الإعلام بين الخبث والبلاهة

د. إسماعيل ساتي

حين تتابع ما يُكتب في وسائل الإعلام (وأنا هنا لا أتحدث فقط عن الإعلام السوداني) تستطيع، بعد شيء من التأمل، أن تُصنف قطاعاً واسعاً منه إلى صنفين لا ثالث لهما تقريباً:

إعلام خبيث… وإعلام أبله.

أما الإعلام الأبله فمعروف.

هو ذلك الإعلام الذي يبتلع الرواية كما تُلقى إليه، ويعيد تدويرها بلا عقل نقدي، ولا معرفة، ولا حتى حس فطري بالشك.

إعلام يظن أن نقل المعلومة هو فهمها، وأن ترديد المصطلحات الرنانة يُغني عن التحليل.

تراه يلهث خلف “الترند”، ويخلط بين الضجيج والحقيقة، وبين كثافة التغطية وعمق الفهم.

الأبله، لغةً، هو ثقيل الفهم، قليل الفطنة، الذي يُخدع بسهولة.

وهذا النوع من الإعلام لا يحتاج إلى مؤامرة، لأن قصوره العقلي يكفي لإنتاج التضليل تلقائياً.

لكن الأخطر ليس هذا.

الأخطر هو الإعلام الخبيث.

وهو إعلام لا يبدو عدواً في الظاهر.

بل قد يبدو أحياناً وكأنه يقف معك، أو يتعاطف مع قضيتك، أو حتى يدافع عنك.

غير أن وظيفته الحقيقية ليست كشف الحقيقة، بل إعادة صياغتها بطريقة تُعيد تشكيل وعي المتلقي بما يخدم موازين القوة والمصالح.

هذا الإعلام لا يكذب دائماً بالكلمات… بل يكذب بالأحجام.

يضخّم ما يجب تصغيره، ويصغّر ما يجب تضخيمه.

ويعيد رسم صورة الصراع بحيث يبدو القوي أقل بطشاً، والضعيف أقل ضعفاً، حتى يختلط الأمر على المتلقي، ويضيع المعيار الأخلاقي وسط الضباب.

ومن أخبث أدوات هذا النوع من الإعلام:

تضخيم قدرات الطرف المغلوب والضعيف، وتقليل قدرات الطرف المنتصر والقوي.

وللوهلة الأولى قد يبدو ذلك إنصافاً للطرف الضعيف، لكنه في الحقيقة قد يكون نقيض ذلك تماماً.

فهذا النوع من المكر الإعلامي لا يكتفي بإعادة تشكيل صورة الصراع أمام الخارج، بل يُستثمر أيضاً في تضليل العامة على مستوى الاتصال الجماهيري، بحيث تنجرف الجماهير البسيطة وراء حالة من النشوة العاطفية، وتهلل لبشارات نصر قد لا يأتي أبداً. ثم لا تلبث تلك الجماهير، مع تكشف الوقائع، أن تصطدم بخيبة أمل قاسية وإحساس عميق بالأسى والانكسار.

ذلك أن من أهم شروط الدخول في الحروب، أو حتى تقييمها بوعي، أن يعرف كل طرف قدراته الحقيقية كما هي، لا كما يتمنى أن تكون، وأن يضع لمجريات الأحداث سيناريوهات متعددة: أفضلها وأسوأها وأكثرها احتمالاً، ثم يُعد لكل سيناريو عدته السياسية والعسكرية والنفسية.

أما تضخيم الذات، والعيش داخل صورة إعلامية مصنوعة، فقد يمنح نشوةً معنوية مؤقتة، لكنه كثيراً ما يتحول في النهاية إلى أحد أسباب الصدمة والانهيار.

فحين تُصور قوة محاصرة، أو دولة مدمَّرة، أو شعب أعزل، على أنه يمتلك قدرات خارقة، أو أنه ند مكافئ للقوة التي تسحقه، فإن النتيجة النفسية والسياسية تكون بالغة الخطورة. ذلك لأن المتلقي المحايد لن يرى عندها مشهداً بين جلاد وضحية، بل سيرى صراعاً متكافئاً.

