الإمارات التي في قلوبنا

د.أحمد بن عثمان التويجري

في ظل ما تشهده العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من توترات، وبخاصة فيما يتعلق بالأوضاع في جنوب اليمن، فإن من الواجب والضروري التفريق بين علاقة المملكة بالإمارات بوجه عام، وبين موقف المملكة من ممارسات أبوظبي، كما أنه من الواجب والضروري التفريق بين موقف المملكة من سياسات أبوظبي، وبين علاقات الأخوّة والتلاحم التي تربط شعب المملكة العربية السعودية بشعب دولة الإمارات العربية المتحدة.

وغني عن القول: إن المملكة العربية السعودية ليس لديها مشكلة على الإطلاق مع الإمارات العربية المتحدة، وإنما مشكلتها الكبرى والوحيدة هي مع أبوظبي ومع من أعمتهم أحقادهم ومشاعرهم بالغيرة والحسد ورضوا أن يكونوا خنجراً في خاصرة الأمة العربية ومطية غبية ركبتها الصهيونية لتحقيق أطماعهم في المنطقة وعلى مستوى الأمة.

وغني عن القول كذلك: إن الشعب السعودي لا يحمل للشعب الإماراتي بما في ذلك مواطنو أبوظبي إلا المودة والأخوة والاحترام، ويضع الشعب الإماراتي في قلبه مثلما يضع في قلبه جميع الشعوب العربية والإسلامية.

لقد كانت المملكة العربية السعودية صاحبة فكرة توحيد الإمارات، كما كانت أكبر داعم لاستقلالها، سواء على المستوى السياسي والدبلوماسي، أم على المستوى المالي والمادي. وكل دارس لتاريخ الخليج الحديث يعلم أن الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- كان عرّاب استقلال الإمارات وتوحد إماراتها، وهو من أقنع الإنجليز بالانسحاب من إمارات الخليج واستغل نفوذه في واشنطن لإقناع الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على الحكومة البريطانية لتعجيل ذلك الانسحاب. كما سعى بكل ما يملك لإقناع شيوخ الإمارات بفوائد التوحيد وأنه سيكون في صالحهم جميعاً. وهو – رحمه الله- من أقنع شاه إيران بعدم الاعتراض على استقلال الإمارات، سواء أكان ذلك عندما زار شاه إيران المملكة عام 1968 أم عندما بعث الملك فيصل بعد ذلك مستشاره الخاص الدكتور معروف الدواليبي – رحمه الله- إلى طهران لهذا الغرض.

إن هذه الحقائق ليست نسجاً من الخيال ولا كلاماً مرسلاً وإنما وثقتها مستندات رسمية، سواء أكانت الرسائل المتبادلة أو محاضر الاجتماعات بين الملك فيصل – رحمه الله- وبين شيوخ إمارات الخليج وقادة الدول المعنية بشأن الخليج، كما وثقتها كتب ودراسات ورسائل أكاديمية منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب البروفيسور تانكرد برادشو الذي عنوانه: «نهاية الإمبراطورية في الخليج: من الإمارات المتصالحة إلى الإمارات العربية المتحدة» والدراسة الأكاديمية التي أعدها الدكتور فهد عباس السلمان، الأستاذ في جامعة كركوك بعنوان: «دور السعودية في استقلال إمارات الخليج العربي خلال الفترة 1968-1971».

إن من المحزن أن تاريخ المملكة الطويل من الدعم والمساندة والرعاية للإمارات على مدى عقود لم تقابله أبوظبي إلا بالجحود والنكران واجترار الأحقاد والتآمر على المملكة وعلى العالم العربي.

ولكي نضع الأمور في نصابها فإن من الواجب تبيين أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية أسهمت في تبلور موقف أبوظبي يمكن إيجازها فيما يلي:

الأول، حقد أبوظبي وما عشعش فيها من اجترار لأحداث تاريخية قديمة عفى عليها الدهر. ففي وثيقة سربتها ويكيليكس في نوفمبر 2010، نُقل عن محمد بن زايد، (ولي عهد أبوظبي في ذلك الحين)، قوله في 31 يوليو 2006: إن «الإمارات خاضت حروباً ضد السعوديين بلغت 57 معركة ضد السعودية، وإن السعوديين ليسوا أصدقائي الأعزاء».

كما بينت أحاديث مسربة له قوله: «إن خلافات الماضي الطويلة لا تزال تلقي بظلالها على الحاضر بين الإمارات والسعودية». وفي وثيقة من وثائق ويكيليكس المسربة مؤرخة في إبريل عام 2008 أشير إلى أن محمد بن زايد عقد اجتماعاً مع قائد العمليات البحرية الأمريكية الجنرال غاري رويد، وأن محمد بن زايد قال له: «إن العالم تغير وإن الإمارات متفائلة على الرغم من وجودها في منطقة يغلب عليها التخلف وضرب مثلاً بالمملكة العربية السعودية».

