رأي

الأستاذ أحمد كمال الدين فى رحاب الله

التيجانى عبد القادر حامد
17 يناير 2026
غادرنا إلى رحاب الله (الأسبوع الماضى، يناير 2026) الأخ الصديق الأستاذ أحمد كمال الدين إثر علة مفاجئة لم تمهله طويلاً فلم يجد أهله وأحبابه-المنتشرون فى داخل السودان وخارجه- ملجأ غير إنا لله وإنا اليه راجعون، ولسان حالهم: نحن نحبك فى الله وسنظل ندعوه أن يغفر لك ما قدمت وآخرت وأن يدخلك الجنة مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
لم يكن الراحل-المقيم استاذاً فى القانون وحسب، وإنما كان بحق أستاذاً فى الأخلاق-صدقاً مع النفس وبراً بالوالدين وتفانياً فى خدمة الناس لوجه الله بلا من ولا أذى. ولا أشك أنه قد ترك فراغاً كبيراً بين اخوانه وزملائه ومحبيه فى داخل السودان وخارجه.
تعرفت على الأستاذ أحمد منذ زمن طويل يعود- مكانا- إلى جامعة الخرطوم ويعود-زمانا- إلى أوائل الثمانينات من القرن الماضى. كان قد تخرج لتوه آنذاك فى كلية القانون ثم التحق بمدرسة الخرطوم بحرى الشعبية بنات استاذاً مؤقتاً لتدريس اللغة الانجليزية. وعندما أراد التأهب لهجرة عمل فى المملكة العربية السعودية، وطُلب منه أن يقترح من يحل مكانه فى التدريس اقترح عليهم أسمى وأخطرنى بموافقتهم. لم يكتف بذلك، بل زودنى بخريطة الطريق إلى المدرسة، وموقع البصات التى سأستغلها الى هناك، وحساب الدقائق التى تستغرقها الرحلة من الجامعة الى المدرسة. تعجبت من تلك الرغبة فى خدمة الآخرين مع الدقة والضبط والالمام بالتفاصيل، وهى مهارة لم أعهدها فى نفسى أو عند كثير من زملاء الدراسة، ولكنها مهارة تميز بها الأخ الأستاذ أحمد كمال طيلة حياته، ولا أدرى إن كانت تلك المهارة هى التى قادته لدراسة القانون ومهنة الترجمة، أم أنه قد اكتسبها من خلال دراسته للقانون وقيامه بأعمال الترجمة والتحرير الصحافى.
التقيت بعد ذلك بسنوات مع الأخ احمد كمال فى بريطانيا (مدبنة سلاو غرب لندن) واستضافنى شهوراً بمنزله فاذا هو هو، سماحة نفس وإخلاص فى العمل -مع دقة فى التخطيط وضبط للأمور والمام بالتفاصيل لا يضاهى. لأا أذكر أنى سألته عن شيىء مما يحتاج اليه قادم جديد الى مدينة لندن فلم أجد عنده اجابة؛ تسأله عن أقرب محطات الميترو الى موقع ما، فتجده عارفاً، وتسأله عن مكان أو مطعم أو شخص إلا وتجده عارفاً- وبحوزته أرقام الهوتف وعناوين الأماكن.
ثم عملنا معاً فى الصحافة والسياسة، فكان هو هو- سماحة نفس واخلاص فى العمل مع دقة فى التخطيط وضبط للأمور وإلمام بالتافصيل لا يضاهى. لم أعهده يوما تخلف فيه عن موعد، أو تعذر عن تكليف، أو تلجلج فى الحق للومة لائم. كان متوكلا مقداما ويمثل لدينا رجل المهام الصعبة، نلجأ اليه حينما يقل الناس، وتشح النفوس، إذ كان شعاره (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون”.
ورغم أن الأستاذ أحمد قضى سنوات عديدة خارج السودان، إلا أنه ظل سودانياً أصيلاً، يحدثك عن الفاشر وعن مدرستها الثانوية، وعن أحيائها وأهاليها كأنه لم يغب عنها إلا يوماً أو بعض يوم. آخر مرة التقيت به كانت قبل سنوات فى مدينة دبى حيث دعانى إلى مائدة طعام بمكان اقامته، مائدة اجتمع فيها هو وزوجته وأمه وأخته وأخوانه وأبناؤه، وسألنى أن كنت لا امانع أن آكل “الكول الفاشرى”- نوع من بهارات فاشرية خالصة تجعل للطعام مذاقاً خاصاً، فأكلت حتى الثمالة. للفاشر مكانة كبيرة فى وجدان الأستاذ أحمد، وقد علمت أن الفاجعة الأخيرة التى ألمت بها كان وقعها عليه أليما.
اللهم إنا نشهد أن أحمد كان يشهد ألا اله ألا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، ونشهد أنه كان كريما فأكرم نزله، وكان صادقاً باراً فأنزله مع الصديقين البررة، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيرا من أهله، ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، وأجعل البركة فى ذريته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى