آفاق رقمية
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
في المقال السابق ناقشنا طبيعة الفجوة التقنية ووضحنا انها ليست عائقا مطلقا بقدر ما هي مجموعة عناصر يمكن التعامل معها تدريجيا اذا توفرت الارادة المؤسسية والرؤية الواضحة. وعندما ننتقل بالنقاش الى ارض الواقع يبرز سؤال مباشر وعملي كيف يمكن لمؤسسة حكومية ان تبدأ فعليا دون انتظار مشاريع كبرى او ميزانيات ضخمة.
عندما يطرح سؤال التحول الرقمي داخل المؤسسات الحكومية، غالبا ما ينصرف التفكير مباشرة إلى الأنظمة والمنصات والبوابات الإلكترونية، هذا النوع من التحول الرقمي يختلف جوهريا عن التحول الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، سواء في طبيعة الأهداف أو في الأثر المتحقق على الخدمة العامة.
فالتحول الرقمي التقليدي يركز على رقمنة الإجراءات : *”نقل المعاملات من الورق إلى الشاشة، وأتمتة الخطوات، وتسريع الدورة المستندية.”* وهو تحول مهم وضروري، لكنه يظل في كثير من الأحيان محصورا في تحسين الوسيلة دون التفكير في طبيعة الخدمة نفسها. أما التحول الرقمي باستخدام الذكاء الاصطناعي، فيتجاوز ذلك إلى رقمنة القرار، وتحليل السلوك، والتنبؤ بالاحتياجات، وتحسين الخدمة بشكل استباقي لا تفاعلي فقط.
السؤال العملي إذن ليس: كيف ندخل التقنية؟ بل، كيف نعيد تصميم الخدمة بحيث تصبح أكثر ذكاءا، وأكثر قربا من المواطن، وأكثر كفاءة في استخدام الموارد.
الخطوة التنفيذية الأولى لأي مؤسسة حكومية ترغب في هذا المسار تبدأ بتحديد مشكلة خدمية حقيقية: “خدمة تعاني من بطء واضح، أو تكدس طلبات، أو تكرار أخطاء، أو ضعف متابعة”. هذه النقطة هي المدخل الطبيعي لأي ابتكار ناجح، لأنها تربط التقنية بحاجة فعلية وليست افتراضا نظريا.
بعد ذلك يأتي وضوح الهدف، فالتحول المدعوم بالذكاء الاصطناعي لا ينجح إذا كان الهدف عاما أو فضفاضا. يجب أن يكون الهدف قابلا للقياس: *”تقليل زمن الخدمة، تحسين دقة المعالجة، رفع مستوى الرضا، أو تقليل التدخل البشري في النقاط الحرجة”*. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين النموذجين، ففي التحول الرقمي التقليدي قد يكفي بناء نظام إلكتروني، أما في التحول الذكي فإن البيانات تصبح هي الأصل. الذكاء الاصطناعي لا يعمل بمعزل عن البيانات، بل يعتمد كليا على جودة البيانات المتاحة. لذلك فإن حصر مصادر البيانات، وتنظيفها، وتوحيدها، والتحقق من دقتها، يمثل حجر الأساس لأي تطبيق ذكي. كثير من التعقيدات التي تنسب للتقنية سببها الحقيقي بيانات غير مكتملة أو غير منسجمة.
عندما تنظم البيانات، يمكن الانتقال إلى تطبيقات ذكية بسيطة لكنها مؤثرة، من أمثلتها نظام يساعد على فرز الطلبات تلقائيا، أو يتوقع أوقات الذروة، أو ينبه إلى المعاملات المتعثرة، أو يكشف أنماط التأخير غير المرئية. بهذه الطريقة يصبح الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تعزز القدرة على اتخاذ القرار بشكل أسرع وأكثر دقة.
ولضمان نجاح هذه التجربة، تحتاج المؤسسة إلى فريق عمل رشيق ومتعدد التخصصات، يجمع بين الفهم الإداري، والخبرة التقنية، والوعي القانوني. هذا التداخل يمنع الانفصال بين الحل التقني والواقع الإجرائي، ويقلل من احتمالات التعثر لاحقا بسبب لوائح أو صلاحيات أو مخاوف تنظيمية.
الميزة الأهم في هذا المسار أنه تراكمي… فنجاح تجربة صغيرة يفتح الباب للتوسع المدروس، ويحول التحول الرقمي من مشروع موسمي إلى ثقافة عمل. عندها يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا في تحسين الأداء اليومي..
في هذا الإطار، تمثل المبادرات القومية التي تم إطلاقها خلال الأسبوع المنصرم من وزارة التحول الرقمي والاتصالات في مجال التحول الرقمي والخدمات على منصة بلدنا وما تحتويها من بيانات تعتبر بنية مساندة مهمة، ومحفزة لتحول ذكي للخدمات الحكومية، فالمنصات والخدمات الرقمية، متى ما أُحسن توظيفها، يمكن أن تتحول من مجرد قنوات خدمة إلى مصادر معرفة تدعم الابتكار وصنع القرار.
الذكاء الاصطناعي ليس حلا سحريا لكل التحديات، لكنه أداة قوية عندما يستخدم ضمن رؤية عملية تبدأ من مشكلة حقيقية، وتمر عبر بيانات موثوقة، وتجارب صغيرة مدروسة، وتتعلم من نتائجها. عندها تنتقل المؤسسات من الحديث عن التحول الرقمي إلى الإحساس بآثاره الملموسة في سرعة الخدمة، وجودتها، وشفافيتها.
في المقال القادم، سنغوص أكثر في نماذج تطبيقية للذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية.