الإدارة الضائعة: هل أعادت الحرب السودان إلى ما قبل الدولة المؤسسية؟

محمد كمير 

دخلت الإدارة إلى مؤسسات السودان على مرحلتين متداخلتين: مرحلة «الإدارة كحِرفة دولة» قبل أن تُعرَّف كعلمٍ أكاديمي، ثم مرحلة «الإدارة كعلمٍ ومناهج وأدوات» مع توسّع التعليم الجامعي ومؤسسات التدريب والتأهيل. في الحقبة الاستعمارية تشكّلت الخدمة المدنية الحديثة بوصفها جهازًا منظمًا للجباية والخدمات والسكة الحديد والموانئ والقضاء والتعليم والصحة، وتم الاستثمار مبكرًا في تعليم موظفي الدولة عبر مؤسسات تعليمية أصبحت لاحقًا قاعدة لتخريج القيادات الإدارية، وعلى رأسها كلية غردون التذكارية التي افتُتحت عام 1902 وتحوّلت لاحقًا إلى جامعة الخرطوم بعد الاستقلال. هذه المرحلة لم تكن تتحدث كثيرًا عن إدارة الموارد البشرية أو التسويق أو العمليات بالمفاهيم المعاصرة، لكنها رسّخت قواعد التنظيم واللوائح والسجلات والتراتب الوظيفي والانضباط المحاسبي، وهي جوهر الإدارة قبل أن تُسمّى كذلك.

ومع بدايات الاستقلال وما بعده بدأت الإدارة تُترجم إلى مؤسسات تدريب ودراسات متخصصة، وهنا يصبح سؤال «من الذي علّم السودانيين الإدارة؟» سؤالًا عن مؤسسات وأشخاص ومدارس تفكير. جزء معتبر جاء من المدرسة البريطانية في الخدمة المدنية، وجزء آخر من خبرات الإدارات الفنية في المشروعات الكبرى التي احتاجت إلى تخطيط وتشغيل ورقابة دقيقة. ويكفي أن نتأمل مشروع الجزيرة الذي أُنشئ عام 1925 كمشروع ريّ وزراعة ضخم قائم على هندسة مؤسسية معقدة تشمل إدارة المياه والدورة الزراعية والتوريد والمدخلات وتسويق المحاصيل والعلاقات التعاقدية، وهو مثال مبكر على ممارسة الإدارة كعمليات ونظم لا كاجتهادات أفراد.

ثم جاءت مرحلة تأسيس مؤسسات التدريب الإداري الوطنية، حيث بدأت الدولة مبكرًا في مأسسة التدريب الإداري بدل الاعتماد على الخبرة المتوارثة فقط. كما يظهر في الأدبيات السودانية حول التدريب بالخدمة العامة أن إنشاء معهد الإدارة العامة ارتبط بقرارات حكومية في مطلع ستينيات القرن الماضي، وتكفي الإشارة إلى أن هذا المعهد كان قائمًا بحيث أصدر في عام 1968 كتابًا توثيقيًا عن تطور الخدمة المدنية، ما يعني أن الدولة بدأت تبني معرفتها الإدارية داخل مؤسساتها لا خارجها. وفي السياق نفسه تأسس بنك السودان وبدأ عمله مطلع ستينيات القرن الماضي، وهو مثال واضح على إدخال الحوكمة المؤسسية وأطر الضبط المالي إلى جهاز سيادي يحتاج إلى مجلس إدارة ونظم رقابة وإجراءات واضحة.

أما الإدارة كعلم بمفردات الموارد البشرية والتسويق والمبيعات وإدارة العمليات والجودة والحوكمة، فقد تعلّمها السودانيون عبر ثلاثة مسارات متزامنة: المسار الأكاديمي في الجامعات، وعلى رأسها جامعة الخرطوم بوصفها الأقدم، والمسار التدريبي عبر مؤسسات الدولة، والمسار المهني التطبيقي داخل مؤسسات كانت تُدار كنظم كبيرة مثل مشروعات الري والزراعة، والنقل والسكة الحديد والموانئ، والبنوك وشركات التأمين، ثم الشركات العامة وشبه العامة التي فرضت بطبيعتها مفاهيم الموازنة وسلسلة الإمداد وقياس الأداء والمراجعة الداخلية. ولعل السمعة التاريخية للخدمة المدنية السودانية كجهاز فعّال، وعمل كوادرها في بلدان عربية وخليجية، يوضحان كيف تحوّل التدريب والانضباط الإداري إلى رأس مال مؤسسي قابل للتصدير.

وعندما نسأل عن أول المؤسسات السودانية التي مارست الإدارة كعلم، فإن الإجابة ليست اسم مؤسسة بعينها بقدر ما هي نمط مؤسسات، وهي تلك التي اتسمت بتعقيد تشغيلي ومالي لا يمكن إدارته إلا عبر اللوائح والإجراءات والمعايير. مشروع الجزيرة مثال مبكر، ثم المؤسسات المصرفية والمالية بعد الاستقلال، ثم الأجهزة التي اضطرت إلى بناء نظم تدريب رسمي ومنهجيات عمل واضحة. ومن ناحية الحوكمة، فإن فكرة مجالس الإدارات والجمعيات العمومية لم تأتِ من فراغ، بل هي جزء من تقاليد الشركات الحديثة حيث تُفصل الملكية عن الإدارة ويُراقب الأداء عبر مجالس ولجان ومراجعة، غير أن فعاليتها في السودان كانت تتفاوت بحسب درجة الاستقلال المؤسسي ووضوح التشريعات ومدى احترام قواعد الإفصاح والمراجعة.

ثم جاءت الحرب كاختبار قاسٍ: هل أعادت مؤسساتنا إلى ما قبل مرحلة الإدارة كنظام؟ وهل فقدت شركاتنا مهاراتها الإدارية؟ التجارب المقارنة تشير إلى أن تدهور الإدارة أثناء الحروب ليس استثناءً بل نمط متكرر، إذ تُضعف الحرب تدفق المعلومات والرقابة، وتُربك سلاسل الإمداد، وتدفع الكفاءات إلى الهجرة، وتخلق اقتصادًا موازيًا قائمًا على الريع والتهريب والوساطة، فتنهار القدرة المؤسسية تدريجيًا حتى لو بقيت الأختام واللوائح قائمة على الورق. ومن هنا يبرز سؤال ما إذا كانت سنوات الحرب قد جعلت الشركات والمؤسسات حكرًا لمجموعات بعينها سؤالًا قابلًا للتحقق لا مجرد انطباع. يمكن ملاحظة ذلك من خلال غياب الإفصاح المالي، وتعطّل المراجعة المستقلة أو عدم نشر القوائم المالية، وتضخم التعاقدات غير التنافسية، وارتفاع التعاملات مع أطراف ذات علاقة، وتغيير مجالس الإدارات بالتعيين السياسي لا وفق الكفاءة وفي بعض الاحيان غيابها او تغيبها، وتراجع نظم الموارد البشرية من الجدارة إلى الولاء، واقصاء مزاجي للكفاءات، وتحول الوظائف والمشتريات والسفريات والحوافز إلى مكافآت حرب. الفارق هنا واضح بين مؤسسة تُدار بالدفتر والرقم القابل للتدقيق، وأخرى تُدار بالاستثناء والشفاهة والغطاء السياسي. وفي السودان يظهر وصف تسييس الخدمة العامة  وابتعادها عن مهنيتها التاريخية في نقاشات عديدة حول مسارها وتحولاتها.

وهل تُعد هذه نتيجة طبيعية للحروب؟ نعم من زاوية الاقتصاد السياسي، إذ عندما يضعف احتكار الدولة للعنف أو تتشظى السلطات يتغير منطق الإدارة نفسه، فتتحول السلطة في ظروف الفوضى إلى جباية قصيرة الأفق، وتقل الحوافز لتقديم خدمات عامة حقيقية، وتزداد حوافز الاستخلاص السريع. وتُظهر تجارب دول عديدة خرجت من حروب أهلية أن التدهور المؤسسي قد يستغرق سنوات طويلة، وأن استعادته تحتاج وقتًا أطول وإصلاحات حوكمة ومحاسبة وتثبيت قواعد خدمة مدنية مهنية.

وخلاصة القول إن تاريخ دخول الإدارة في السودان ليس قصة محاضر واحد علّم السودانيين الإدارة، بل قصة دولة بنت جهازًا إداريًا مبكرًا، ثم طوّرت تعليمًا جامعيًا وتدريبًا وطنيًا، ثم اختبرت ذلك كله في صدمات سياسية وحروب عطّلت شروط الإدارة الحديثة من استقرار ومعلومة ورقابة ومساءلة. والسؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كنا قد فقدنا المهارة الإدارية، بل ما إذا كنا قادرين على إعادة بناء بيئة الإدارة نفسها، تلك التي تجعل الكفاءة تتقدم على الولاء، وتجعل القوائم تُراجع وتُنشر، وتجعل مجالس الإدارات تُسأل وتُحاسب، بدل الاكتفاء بالحنين إلى زمن كانت فيه الإدارة عنوانًا للهيبة لا آلية قابلة للقياس والتدقيق.

Exit mobile version