الإمام المهدي حين صنع الماضي، و عجز الحاضر عن تجاوزه

بكري يوسف البُر 

بسم الله الرحمن الرحيم 

جاء هذا المقال كثمرة لنقاش فكري هاديء مع احد الاخوة المشهود لهم بسعة الاطلاع و الجرأة في التجديد في مقاربات قضايا الدين و السياسة و الشأن المجتمعي، و قد اثار ذلك النقاش اسئلة تستحق أن تُنقل لحيز التأمل المكتوب، لا بقصد الرد و انما رغبة في تفكيك الاشكال في سياق فيه انصاف و قراءة شخصية الأمام المهدي في سرد تاريخي بحت، خارج ثنائية التمجيد و الإدانة بوصفة فاعلا و رمزا سياسيا. 

لماذا نبدأ من هنا، مع علمي ان الجذور السودانية تعود الي ما قبل دولة الفونج، غير ان المقال ينطلق من دولة الفونج بوصفها اللحظة التي بدأت فيها ملامح الدولة و الشرعية الدينية. 

القراءة في شخصية الإمام المجاهد محمد احمد المهدي، يستوجب استصحاب السياق الاجتماعي و الديني و السياسي و اثرة في الوعي السياسي السوداني علي مر العصور. 

لم يأتي الإمام المهدي من فراغ، خرج من بيئة تشكلت فيها القبيلة قبل الدولة، و الدين قبل السياسة، في هذا السياق أدت القبيلة وظيفة الحماية و التنظيم و الشرعية، و لم يكن حينها يوجد فكرة دولة بعقد وطني جامع. 

تشكلت الملامح الاولي للسودان ابتداءا من القرن الخامس عشر، بتجربة صوفية مستقرة، تقوم علي الزهد، و تجنب الادعاء، بالولاية تُعرف و لا تُعلن، لذلك بدت المهدية بصيغتها المعلنة و الحاسمة خروجا عن المزاج الصوفي العام، لم يكن التحفظ الصوفي علي المهدي تكذيبا مباشرا، بقدر ما كان اعتراض علي نقل الدين من تجربة باطنية هادئة الي مشروع صدامي. 

يري محمد المكي ابراهيم في سِفرِه  الفكر السوداني اصوله و تطوره، هشاشة المجتمعات في دولة الفونج، التي اصبحت متلقية للدين و الثقافة من الخارج، و تبعتها دولة الفور في تعظيم دور العلماء الزائرين، حتي اكتفوا بالتلقي من الثقافة العربية، و الإكتفاء بما يفكر فيه الغير، و بعد سقوط الاندلس ١٧٩٢ بدأ الوعي الديني في السودان، و من حمل الفكر لدولة الفونج كانوا أُناس عاديين، غادروا اوطانهم مضطرين. السودان في القرن الخامس عشر الي السابع عشر كان مستعدا للتتلمذ، فالعلم سعي لهم مضطرا، و ليس هم من سعي إليه. 

لم يكن الأمام المهدي صاحب كرامات، كما وصفه د. محمد سعيد القدال في كتابة عن الأمام المهدي، و ان المهدي كان صاحب مسلك شخصي قويم، لفت إليه الانظار، كان الأمام المهدي يرفض أكل الطعام الذي يدعمه الاتراك، و يصيد السمك بلا طُعم، و ترك العمل بتجارة الاخشاب عندما علم ان إحداهن تستعملة لتقطير الخمر، و ترك تجارة الذُرة لمزيد  من الربح مع شريكة، تلك الميز  الشخصية جعلت الناس تثق في دعوته التي بدأها بقراءة حصيفة للواقع بإختيار الأُبيض لبداية دعوته و مشروعه  الفكري لموقعها الجغرافي و السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي، لمدينة تجارية تجمع كثير من الأطياف القبلية. 

الإنتقال السريع الذي قاده الإمام المهدي في الدعوة و الثورة و الحكم، كان نتاج غياب الثقافة السياسة البديلة، و بذلك ملأ فراغ واسع في مجتمع تشكل وعية الديني قبل وعيه السياسي، و لم تكن هناك تقاليد مؤسسة او لغة حكم خارج القالب الديني، لذلك كان الإنتقال بالحكم سريعا و تعبويا و سريع الإنتقال. و ذلك ينسجم مع فكر ابن خلدون: “العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية، من نبوة او ولاية، أو اثر عظيم من الدين في النفوس” فالمهدي لم يختر الدين لأنه الطريق الأيسر، و لكنه الطريق الوحيد المتاح عمليا بتحريك الجماهير بلا تنظيم سياسي و بلا أفق مدني، استخدم العقيدة كأداه للتعبئة. هناك شهادة سماعية و كتبت بخط يد الشيخ بابكر بدري اوردها الاستاذ ابوالقاسم حاج حمد و بشهود اثنين هما بابكر بدري نفسه و عبدالرحمن النجومي، و هي رواية تذكر في سياق التحليل لا الجزم، تقول الشهادة ان الإمام المهدي اعترف لهما، أنه ليس المهدي المنتظر، و انه استخدم تلك الحُجة لتحريك الجماهير نحو طرد الاستعمار  الغازي المغتصب.

فما هو  سبب  رحيله المُبكِر؟؟

يظهر الإمام المهدي بوصفة فاعلا سياسيا براغماتيا أكثر مما تصوره السرديات الشائعة، فقد انتهج سياسة ذات بُعد قومي عريض، فعين خلفائه بعين بصيرة و حصافة سياسية راعي فيها الجغرافية السودانية داخل بِنية السلطة الناشئه، فعين خلفائه بما يعكس التنوع في اقاليم الغرب و الوسط و الشمال مع اعطاء ميزه خاصة للشرق. وفق الواقع في بدايات الثورة، كانت تلك محاولة مبكرة لإدارة التنوع. و الشيء بالشيء يذكر، اورد الكسندر فاسيليفتيش إليسيف المستشرق والطبيب الروسي في ورقة تحليلية شاهدة، حول دراسة المهدية ١٨٩٤، جاء فيها وصف الدولة المهدية بانها ذات تنظيم بسيط مع بنية سياسية و عسكرية غير معقدة، و أشار الي أن الحركة لم تترسخ كفكرة دينية او اجتماعية عميقة بين الجماهير، و لكنه كان تنظيم عملي لظروف اجتماعية محددة، يري الكسندر إليسيف، ان قوة المهدي لم تكن في عمق فقهي او تنظير ديني، بقدر ما هو قدرتة الفائقة علي التعبئة و تحويل الايمان الي طاقة سياسية و عسكرية، و يمضي الكسندر الي القول أن المهدي لم يكن فقيها مؤسسا لمذهب، و لكنه قائد لحظه تاريخية احسن قراءة شروطها، و  ختم  الكسندر فاسيليفتيش انطباعة، أن المهدي نجح كظاهرة تاريخية و لم يؤسس شروط بقاء دولتة. 

لحظة الثورة و الالتفاف، تحول الي قيد، لإن العقيدة التي وحدت الناس، لم تنتج مؤسسات و عقد اجتماعي، و أن غياب الإمام المهدي المبكر يونيو ١٨٨٥، اصبحت الفكرة غير مبنية علي عمل مؤسساتي متطور، فتحول الرمز الي مركز للحكم لا مدخل لبناء دولة. 

الثورة المهدية اسقطت نظام، و حكمت المجتمع و اعادت تعريف العلاقة بين الدين و السياسة، و لكنها في ذات الوقت دشنت نمطا من الوعي السياسي يقوم علي تقديس الرمز و استعجال الحسم و تغليب القوة علي التوافق، هذا النمط لم يتوقف عند القرن التاسع عشر، لكنه أعاد انتاج نفسه بأشكال مختلفة في التجارب اللاحقة، مدنية كانت ام عسكرية، دينية ام علمانية، فظلت البنية الذهنية كما هي. 

من هنا، فإن قراءة الإمام المهدي قراءة منصفة لا تكون بتمجيدة و لا بإدانته، و لكن بفهم موقعة في لحظة تاريخية محددة، و حدود ما انجزه و ما لم يكن ممكن انجازه، و ان تستخدم التأويل المتعددة للتاريخ بطريقة جديدة لإعادة البناء و اعادة ترسيم خريطة عقولنا و ان التاريخ لا يمكن دراستة و الخروج بدروسه الا إذا استصحبنا كل السياقات الاجتماعية و السياسية الاقتصادية و الثقافية، لإعادة بناء التاريخ و الإعتبار. 

الإمام المهدي ليس صفحة من الماضي و لكنه يظهر كمرآه الحاضر الذي لم نستطع أن نفكك فترته تفكيكا نقديا يفيد الحاضر، و لم نكسر ثقافة الخلاص، و نؤسس لسياسة تقوم علي العقل و المؤسسات. 

يظل التاريخ يعيد نفسه كقدر محتوم و نكرر الفشل و نصرّ علي توريثه و أن المشكلة الحقيقية لم تكن في لحظة الثورة المهدية، إنما في اننا حولناها إلي عادة سياسية، و سمينا العجز قدرا. 

Exit mobile version