«الأغنية السودانية.. أزمة التلحين وغياب الملحن»

ماجده حسن

عزف منفرد

في التجربة الغنائية العربية، لم يكن الملحن مجرد شريك ثانوي يقف خلف المغني، بل كان أحد صانعي المجد الغنائي نفسه. ارتبطت أسماء أم كلثوم وفيروز وفايزة أحمد وعبد الحليم حافظ بملحنين كبار، مثل محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي والأخوين رحباني وغيرهم. ولم تقتصر قيمة هؤلاء على كثرة الألحان، وإنما في قدرتهم على صناعة مدارس وملامح موسيقية وإحداث تحولات حقيقية في الذائقة.

وفي السودان أيضاً، عرفنا ملحنين تركوا أثراً واضحاً في مسيرة الأغنية، يأتي في مقدمتهم برعي محمد دفع الله، وعبد اللطيف خضر «ود الحاوي»، وعمر الشاعر، إلى جانب شعراء امتلكوا موهبة التلحين، مثل عبد الرحمن الريح، ومحمد عوض الكريم القرشي، والتجاني حاج موسى، وعوض جبريل. هؤلاء لم يكونوا مجرد ملحنين لمطربين، بل كانوا جزءاً من صناعة مرحلة كاملة في تاريخ الغناء السوداني.

لكن المشهد الحالي يثير سؤالاً لا يمكن تجاهله: أين الملحنون؟

لدينا عدد كبير من المغنين، وعدد أكبر من المغنيات، ومنصات إعلامية ووسائط نشر لم تكن متاحة للأجيال السابقة، ومع ذلك تبدو الساحة فقيرة في الألحان الجديدة التي تمتلك شيئاً من التميز أو الخصوصية أو القدرة على البقاء.

المشكلة ليست في الأصوات وحدها، وإنما في غياب الملحن القادر على اكتشاف الصوت، وفهم النص، وتحويل الاثنين إلى عمل فني متكامل. ولذلك يتزايد اعتماد بعض المغنين الشباب على إعادة إنتاج ما سبقهم، وتقليد الآخرين، والاحتماء بالأغنيات القديمة، حتى أصبحت «الحقيبة» في بعض الحالات بديلاً عن الإبداع لا مصدراً له.

والحقيبة، بالطبع، ليست المشكلة؛ فهي جزء أصيل من الذاكرة الغنائية السودانية. المشكلة أن يتحول التراث إلى ملاذ دائم من مغامرة إنتاج الجديد.

كما أن حضور المرأة في مجال التلحين يبدو محدوداً بصورة مؤسفة، خصوصاً بعد رحيل أسماء حمزة، التي مثلت حالة استثنائية في الموسيقى السودانية.

التلحين موهبة، لكنه ليس موهبة فقط. إنه معرفة وتجربة ووعي بالشعر والصوت والإيقاع، والأهم امتلاك شخصية موسيقية. ولذلك فإن ظهور ملحنين بمستوى السني الضوي وغيره من أصحاب التجارب المؤثرة، ليس مجرد إضافة أسماء جديدة إلى الساحة، وإنما يمكن أن يكون إضافة إلى مستقبل الأغنية نفسها.

الساحة لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تغني فقط، بل إلى ملحنين يمنحون هذه الأصوات أسباباً جديدة للغناء.

فالأغنية التي تعيش لا يصنعها الصوت وحده؛ يصنعها لحن يجد طريقه إلى الذاكرة.وأرى أن «الأغنية السودانية وأزمة التلحين» أكثر ملاءمة لمقال نقدي من العنوان السابق؛ مباشر، هادئ، ويترك مساحة للنقد داخل النص.

↑
Exit mobile version