعل واحد، وإنما من سلسلة من الوسطاء والعقد: شركات طيران وشحن، ومنشآت جوية، وجماعات مسلّحة محلّية، وشبكات وقود، ووسطاء أسلحة، ومتعهّدون عسكريون، ومجنَّدون أجانب، وشبكات تهريب تمتدّ إلى الذهب والجريمة المنظّمة. وتعمل هذه العناصر بدرجات مختلفة من التنسيق، وليس بالضرورة عبر قيادة مركزية واحدة، وهو ما يفسّر قدرة الشبكة على الاستمرار حتى مع تغيّر المسارات والضغوط السياسية والعسكرية .
شرق ليبيا: التمييز الواجب
وتظهر هنا أهمية الدور الذي تلعبه القوات التابعة لخليفة حفتر في شرق ليبيا. فالتقارير الأممية لا تقول بأنّ كلّ مكوّنات القوات المسلحة العربية الليبية تعمل بالضرورة بالطريقة نفسها أو وفق قرار مركزي واحد، ولذلك يجب تجنّب التعميم. لكنها توثّق بصورة متكرّرة وجود تفاعل بين وحدات وقادة محلّيين في الجنوب الليبي وشبكات الإمداد المتّجهة إلى السودان، بما في ذلك دور «كتيبة سُبُل السلام» الموالية لحفتر ومرافق عسكرية مرتبطة بالكفرة ومعطن السارّة. وهذا يفرض التمييز بين المسؤولية المؤسسية المباشرة وبين توفير بيئة عملياتية تسمح للشبكة بالعمل والحماية والحركة . ويُضاف إلى ذلك ما أوردته المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظّمة من أنّ لوحدات محلّية في القوات المسلحة العربية الليبية التابعة لحفتر، التي سيطرت على شرق ليبيا بدعم إماراتي قبل نحو عقد، صلات تهريب راسخة مع عناصر من قوات الدعم السريع .
استجابة العقوبات
أمّا استجابة العقوبات فقد جاءت على أربع موجات متتابعة في سبعة أشهر: شبكة تجنيد الكولومبيين في 9 ديسمبر/كانون الأول 2025 ، ثمّ قادة ميدانيون عن فظائع الفاشر في 19 فبراير/شباط 2026 ، ثمّ شبكة تجنيد أخرى في 17 أبريل/نيسان 2026 ، ثمّ شبكات إمداد في يونيو/حزيران 2026 . وتكرارها في هذا الأمد القصير لا يدلّ على فاعليتها بقدر ما يدلّ على أنّ البنية المستهدَفة تُعيد تشكيل نفسها أسرع ممّا تُلاحَق.
وعليه، فإنّ الصورة التي ترسمها الأدلة المتراكمة ليست مجرد حدود رخوة تستغلّها شبكات تهريب عشوائية، وإنما صورة بنية إقليمية لإدامة الحرب تمتلك قدراً ملحوظاً من المرونة والقدرة على إعادة التموضع. لقد انتقلت وظائف شبكة إمداد الدعم السريع، عند الحاجة، بين أم جرس والكفرة وأنجمينا وممرّات أخرى، بينما ظلّت الوظائف الأساسية ثابتة: إدخال السلاح والمعدّات، وتوفير الوقود والمركبات، ونقل المقاتلين الأجانب، وإعادة تجهيز القوة، ثم إدخالها إلى مسارح القتال في دارفور.
ومن هذه الزاوية، فإنّ أهمية العقدة الليبية لا تكمن فقط في كونها أحد مصادر السلاح أو أحد طرق وصوله إلى السودان، بل في أنها أصبحت جزءاً من العمق الاستراتيجي الذي يسمح لمليشيا الدعم السريع بتعويض الخسائر البشرية والمادية داخل السودان وإعادة إنتاج قدرتها على القتال. وما يجعل هذه البنية أكثر خطورة أنها لا تتوقّف عند الحدود السودانية: فجزء من السلاح الذي يدخلها يُعاد توزيعه لاحقاً داخل ليبيا وتشاد والنيجر، وأن يصل إلى شبكات مرتبطة بتهريب الذهب والجماعات المسلّحة والمتطرّفة. وهكذا تتحوّل الحرب السودانية من نزاع ذي خطوط إمداد خارجية إلى عقدة داخل اقتصاد حرب إقليمي تتقاطع فيه الجغرافيا العسكرية مع التجارة غير المشروعة والمرتزقة والجريمة المنظّمة وشبكات النفوذ الإقليمي.
وبالتالي فإنّ التعامل مع مسألة الإمداد الخارجي لقوات الدعم السريع باعتبارها مجرّد تهريب عبر الحدود يُقلّل من طبيعة المشكلة. فالأدلة المتراكمة منذ 2024 وحتى 2026 تشير إلى ما هو أكثر نعقيداً وخطورة: شبكة متعدّدة الممرّات، قابلة لإعادة التموضع، متّصلة بالبنية الاقتصادية والأمنية والسياسية لعدّة دول وساحات في شمال أفريقيا والساحل. وفي هذه الشبكة أصبحت الكفرة واحدة من أهمّ العقد، لا لأنها تقع على الطريق إلى السودان فحسب، وإنما لأنها تجمع في نقطة واحدة عناصر النقل والتجهيز والتسليح والوقود والمقاتلين والحماية وإعادة التوجيه.
