الأراضي والحواكير… من فتيل للاقتتال إلى وقود للنهضة
Mazin
د. الهيثم الكندي يوسف
إن الانتقال الذي بشرنا به في مقالنا السابق (الهندسة المؤسسية لفيدرالية الإنتاج)، لا يمكن أن يكتمل أو يستقيم واقعياً دون تناولنا للمحرك الأساسي للصراعات السودانية ألا وهي الأرض وما تحويه من موارد.
إن التحدي للجراحة البنيوية التي نادينا بها لتفكيك بنية التهميش وإعادة هندسة الدولة السودانية، هو كيفية التعاطي مع مسألة الأرض وملكيتها. حيث إن رؤيتنا للفيدرالية الاقتصادية التشابكية لا يمكن تطبيقها ما لم نقم بإدماج نظام الأرض التاريخي ضمن الهياكل المقترحة مثل (مفوضية حوكمة الثروة السيادية) و (الصناديق الاستثمارية الإقليمية). فإما أن تظل الأرض بؤرة لتوليد الحروب الأهلية، أو أن تتحول – عبر رؤية اقتصادية وقانونية مبتكرة – إلى رافعة للنهضة الإقليمية، وصمام أمان للوحدة الوطنية القائمة على تشابك المصالح لا على القهر السياسي أو الأمني.
الصيرورة التاريخية وأزمة التكوين:
لم يتشكل السودان الحديث ككتلة متماسكة أو وحدة إدارية طوعية تكونت نتاج عقد اجتماعي تاريخي، بل كان محصلة لتجميع أقاليم وسلطنات وممالك تاريخية متعددة ومتباينة البنى الثقافية والاقتصادية تحت مظلة واحدة، بدأت تتشكل ملامحها منذ العهد التركي المصري وتكرست في حقبة الحكم الثنائي (الإنجليزي-المصري).
كانت هذه الأقاليم – من سلطنة دارفور ومملكة تقلي وسلطنات الفونج والمسبعات إلى ممالك ومشيخات الشرق والشمال – تتمتع بنظم تقليدية متعارف عليها لإدارة الأرض والموارد، قائمة على التوازن بين المجموعات المستقرة (الزارعية) والمجموعات المتحركة (الرعوية). وعندما جمع الاستعمار هذه الأقاليم في بنية مركزية واحدة، لم يهتم بخلق تمازج بنيوي بقدر ما اهتم بربط المركز النيلي بسلاسل التوريد الرأسمالية العالمية (مشروع الجزيرة كنموذج)، تاركاً الأطراف في حالة من العزلة الإنتاجية، وهو ما أسس باكراً لمفهوم التهميش الاقتصادي الذي تحول لاحقاً إلى وقود للتمرد والحروب.
التحولات القانونية لملكية الأرض.. من الاستعمار إلى الحقب الوطنية:
لقد أحدث المستعمر شرخاً قانونياً في بنية المجتمع المحلي عندما أصدر قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925، والذي سعى من خلاله إلى إخضاع الأراضي المستغلة زراعياً للتسجيل وفق الملكية الفردية، في حين اعتبر بقية الأراضي غير المسجلة (وهي الغالبية العظمى) أراضٍ حكومية، بيد أنه أبقى على الإدارة الأهلية لتدير هذه المساحات الشاسعة تحت ما يُعرف بنظام الحواكير كعرف محلي يحفظ السلم المجتمعي.
إلا أن المشاكل تفجرت في الحقب الوطنية، عندما صدر قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970 في عهد نظام مايو. هذا القانون أعلن أن جميع الأراضي غير المسجلة هي ملك للحكومة، وألغى عملياً الاعتراف القانوني بالحواكير والملكيات التاريخية للقبائل. تبع ذلك في عام 1971 إلغاء الإدارة الأهلية مما خلق فراغاً إدارياً وقانونياً.
هذا الوضع التشريعي جعل الدولة المركزية تتعامل مع أراضي الأقاليم كغنيمة، فمنحت ٱلاف الأفدنة للمستثمرين وأصحاب النفوذ في المركز عبر مشاريع الزراعة الآلية دون مراعاة لحقوق المجتمعات المحلية أو مسارات الرعاة التاريخية. ونتيجة لذلك تشوه الوضع القانوني، فالقانون المكتوب يقول إن الأرض ملك للحكومة، بينما الواقع العرفي والاجتماعي على الأرض يراها حواكير تاريخية مملوكة للقبائل. وبسبب هذا التناقض، تحولت الأرض من مورد للتنمية إلى شرارة للاقتتال القبلي والجهوي، واستغلت الحواكير كأدوات للتعبئة العرقية في الحروب التي مر بها السودان.
مقاربة الإنتقال (الرؤية البديلة):
إن رؤيتنا لحل المشكل السوداني وتجاوز معضلة التهميش تنطلق من هندسة اقتصادية تدمج ملكيات الأراضي التاريخية للمجتمعات (الحواكير) في (الصناديق الاستثمارية الإقليمية) التي اقترحناها سابقاً. الهدف تحويل الحواكير إلى أصول رأسمالية تدر عائداً مباشراً على المواطن، بدلاً عن تجميدها في نطاقها القبلي.
وتتمثل الآلية التنفيذية في ربط ملكية الأراضي بـ (منصة الحوكمة الرقمية الموحدة)، حيث يتم توثيق الحواكير التاريخية كحصص عينية للمجتمعات المحلية عبر (عقود رقمية) غير قابلة للتلاعب، مما يلغي سلطة الموظف المركزي أو وزير الإقليم في نزع الأراضي أو منحها كمحسوبية. بناء على هذا التقييم الرقمي تؤسس شراكة ذكية (شركات المساهمة العامة الإقليمية للموارد) تتوزع على النحو التالي:
حصة المواطنين والمجتمعات المحلية (40%): تخصص هذه النسبة لأبناء الإقليم والمجتمعات المحلية صاحبة الحواكير التاريخية. حيث تتحول إلى (جمعية مساهمين) في الصندوق الاستثماري للإقليم (مثل صندوق كردفان للصمغ العربي أو صندوق دارفور للثروة الحيوانية). تطرح هذه الأسهم مباشرة للأسر لتنعكس أرباحاً سنوية في حساباتهم البنكية، وتوفر لأبنائهم فرص عمل حقيقية في المشاريع الاستثمارية والتحويلية المقامة على أراضيهم.
حصة الحكومة الإقليمية (60%): تؤول هذه النسبة للصندوق الاستثماري الإقليمي وتحت رقابة (مفوضية حوكمة الثروة السيادية)، وتخصص عوائدها لتمويل البنية التحتية (طرق، طاقة، مستشفيات، مسالخ حديثة، مشاريع ري، نقاط مياه للماشية، ومراكز بيطرية) وكذلك لتطوير (التعليم التنموي) الذي بشرنا به والذي يمد مصانع الإقليم بالكوادر المؤهلة. مع التزام كامل باستقطاع منها نسبة المركز السيادي (25%) ونسبة صندوق التعويضات والتوازن التنموي (5%) لضمان العدالة بين جميع الأقاليم.
وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة وجود مرحلة انتقالية لفض النزاعات البينية حول الحدود التاريخية للحواكير وتدقيق السجلات – وذلك بإشراك الحكومة للشيوخ والحكماء ورجالات الإدارة الأهلية – قبل الشروع في الرقمنة التي ذكرناها. وكذلك التأكيد على أن الصناديق الإقليمية ستضمن (حقوق المسارات والرعي) كشراكة إنتاجية بين الرعاة والمزارعين داخل الصندوق الواحد في ما يمكن تسميته ب(تكامل الثروة الحيوانية مع الزراعة).
تجارب الدول المماثلة:
هناك دول واجهت نفس التشوه الهيكلي (أراضي شاسعة، ملكيات عرفية وتاريخية للقبائل، وقوانين مركزية مستمدة من الإرث الاستعماري تعتبر الأرض ملكاً للحكومة). سنري كيف تعاملت هذه الدول مع هذا الملف، وكيف نجحت في تحويل الأرض إلى وقود للتنمية.
1.تجربة بوتسوانا (مجالس الأراضي):
تعتبر بوتسوانا من أنجح النماذج الأفريقية في إدارة أراضي القبائل دون إلغائها أو الاصطدام معها، وهو نموذج قريب جداً من فكرتنا حول إدماج الإدارة الأهلية والحكماء قبل الرقمنة. حيث كانت الأراضي في السابق مقسمة بين أراضي قبلية وأراضي حكومية، وكان شيوخ القبائل هم من يوزعونها، مما خلق الكثير من المشكلات. فكان الحل في عام 1968 حينما صدر (قانون أراضي القبائل) وأنشئت مجالس إدارية محلية تجمع بين (ممثلي القبائل المحلية، والإدارة الأهلية، وممثلين عن الحكومة المركزية). بموجب ذلك نقلت سلطة تخصيص الأراضي من زعيم القبيلة بمفرده إلى هذا المجلس. وقد أصبحت هذه المجالس تمنح حقوق استخدام واضحة وقابلة للنقل للمواطنين وللمستثمرين. وعندما اكتشف الماس والموارد الطبيعية، لم تنزع الأراضي عنوة، بل تم الاتفاق عبر هذه المجالس على توزيع العوائد بحيث تذهب حصة للتنمية المحلية وحصة للصندوق السيادي للدولة الذي يستثمر في البنية التحتية والتعليم، تماماً كما اقترحنا في توزيع الـ 60% لحكومة الإقليم والمركز.
2.تجربة نيوزيلندا (محكمة الأراضي وصناديق الائتمان):
تتشابه هذه التجربة مع رؤيتنا في تحويل الجماعة المحلية إلى (جمعية مساهمين). فقد واجه السكان الأصليون في السابق تجريداً من حواكيرهم بواسطة المستعمر البريطاني، وتحولت أراضيهم المشاعة إلى بؤر نزاع. برز الحل في تفعيل محكمة الأراضي للسكان الأصليين وتأسيس صناديق ائتمانية لتمويل السكان لاستغلال أراضيهم،
كما ان القانون النيوزيلندي سمح بدمج الملكيات العرفية للأراضي في شركات مساهمة حيث تظل الارض مملوكة جماعياً للقبيلة، لكنها تدار كشركة تجارية. هذه الشركات تدخل في شراكات مع مستثمرين لإقامة مشاريع زراعية، غابات، أو طاقة متجددة. الأرباح تعود لأفراد القبيلة كحملة أسهم وهو ما يطابق بدقة مقترحنا بمنح (40%) للمجتمعات المحلية.
3.تجربة غانا (تأصيل الملكية العرفية ورقمنة الأراضي):
غانا واجهت مشكلة شبيهة جداً بالسودان حيث إن 80% من الأراضي تقع تحت نظام الملكية العرفية التي يديرها الزعماء التقليديون، والـ 20% المتبقية للدولة.
كان الحل أنه بدلاً من إلغاء الملكية العرفية (كما فعل قانون 1970 في السودان)، اعترف الدستور الغاني لعام 1992 بالملكيات العرفية وحماها، لكنه أنشأ (مفوضية الأراضي الوطنية ومكاتب إدارة أراضي القبائل العرفية). كما تم تطبيق مشروع ضخم لإصلاح إدارة الأراضي ركز على الرقمنة ورسم الخرائط الجغرافية لحسم النزاعات الحدودية بين القبائل. القانون يفرض أن أي استثمار في أراضي القبائل (تعدين، زراعة) يجب أن يمر عبر مكاتب الإدارة العرفية، وتوزع العوائد بنسب محددة في الدستور، حصة لزعماء القبائل (لإدارة شؤون المجتمع المحلي)، وحصة للمجالس المحلية لتمويل البنية التحتية، وحصة للحكومة المركزية.
4.تجربة المكسيك (نظام الإيخيدو) ومصفوفة القيمة:
بعد الثورة المكسيكية في عام 1917، تم توزيع الأراضي على المجتمعات القروية والقبائل المحلية فيما عرف بنظام (الايخيدو)، وهي أراضي تمتلك جماعياً ولا يجوز بيعها. تسبب هذا في فقر هذه المجتمعات لأن الأرض لم تكن قابلة للرسملة أو استخدامها كضمان بنكي. الحل والتطوير ظهر في عام 1992، حيث عدل الدستور المكسيكي ليتيح للإيخيدو (السكان المحليون) تحويل أراضيهم الجماعية إلى ملكيات خاصة أو شراكات تجارية مع الشركات الكبرى.
