✍🏻 د. خالد سيد أحمد عوض الكريم
أستاذ اللوجستيات وسلاسل الإمداد
في خضم التعقيد الذي يعيشه السودان اليوم، ينصرف معظم الطرح السياسي والإداري إلى البحث عن حلول كبرى، شاملة، تبدأ من القمة وتنتهي عند القاعدة، وكأن الخروج من الأزمة مرهون بإعادة بناء كل شيء دفعة واحدة. لكن التجارب الإنسانية تقول غير ذلك: ليس كل إصلاح يبدأ من الأعلى، وليس كل نجاح يحتاج إلى موارد جديدة.
أحيانًا، تبدأ أعظم التحولات من أماكن صغيرة… من داخل الأزمة نفسها.
هنا تبرز استراتيجية “النقطة المضيئة” (Bright Spot)، وهي فكرة بسيطة لكنها شديدة القوة: داخل كل مجتمع يعاني من مشكلة، توجد حالات نجحت في تجاوزها رغم نفس الظروف ونفس القيود.
هذه النماذج لا تعمل في بيئة مثالية، بل في ذات البيئة المضطربة، ومع ذلك تنجح.
وغالبًا، تمر هذه النجاحات دون انتباه، لأنها لا تتصدر المشهد، لكنها في الحقيقة تحمل داخلها الإجابة التي يبحث عنها الجميع.
السودان، رغم الحرب والانهيار المؤسسي والتراجع الاقتصادي، ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل هو مثال حي عليها. ففي الوقت الذي تتعطل فيه مؤسسات وتضعف فيه الخدمات، نجد مجتمعات محلية تدير مواردها بكفاءة، ومزارعين يحافظون على إنتاجهم، وشبابًا يقودون مبادرات إغاثة فعالة، وتجارًا يعيدون تشكيل سلاسل التوريد بطرق مبتكرة.
هذه ليست حالات استثنائية… بل هي “نقاط مضيئة” يمكن أن يُبنى عليها مشروع التعافي.
المشكلة في السودان ليست غياب الحلول، بل غياب القدرة على رؤيتها وتحليلها وتعميمها. نحن نُكثر من سؤال: لماذا فشلنا؟ ونُقلّ من سؤال: كيف نجح البعض رغم كل شيء؟
وهذا الفرق في زاوية النظر هو الفارق بين من ينتظر الحل… ومن يصنعه.
في قطاع سلاسل الإمداد، تتجلى هذه الفكرة بوضوح. فبرغم تعطل الموانئ جزئيًا، وتدهور البنية التحتية، وتراجع الأمن في بعض الطرق، ظهرت مسارات بديلة، وتشكلت شبكات توزيع جديدة، وبرزت قدرة لافتة لدى بعض الفاعلين على التكيف وإعادة التنظيم.
هذه ليست حلولًا مؤقتة، بل نماذج قابلة للدراسة والتطوير والتوسيع.
وأذكر هنا تجربة عملية أثناء عملي بالخطوط الجوية السودانية، حين تم التواصل مع شركة استشارية لرفع الأداء. كان الطرح التقليدي قائمًا على تقديم “حلول جاهزة”، لكن الشركة رفضت ذلك، واقترحت بدلًا عنه تجربة عملية: إدارة أحد مكاتب الحجز وخط تشغيلي (مثل خط الخرطوم – جدة) وفق منهج جديد، بحيث تتحول التجربة إلى قصة نجاح تُحتذى.
هذه هي “النقطة المضيئة” في التطبيق: لا تعميم قبل إثبات، ولا تنظير دون تجربة.
تكمن قوة هذا النهج في أنه لا ينتظر الاستقرار، ولا يشترط وفرة الموارد، ولا يعتمد على تدخل خارجي معقد. هو يبدأ من الواقع كما هو، ويبحث داخله عن بذور النجاح، ثم يعمل على تكبيرها.
وهذا بالضبط ما يحتاجه السودان اليوم:
الانتقال من محاولة بناء نموذج مثالي جديد… إلى اكتشاف ما يعمل بالفعل وتعزيزه.
التحدي الحقيقي هنا ليس ماليًا ولا تقنيًا، بل ذهني وثقافي. نحن بحاجة إلى تحويل بوصلة التفكير من التركيز على الفجوات إلى التركيز على الفرص، ومن عقلية ترى الأزمة انسدادًا كاملًا، إلى عقلية ترى فيها مساحات ضوء قابلة للاتساع.
فالدول لا تُبنى فقط بالخطط الكبرى، بل أيضًا بالقدرة على التقاط النجاحات الصغيرة وتحويلها إلى مسار عام.
قد لا يبدأ إصلاح السودان من اتفاق سياسي كبير، ولا من برنامج دولي ضخم، بل من قرية نظّمت توزيع الغذاء بكفاءة، أو شبكة محلية أعادت تشغيل حركة السلع، أو مبادرة شبابية صنعت نظامًا فعالًا وسط الفوضى.
هذه هي البدايات الحقيقية.
في النهاية، الفكرة ليست تجاهل حجم الأزمة، بل إعادة تعريف نقطة البداية. فبدل أن نبدأ من الصفر، يمكن أن نبدأ من حيث نجحنا بالفعل—even لو في نطاق ضيق.
فالنجاحات التي وُلدت في زمن الحرب… هي الأقدر على الاستمرار في زمن السلام.
وهنا تكمن قوة “النقطة المضيئة”:
لا تعد بحلول مثالية… لكنها ترسم طريقًا واقعيًا يبدأ من داخلنا، وينمو تدريجيًا حتى يصبح هو القاعدة، لا الاستثناء.