وتشير وثيقة أخرى مؤرخة في 25 يونيو 2008 إلى أن وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد كان يحرض الأمريكيين على المملكة وأن له موقفاً بالغ السلبية من الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، وأنه لا يرى في الأمراء السعوديين الأصغر سناً أي وجوه واعدة. يضاف إلى ذلك أنه قد ترسخ في وجدان محمد بن زايد أن الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله أجبر والده الشيخ زايد رحمه الله على الخضوع لمطالب المملكة فيما يتعلق بترسيم الحدود وما ترتب على ذلك من تبعات سياسية واقتصادية. وهذا افتراء محض تدحضه كل الوثائق التاريخية وما هو محفوظ من تسجيلات ومحاضر لما دار بين الملك فيصل والشيخ زايد رحمهما الله.

الثاني، الحسد والغيرة الشديدة اللذان تشعر بهما أبوظبي دون بقية الإمارات تجاه المملكة العربية السعودية؛ لما منَّ الله به على المملكة من وجود الحرمين الشريفين والكعبة المشرَّفة فيها، والمكانة الرفيعة التي تحتلها ليس لدى المسلمين فحسب، وإنما على مستوى جميع دول العالم، وما منَّ به عليها من ثروات طبيعية هائلة ومساحات شاسعة، والغيرة الشديدة مما أحدثته رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المعروفة 2030 من تحولات ضخمة، وما تحقق في المملكة في ظل الرؤية من إنجازات اقتصادية وإدارية واجتماعية غير مسبوقة صرفت الأنظار عن كل ما كانت تتباهى به أبوظبي، وحولت كثيراً من الاستثمارات والسياحة من الإمارات إلى المملكة.

الثالث، الوهم الزائف من أبوظبي بأن أقصر الطرق للثأر لأحقاد الماضي وشفاء حالة الغيرة والشعور بالدونية تجاه المملكة هو في الارتماء في أحضان الصهيونية والقبول بأن تكون الإمارات حصان طروادة الإسرائيلي في العالم العربي على أمل الاستقواء بها ضد المملكة والدول العربية الكبرى، ويا لها من خيانة لله ورسوله وللأمة بأسرها! ويا له من غباء وقصر نظر! فإسرائيل في طريقها إلى الزوال السريع، والأمة باقية بإذن الله.

لم تكن المملكة العربية السعودية غافلة عن حقيقة مواقف أبوظبي تجاهها، ولا عن خطواتها التآمرية ضد الأمة العربية بوجه عام والمملكة على وجه الخصوص، وإنما كانت تواجه الإساءة بالإحسان، وتصبر على الأذى، وتدفع بالتي هي أحسن مراعاة لمصالح المنطقة والأمة الكبرى ومؤملة أن يفيق الحالمون، ويرشد الواهمون، ويثوب هؤلاء، ولكنهم تمادوا في غيهم وضلالهم وللأسف الشديد.

في اليمن مارست أبوظبي تخريبا قل نظيره في تاريخ العرب الحديث، وسعت بكل ما تملك لإفشال كل ما كانت المملكة العربية السعودية تخطط وتسعى لتحقيقه من وحدة سياسيةٍ واستقرارٍ وتنميةٍ للشعب اليمني. وفي ليبيا دعمت القلة الانفصاليين وزودتهم بالمال والعتاد والذخائر، وساندتهم بغارات جوية على مناطق الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا معمقة بذلك جراح الليبيين ومعطلة كل المساعي الوطنية والدولية لتحقيق الوحدة والاستقرار لليبيا. وفي السودان وبتنسيق كامل مع الكيان الصهيوني قدمت كل أنواع الدعم لميليشيا الدعم السريع فنشروا الفوضى ومارسوا كل أنواع السلب والنهب والاغتصاب والتطهير العرقي، ودمروا كل أمل بالعودة إلى الوحدة والأمن والاستقرار.

وقد بين تقرير أعده خمسة خبراء من خبراء الأمم المتحدة ورفع في نوفمبر الماضي إلى لجنة عقوبات السودان التابعة لمجلس الأمن أن جسرا جويا بين مطارات إماراتية ومطار في تشاد كان ينقل العتاد والذخائر للمتمردين في السودان، وأن طائرات الإليوشن المشاركة في هذا الجسر الجوي كانت تغلق أجهزة المتابعة لفترات طويلة أثناء رحلاتها، كما أثبتت تقارير متعددة تجنيد أبوظبي مرتزقة من كل أنحاء العالم لدعم المتمردين في السودان واليمن وليبيا. وفي تونس تسللوا كدابة الأرض واشتروا بأموالهم ذمم الخونة وعملاء إسرائيل وعملاء الفرنكوفونية ليبددوا آمال الشعب التونسي في العيش بحرية وعزة وكرامة.

