الأغنية السودانية … وفرة في الأصوات وندرة في الألحان..

الاحداث:ماجدة حسن
تواجه الأغنية السودانية تحدياً يتجاوز تراجع الإنتاج أو غياب المنصات الفنية، يتمثل في محدودية ظهور ملحنين يمتلكون مشاريع موسيقية قادرة على صناعة أعمال جديدة وترك بصمة في الوجدان. فبينما تتزايد أعداد المغنين والمغنيات، وتتسع وسائل النشر والترويج، تبدو الألحان الجديدة أقل حضوراً وتأثيراً، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة سؤالاً مهماً: أين اختفى الملحنون؟
في تاريخ الغناء السوداني، لم يكن الملحن مجرد شريك للمطرب، بل كان أحد صناع التحولات الفنية. فقد ارتبطت مراحل مهمة من تطور الأغنية بأسماء مثل برعي محمد دفع الله، وعبد اللطيف خضر «ود الحاوي»، وعمر الشاعر، وبشير عباس، إلى جانب شعراء امتلكوا موهبة التلحين، من بينهم عبد الرحمن الريح، وخليل أحمد، والطاهر إبراهيم، والتجاني حاج موسى، وعوض جبريل.
هؤلاء لم يقدموا ألحاناً عابرة، بل أسهموا في تشكيل مدارس وملامح موسيقية، ومنحوا الأصوات التي تعاونوا معها شخصيات فنية مميزة. وكانت العلاقة بين الشاعر والملحن والمطرب تقوم على التكامل، حيث يتحول النص الشعري إلى بناء موسيقي يستوعب معانيه ويمنحه حياة جديدة.
ندرة الملحنين.. شهادة من داخل الوسط
القضية ليست مجرد انطباع نقدي، فقد تناولها الملحن السوداني ضياء الدين ميرغني في حوار مع صحيفة «الصيحة» في يونيو 2021، تحت عنوان «السودان يعاني ندرة في الملحنين»، متحدثاً عن الفجوة بين أعداد المغنين وقلة الملحنين، وعن تجربته في التعاون مع عدد من الشعراء، بينهم سعد الدين إبراهيم وعبد الوهاب هلاوي ومحمد أحمد سوركتي.
وتكشف هذه الشهادة عن مشكلة تتجاوز نقص الأسماء، لتصل إلى محدودية فرص إنتاج الألحان وتقديمها للجمهور. فوجود اللحن لا يعني بالضرورة وصوله إلى المستمع، في ظل ضعف قنوات الإنتاج والتوزيع والتسويق الموسيقي.
من جانبه، طرح المغني والباحث عثمان عجبين رؤية نقدية في مادة نشرها موقع «الترا صوت» في يونيو 2020، تناول فيها طبيعة الأغنية السودانية وبنيتها اللحنية، منتقداً محدودية التجريب والتنوع في بعض تجاربها، ومشيراً إلى تأثير الإذاعة في تشكيل الذائقة الموسيقية. وهي قراءة تفتح النقاش حول ما إذا كانت الأزمة مرتبطة بعدد الملحنين فقط، أم بغياب التطور في اللغة الموسيقية نفسها.
أسماء حمزة.. نموذج لموهبة لم تجد فرصتها كاملة
ويبرز حضور الملحنة الراحلة أسماء حمزة بوصفه تجربة استثنائية في تاريخ الموسيقى السودانية. فقد استطاعت أن تفرض موهبتها في مجال ظل محدود المشاركة النسائية، وقدمت أعمالاً لعدد من المطربين.
وفي حوار صحفي عام 2017، تحدثت عن امتلاكها أكثر من ثمانين لحناً لم تجد طريقها إلى التسجيل والتقديم، كما انتقدت استعجال بعض المطربين الشباب الوصول إلى الشهرة. وتكشف تجربتها عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في ضعف الاهتمام بتوثيق الألحان وإتاحة فرص تقديمها، فضلاً عن محدودية حضور المرأة في مجال التلحين.
التراث ليس بديلاً عن الإبداع
ومن مظاهر الأزمة الاعتماد المتزايد على إعادة تقديم الأغنيات القديمة، خصوصاً أغنيات الحقيبة، التي تمثل ركناً أصيلاً من الذاكرة السودانية. غير أن استدعاء التراث ينبغي أن يكون مدخلاً للتطوير والتجديد، لا وسيلة دائمة للهروب من مسؤولية إنتاج الجديد.
فالأغنية التي تعيش ليست بالضرورة تلك التي تستند إلى رصيد سابق، وإنما التي تمتلك لحناً قادراً على خلق علاقة جديدة مع المستمع.
وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات الفنية والإعلامية، وفي مقدمتها اتحاد المهن الموسيقية، في دعم الملحنين الشباب، وتنظيم ورش متخصصة، وتشجيع التعاون بين الشعراء والمطربين والموسيقيين، إلى جانب حماية حقوق الملحنين وإبراز أدوارهم في صناعة الأغنية.
وقد ضاعفت الحرب من تعقيدات المشهد، بتشتت الفنانين وتعطل المؤسسات وتراجع فرص الإنتاج والتوثيق، ما يجعل استعادة البنية الفنية والمهنية جزءاً من معركة النهوض بالثقافة السودانية.
إن أزمة التلحين تحتاج إلى نقاش جاد يتجاوز المقارنة بين الأجيال، ويبحث عن أسباب تراجع الإنتاج الموسيقي وآليات استعادة التجديد. فالسودان لا تنقصه الأصوات ولا الذاكرة الغنائية، لكنه يحتاج إلى ملحنين يمتلكون المعرفة والخيال والجرأة على صناعة المختلف.
فالأغنية لا تعيش بالصوت وحده؛ إنما تحتاج إلى لحن يمنحها هويتها، ويصنع لها مكاناً في الذاكرة.

↑
Exit mobile version