الآخر الذي اخترعناه

روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
ما أشدَّ ما يجور المرء على غيره حين يُحاكمه إلى صورةٍ نسجها خياله، ثم يتّخذ من مخالفتها دليلًا على خيبته فيه! فما بين الإنسان وحقيقته مسافةٌ لا يقطعها الانطباع العابر، ولا تستوفيها المواقف المبتورة؛ غير أنّنا كثيرًا ما نستعجل معرفة الآخرين، فنُتمّ ما جهلناه منهم بما ألفناه في أنفسنا، ثم نمضي في معاملتهم على مقتضى ظنوننا، كأنّنا عرفناهم حقّ المعرفة.
ولعلّ المعضلة لا تكمن في أنّنا نجهل الآخرين فحسب، بل في أنّنا لا نُحسن احتمال جهلنا بهم؛ فنستعجل ملء الفراغات، ونستعير من تجاربنا الماضية ما نُتمّ به حكاياتهم. فمن خبر الخذلان قد يرتاب في الوفاء، ومن ألف الإهمال قد يقرأ في الصمت جفاءً، حتى يغدو الإنسان الجديد متّهمًا بما اقترفه سواه، قبل أن تتاح له فرصة أن يكون نفسه.
ثم نمضي في اختراعنا أبعد؛ فنرسم للآخر ملامح لا نملك عليها برهانًا، وننتظر منه أن يظلّ وفيًّا لها. نريد منه أن يفهم ما لم نقله، وأن يلحظ ما أخفيناه، وأن يمنحنا من الاهتمام ما نراه بديهيًّا. فإذا خالف توقّعاتنا، حسبنا اختلافه خذلانًا، مع أنّه لم يَعِدنا يومًا بأن يكون كما اشتهينا. وهنا تبدأ خصومة خفيّة بين إنسانٍ حقيقيّ وصورةٍ لا وجود لها إلا في ذهن من رسمها.
وليس أشدّ مفارقةً من أن نحبّ في المرء صفاتٍ افترضناها فيه، ثم نلومه حين تتكشّف لنا حقيقته. كأنّنا لا نطلب معرفة الآخر بقدر ما نطلب منه أن يؤكّد تصوّرنا عنه؛ فإذا أظهر ما لا يوافقه، رأينا في الحقيقة نقصًا فيه، لا خللًا في الصورة التي صنعناها. وهكذا قد يصبح الوهم أحبّ إلينا من صاحبه، لأنّه يطيع رغباتنا، ولا يفاجئنا بما لا نريد أن نرى.
غير أنّ الإنصاف لا يعني أن نُحسن الظنّ على إطلاقه، أو نُغضي عن الأذى باسم اختلاف الطباع؛ بل أن نفرّق بين ما تثبته الأفعال وما تستدعيه المخاوف، وألّا نجعل من ماضينا قاضيًا على كلّ حاضر. فليس من الحكمة أن نُدين إنسانًا بجريرة غيره، كما أنّه ليس من الإنصاف أن نبرّئه من أفعاله الثابتة لمجرّد تعلّقنا بالصورة التي نحبّ أن نراه عليها.
والإنسان أوسع من أن يُختصر في موقف، وأعقد من أن تستوعبه صفة واحدة. قد نألفه أعوامًا، ثم تكشف لنا الأيام جانبًا لم نعهده، لا لأنّه بالضرورة انقلب إلى نقيضه، بل لأنّ معرفتنا به لم تكن كاملة. وفي ذلك ما يدعونا إلى التواضع أمام دواخل البشر، لا إلى الارتياب فيهم جميعًا؛ فجهلنا ببعض جوانب الإنسان لا يمنحنا حقّ اختراعها، ولا يجعل تأويلنا حقيقةً لمجرّد أنّه أقرب إلى أهوائنا.
وربما كانت بعض الخيبات لحظات انكشافٍ لنا قبل أن تكون حكمًا على غيرنا؛ نكتشف فيها أنّنا تعلّقنا بما أردنا أن يكونه الإنسان، لا بما عرفناه منه، وأنّنا حمّلناه من آمالنا ما لم يلتزم به. وحين تتهاوى الصورة، لا يكون السؤال الأجدر: لِمَ تغيّر؟ بل: أكان كما ظننّاه يومًا، أم أنّنا لم نرَ منه إلا ما أردنا رؤيته؟
إنّ معرفة الآخرين لا تُقاس بقدرتنا على وصفهم، بل بشجاعتنا في مراجعة أحكامنا عنهم. أن نترك للوقائع أن تكشف ما خفي، وللأيام أن تصحّح ما استعجلناه، وألّا نُكره الإنسان على الإقامة في صورةٍ ضاقت بها حقيقته. فليس كلّ اختلاف خذلانًا، ولا كلّ غموضٍ سوءًا، ولا كلّ خيبةٍ دليلًا على أنّ الآخر أساء إلينا؛ فقد تكون بعض الخيبات وليدة المسافة بين ما كانه الإنسان وما أردناه له أن يكون.
فكم من إنسانٍ خسرناه لأنّه لم يكن كما تخيّلناه، لا لأنّه لم يكن جديرًا بأن نعرفه؟

↑
Exit mobile version