وفي مصر استغلت الظروف الاقتصادية الصعبة التي عانت وتعاني منها مصر فتسللت إلى مفاصل الاقتصاد المصري وفي مقدمتها الموانئ، وسعت بكل ما تستطيع للاستحواذ على حصص ضخمة في مؤسسات وشركات مالية وصناعية وزراعية كبرى من ضمنها البنك التجاري الدولي (CIB)، وشركة بولتن المالية القابضة، وشركة فوري للتكنولوجيا المالية، وشركة أبو قير للأسمدة، وشركة موبكو، وشركة الإسكندرية للحاويات (AlexCont)، هذا عدا عن الاستثمارات العقارية الكبرى بعشرات مليارات الدولارات مثل عين الحلوة وغيرها، وكل ذلك للسيطرة على الاقتصاد المصري والتحكم بمفاصله تمهيدا للتحكم بمصر وقراراتها، وفوق ذلك كله تآمرت مع إثيوبيا ودعمتها ماليا لتنفيذ سد النهضة الذي يشكل أكبر خطر استراتيجي لمصر، كل ذلك خدمة لأطماع إسرائيل الكبرى.

وفي الصومال سعت بكل ما تملك لفصل الشمال عن الجنوب ووضعت للكيان الصهيوني موقع قدم في القرن الإفريقي محققة بذلك حلما طالما تمناه الصهاينة وهو السيطرة على مضيق باب المندب وإكمال الطوق على مصر والمملكة العربية السعودية التي هي الهدف الأعظم لكل تلك التدخلات والمؤامرات.

ومرة أخرى فإن كل هذه الحقائق ليست من نسج الخيال ولا من دعاوى الأعداء وإنما وثقتها دراسات علمية وتقارير رسمية منها الدراسة التي بعنوان «الدور شبه الإمبراطوري الناشئ لدولة الإمارات العربية المتحدة في إفريقيا

The emerging sub-imperial role of the United Arab Emirates in Africa» التي نشرها معهد ترانزناشنال انستتيوت Transnational Institute الهولندي العريق المعروف باستقلاله وعمق ومهنية دراساته.

وقبل ذلك وبعده فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن أبوظبي هي التي كانت أكبر محرِّض للكيان الصهيوني في العدوان على قطاع غزة، بل وشاركته في حربه البربرية بالتجسس على قوى المقاومة من خلال الهلال الأحمر الإماراتي، ومن خلال تزويد الصهاينة بمواقع إطلاق صواريخ المقاومة وتجمعاتها، بل وأدهى من ذلك فقد ذكرت قناة يورونيوز بتاريخ 13 يناير 2023م في موقعها الإلكتروني أن وثيقة إماراتية مسربة تاريخها الأول من أكتوبر 2023 أن القيادة الإماراتية العليا أصدرت توجيهات صريحة لتهيئة عدد من القواعد العسكرية الإماراتية لخدمة العمليات الإسرائيلية في غزة، وأشارت الوثيقة إلى عزم أبوظبي على استخدام مواقع عسكرية في اليمن وإريتريا والصومال بما في ذلك المخا وعصب وبربرة وباسا كمنصات رئيسية لتزويد إسرائيل بالعتاد والذخائر والمعلومات الاستخباراتية. وقد أكدت صحيفة جيروسالم بوست الإسرائيلية هذه الحقائق في تقرير نشرته في 13 يناير 2026م أعدته الكاتبة الإسرائيلية ماثيلدا هيلر Mathilda Heller وعنونته بعبارة: «الإمارات العربية المتحدة استخدمت قواعد عسكرية في منطقة البحر الأحمر لمساعدة إسرائيل في حربها ضد حماس.

UAE used military bases in Red Sea region to aid Israel»s war against Hamas, leaks reveal

بل إن أبوظبي لم تكتف بالتآمر على الدول العربية والسعي لزعزعة استقرارها فحسب، وإنما تعدت ذلك إلى محاربة الأقليات المسلمة في الغرب، فقد نشرت صحيفة نيويوركر الأمريكية الشهيرة في عددها الصادر في شهر مارس 2023م مقالاً مفصلاً عن استهداف الإمارات لمراكز ومؤسسات وشخصيات إسلامية في الغرب والسعي لتشويه سمعتها، وضربت لذلك مثالاً بتعاقد الإمارات مع شركة «ألب سيرفيسيز» السويسرية التي جندت أكاديميين وصحفيين وكتاباً لنشر شائعات وادعاءات كاذبة ومضللة عن عدد كبير من المراكز والجمعيات والشخصيات المسلمة في الغرب، كل ذلك خدمة للصهاينة وإسرائيل.

إن تآمر أبوظبي على الرغم من شناعته وبشاعته لن يؤثر على رؤيتنا للإمارات وشعب الإمارات الكريم، فستظل الإمارات في قلوبنا، وسنراها دوماً في حكمة الشيخ زايد بن سلطان -رحمه الله-، وبصيرة واستقامة الشيخ سلطان القاسمي -رعاه الله-، وفي الأعمال الخيرية والأيادي البيضاء لشيوخ إمارات الشارقة ورأس الخيمة وأم القوين والفجيرة وعجمان وفي مفكري ومثقفي الإمارات القابضين على الجمر، وفي أصالة وطيبة الشعب الإماراتي الكريم. وستبقى المملكة العربية السعودية شقيقة وفيّة للإمارات، وسيبقى الشعب السعودي شقيقاً للشعب الإماراتي، وسيلحق الخزي والعار بمن انحرف عن الطريق الصحيح، {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.

Exit mobile version