نجحت المكسيك في ربط هذه الأراضي بسلاسل القيمة العابرة للولايات. وهو ما أسميناه في مقترحنا (مصفوفة التكامل الإنتاجي). حيث ان أراضي المجتمعات المحلية أصبحت تنتج المواد الزراعية الخام، بينما تتولى ولايات أخرى التصنيع والتعليب، وولايات حدودية التصدير، مما خلق تشابكاً مصلحياً منع تفكك الدولة.
بدراسة النماذج أعلاه ومقارنة تجارب هذه الدول بمقترحنا، يتضح أن الشرخ الذي أحدثه قانون 1970 في السودان بإلغاء الاعتراف بالحواكير، حاولت دول مثل (بوتسوانا وغانا) تجنبه عبر (مأسسة العرف) وليس إلغاءه. كما اتضح لنا أن الأرض لا يمكن استغلالها اقتصادياً بنزعها قسراً من أصحابها التاريخيين لصالح نخب المركز وإنما بخلق نموذج تشاركي يتم فيه تبادل المنافع بين الملاك التاريخيين وبين سلطات الإقليم والحكومة المركزية، وهو ما يشابه لحد كبير رؤيتنا في (رسملة الحواكير) وتحويلها لشركات مساهمة عامة توزع بين أطراف المصلحة.
القضاء على التهميش وتوطيد الوحدة الوطنية:
من خلال هذه الهندسة التشاركية والمؤسسية الرقمية، نحقق جملة من الأهداف الاستراتيجية التي تقضي على جذور الأزمة السودانية عبر إنهاء التهميش الاقتصادي بالإنتاج لا بالهبات، اذ لن ينتظر الإقليم بعد ذلك ميزانيات تمن بها الخرطوم، بل سيتحول المورد المحلي والأرض (الحاكورة) إلى محرك ذاتي للثراء الإقليمي، مما يرفع من مستوي المعيشة للمواطن ويخلق طبقة وسطى إنتاجية تحل محل النخب الطفيلية وأمراء الحرب.
كما أننا بهذه الهندسة نتمكن من إدماج المقاتلين من الحركات الاقليمية المسلحة، ونزع السلاح منهم مما يعظم قيمة السلام، فعندما يرى المقاتل السابق أو فرد المجتمع المحلي أن استقرار المنجم، أو المشروع الزراعي، أو خط السكة حديد العابر لحاكورته التاريخية يعود عليه براتب مجزي وأرباح مباشرة لأسرته عبر الصندوق الإقليمي، وكذلك تنمية ملموسة تنعكس علي حياته كخدمات له ولقطعانه من الماشية، سيتحول إلى حارس للأمن، وتتحول الأرض من مساحة للنزاع إلى ساحة للتعاون التنموي.
كما أننا بهذه الرؤية نجعل الموارد سبباً للوحدة الوطنية عبر سلاسل القيمة، فإن رسملة الأراضي والحواكير ستسمح بقيام (مصفوفة التكامل الإنتاجي العابر للأقاليم). فالأرض في الغرب لإنتاج الماشية، وفي الوسط لإقامة المسالخ والمدابغ الحديثة، وفي الشرق لبنية التصدير والخدمات اللوجستية. وفي الخرطوم للتسويق وإقامة المعارض وتطوير الانتاج هذا التشابك المصلحي يجعل تفكيك الدولة أو إشعال الفتنة فيه خسارة اقتصادية لكافة أطراف الإنتاج.
إن السيادة الوطنية الحقيقية وبناء الدولة في سودان ما بعد الحرب، لا يمكن إنجازهما بعقليات القرون الوسطى التي تدير الصراع حول الحواكير كوسائل بقاء بدائية، ولا بعقليات المركزية القابضة التي ترى الأرض غنيمة للسلطة. فإن الحل يكمن في رسملة الموارد وتحويل المواطن من مجرد متفرج أو ضحية للتهميش إلى شريك أصيل في الثروة والقرار عبر صيغة الشراكة المؤسسية الذكية. إن هذه الجراحة البنيوية هي التي ستحول أراضينا من مقابر لضحايا الحروب إلى مصانع ومزارع تقود النهضة وتصون وجه السودان الموحد.