استقرار السودان.. الورقة الاولى في أمن المنطقة

فيما ارى
عادل الباز
1
إذا قُدِّر للمليشيا أن تنتصر في حربها ضد السودان، أو حتى أن يكون لها نفوذ في السلطة، فإن ذلك يعني أن مصر والسعودية تجازفان بأمنهما القومي. كيف؟
تمدد قوات الدعم السريع وحلفائها في السودان لا يمثل أزمة سودانية داخلية فحسب، بل يخلق مخاطر استراتيجية مباشرة على أمن البحر الأحمر والخليج وحوض النيل؛ ولذلك تحتاج مصر والسعودية إلى موقف أكثر وضوحًا وانخراطًا.
استيلاء المليشيا على السلطة، يعني أن الإمارات قد استولت على ساحل يمتد 750 كيلومترًا على البحر الأحمر في شرق السودان؛ وهو ما يعني تهديدًا مباشرًا للسعودية ولمدينة نيوم، التي تنفق السعودية عليها الآن مليارات الدولارات، والتي ستكون في مرمى مسيّرات المليشيا الإماراتية.
وإذا استولت المليشيا وأعوانها وعملاء الإمارات على السلطة في السودان، فبإمكانهم تجييش الملايين من عرب الشتات، الذين سيكونون تحت قيادة إسرائيلية إماراتية، وهذا الجيش سيفرض ضغوطًا أمنية هائلة على السعودية والخليج كله.
ولا بد أن نذكّر الإخوة في الخليج بمخطط غزو قطر إبان الحصار، حين حُشدت قوات الدعم السريع قرب الحدود القطرية استعدادًا للغزو. ويمكن سؤال الفريق ياسر العطا عن المؤامرة التي رفض الانخراط فيها.
هكذا ستخنق الإمارات الخليج وتسيطر على أمن البحر الأحمر. أليس ذلك سيناريو محتملًا؟ إذن، يجب على مخططي السياسات الاستراتيجية في السعودية إجراء حسابات دقيقة للأوضاع في السودان، ومن ثم اتخاذ موقف أقوى وأكثر انخراطًا في الأزمة.
مرة أخرى، إذا قُدِّر للمليشيا الانتصار، فإن مصر ستكون قد ضُربت في عمقها الاستراتيجي على نحو غير مسبوق. فاستيلاء المليشيا على السلطة، أو حتى توسيع دوائر نفوذها وحلفائها، يعني حضورًا كاملًا وتأثيرًا ونفوذًا غير مسبوق لإسرائيل في حوض النيل.
وبعلاقتها مع جنوب السودان وأوغندا من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، ستصبح إسرائيل الأكثر تأثيرًا في حوض النيل، بل ستسيطر عليه سيطرة كاملة بالتعاون مع حليفتها الإمارات. فهل هناك أهم من النيل بالنسبة إلى مصر حتى تتركه لعدوها ليسيطر عليه ويتحكم في مصير مصر ومستقبلها؟
إن السودان لا يطلب من مصر أو السعودية عونًا منّةً أو تفضّلًا، وإنما يطلب منهما أن تدافعا عن أمنهما القومي من نقطة متقدمة، وألا تتركا للعدو نقل المعركة إلى حدودهما أو إلى داخلهما. فالأمن القومي لا يمكن أن يُباع بأي ثمن، ولا يمكن أن تكون مئات المليارات المستثمرة هنا وهناك ثمنًا لتعريضه للخطر أو للمهددات.
الخطر على السعودية يتمثل في تحول الساحل السوداني إلى مجال نفوذ معادٍ أو غير مستقر على الضفة المقابلة للبحر الأحمر، بما يضاعف حساسية أمن الممرات البحرية والمشروعات الاستراتيجية في شمال غرب المملكة. أما الخطر على مصر فيتمثل في اتساع نفوذ خصومها وشبكاتهم الإقليمية داخل المجال السوداني وحوض النيل، في وقت تتصاعد فيه أصلًا حساسية ملف المياه وسد النهضة.
مصر تعلم ماذا تعني إحاطة إسرائيل بها، وهي الآن القوة الوحيدة التي تستهدفها إسرائيل، بعد أن دمرت العراق وفلسطين وسوريا. أخشى أن تؤتى مصر من خلفها، ومن هبة حياتها، النيل، بالسيطرة على منابع النيل الأبيض وحوضه، بعد أن تمت السيطرة على منابعه في إثيوبيا بواسطة سد النهضة.
ترى، ماذا تنتظر مصر وهي ترى تشاد تساند المتمردين على السودان من الغرب، وأن إثيوبيا دخلت الحرب بالفعل ضد السودان؟ أنصح المخططين الاستراتيجيين السعوديين والمصريين بقراءة مقال الدكتور التجاني عبد القادر: «هل حانت اللحظة الحاسمة؟».
المطلوب من مصر والسعودية ليس الانخراط في حرب السودان نيابة عن السودانيين، ولا فرض وصاية على قرارهم الوطني، وإنما إدراك أن استقرار السودان جزء من أمنهما القومي المباشر.
بلاشك ان مصر والسعودية تفعلان الكثير الان لصالح السودان سرا وعلانيه ولكن اتسعت حجم التحديات والمخاطر الان، في الغرب ، تشاد تشحد قواتها الان على الحدود وتزعم ان السودان اعتدى عليها قبل تحقق في الحادثة وتحذر دوائر امنيه من اندلاع حرب تقودها تشاد مع مليشيات الدعم السريع لمواصلة العدوان على السودان.في الشرق اوضحت صور فضائية من مركييل الامريكى ان اثيوبيا تحشد الان في المعسكرات الالاف من الجنود والمئات من المعدات العسكرية والطائرات المسيرية للهجوم على الدمازين.في مثل هذه الاوقات التي تزداد فيها المخاطر ويتهدد وجود السودان نفسه ينبغى على القوى الشقيقة والتى يتهدد امنها هى نفسها ان تسارع وتسند الجيش السودانى.
إن المطلوب من القاهرة والرياض لا يقتصر على الدعم المباشر، بل يتطلب أيضاً قيادة تحرك دبلوماسي إقليمي لعزل التمدد الخارجي في السودان. يجب خلق اصطفاف إقليمي يضع حداً للدول التي تستخدم الأراضي السودانية كمنصة لتهديد الجيران، وتفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي في المحافل الدولية لإثبات أن استقرار السودان ليس شأناً محلياً، بل هو ركيزة لا غنى عنها لأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر واستقرار الإمدادات الغذائية والمائية في المنطقة.
إن التهديد لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل تقويض المشروعات الاقتصادية الكبرى. فالسودان بوضعه الراهن يمثل العمق الاستراتيجي لمشروعات التنمية في مصر والسعودية؛ وأي اضطراب دائم أو سيطرة لقوى معادية يعني رفع تكاليف التأمين البحري، وتهديد استثمارات زراعية وصناعية ضخمة، مما يجعل استقرار الدولة السودانية حاجة اقتصادية ملحة للرياض والقاهرة بقدر ما هي حاجة أمنية وجودية.
إن ترك الساحة السودانية مفتوحة لتوسّع المليشيات والتدخلات الخارجية سيجعل كلفة المعالجة لاحقًا أكبر بكثير، وقد ينقل المخاطر من أطراف السودان إلى البحر الأحمر وحوض النيل والخليج. لذلك، فإن الموقف المطلوب اليوم هو دعم مؤسسات الدولة السودانية،ووقف تدفقات السلاح غير الشرعية وتدخلات المجتمع الدولى بفرض قرارات عليه مثل توسيع حظر السلاح وغيره، حماية السودان هى حماية للامن القومى المصرى والسعودى.
في نهاية المطاف، لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى “نقطة ارتكاز” إقليمية ستحدد شكل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة لعقود قادمة. إن الأمن المائي والبحري لمصر والسعودية لا ينفصل عن سلامة الدولة السودانية ومؤسساتها. لذا، فإن المبادرة القوية والفاعلة من قبل القوى الإقليمية لتعزيز صمود الدولة السودانية ليست عملاً تضامنياً فحسب، بل هي خطوة استباقية ضرورية لحماية العمق الاستراتيجي للرياض والقاهرة، وقطع الطريق أمام القوى المتربصة التي تسعى لتحويل السودان إلى قاعدة تهديد دائم لجوارها الإقليمي.»

Exit mobile version