وسيصبح استخدام القوة المفرطة ضد الطرف الضعيف قابلاً للتبرير، لأنه (حسب الصورة المصنوعة إعلامياً) ليس ضعيفاً حقاً، بل قادر على الدفاع عن نفسه.

فإذا هُزم بعد ذلك، أو سُحق، أو عجز عن حماية شعبه، أصبح هو الملام.

وكأن الإعلام يقول للضحية:

لقد أقنعنا الناس أنك قوي… فإن عجزت عن النجاة فالمشكلة فيك.

لقد رأينا هذا النموذج بوضوح في الحروب الأمريكية ضد العراق.

ففي سنوات الحصار الطويلة منذ العام 1992، ثم في حرب 2003، ظل الإعلام الغربي يبالغ في تصوير القدرات العراقية والترسانة العراقية والخطر العراقي، حتى بدا للعالم وكأن الولايات المتحدة تخوض حرباً وجودية ضد إمبراطورية عسكرية هائلة، لا دولة منهكة خرجت لتوها من حرب مدمرة وحصار خانق.

ثم تكرر المشهد بصورة أكثر قسوة في غزة.

حيث يُقدَّم شعب محاصر، بلا مطارات ولا دفاعات جوية ولا جيش نظامي، وكأنه يملك من أدوات القوة ما يجعل تدمير أحيائه وقتل أطفاله مجرد “رد فعل دفاعي مشروع”.

حتى اللغة نفسها تصبح شريكاً في التزييف:

فلا يُقال “قصف المدنيين”، بل “استهداف بنى تحتية”.

ولا يُقال “قتل أطفال”، بل “أضرار جانبية”.

ولا يُقال “احتلال”، بل “عملية أمنية للدفاع عن النفس”.

واليوم نرى شيئاً مشابهاً في المواجهة الصهيوأمريكية مع إيران.

فالإعلام لا يريد أن تظهر إيران ضعيفة بالكامل، لأن ظهورها كضحية خالصة سيجلب تعاطفاً عالمياً واسعاً، وقد يُحرج القوى الكبرى أمام الرأي العام.

ولذلك يجري تصويرها باعتبارها قوةً هائلة قادرة على تهديد العالم كله، بحيث يصبح أي استهداف لها وكأنه إجراء وقائي مشروع.

هذه ليست صحافة بالمعنى الحقيقي، بل هندسة إدراك. إنه إعلام لا يكتفي بنقل الحرب، بل يشارك في إعداد المسرح النفسي والأخلاقي لها.

ولعل من الأمثلة الأخرى على هذا النمط ما حدث مع: صربيا أثناء قصف الناتو في التسعينيات، وأفغانستان بعد أحداث سبتمبر، وحتى في بعض مراحل الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تتبدل صورة القوة والضعف وفق الحاجة السياسية والإعلامية للحظة.

المشكلة أن الجماهير غالباً لا تنتبه لهذا النوع من التلاعب، لأن الإنسان بطبيعته يركّز على ما قيل، لا على كيف قيل، ولا على الحجم الذي أُعطي له.

بينما الإعلام الخبيث يعمل تحديداً في هذه المساحة الرمادية:

ليس عبر اختراع الأكاذيب دائماً، بل عبر إعادة توزيع الضوء والظل.

وفي عالم اليوم، ربما لم تعد المعركة الحقيقية هي معركة السلاح فقط، بل معركة تعريف من هو القوي ومن هو الضعيف ومن يستحق التعاطف ومن يجب أن يُترك لمصيره.

فالقتل يصبح أسهل كثيراً…

حين يُعاد تشكيل وعي العالم بحيث تبدو الضحية أقل براءة، وأقل ضعفاً، وأقل استحقاقاً للتعاطف.

Exit mobile version