اتصال نسبنا بالسيد العباس: حين احتكرت الصفوة القرار عن هويتنا جزافاً (1-3)

عبد الله علي إبراهيم

(أنشر هنا ذيل كتاب ” جامع نسب الجعليين المسمى بالسور الحصين المنيع الباس في اتصال نسبنا بالسيد العباس” للشيخ عبد الله محمد الخبير الذي كنت حررته لمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم ونشره في 1981. وهذا الذيل فصل جديد أردت فيه الإحاطة ما وسعني بما استجد من خطاب الهوية عن سيدنا العباس بين العامة والصفوة) .

سأل باتريك سميث، مؤلف “قرن قوم آخرين” (2010) لماذا تتهلهل علاقة أقوام كثيرة بماضيها لدى احتكاكها بالغرب. فينشأ المتعلم على خطة الغرب مأخوذاً به صريعاً منه. ومن فرط هذه المأخذ شخصه الكاتب الإيراني جلال آل
أحمد (1923 -1969) كحالة “غربزادكي” (تسمم بالغرب) (Westioxication).
فمنذ أن سكن هذا المتعلم إلى حداثة مستعارة، أو مفروضة، ولم يعد يجد في ماضيه، الذي عاش الغرب مثله ووجده معيباً ناقصاً، نفعاً. فالتعاطي مع ماضي أهله، والحال هذه، لا جدوى منه لأنك لن تُحدث ما هو خصيم صريح للحداثة. فهذا الماضي، في قول فرانز فانون، لا يمثل الخلو من القيمة فحسب، بل هو نقيض القيم. وفي استسلام هذا المتعلم لغربته الطوعية أضرب عن معاقرة تقاليده المحلية التي طابق بينها وبين الجمود. فتصرمت
أواصره الباطنة مع ثقافة اهله في قول الروائي النيجيري جنوا آشيبي. ولم يبق لهم ما يفعلونه بهذا الماضي غير “شنافه” لأنه مما فارق حداثتهم المبتكرة فراق الطريفي لجمله.
وكان العباس، الذي تزعم المجموعة الجعلية العربية على النيل ومن حوله نسبتها إليه، في مرمى هذا الشناف الصفوي. فقالوا إنها زعم كذوب تباروا لا في قتله هزؤا فحسب، بل طلبوا العلم الطبيعي لمحوه من جيناتهم. وانفتح باب الشناف على تقليد نسبة المجموعة الجعلية للعباس على مصراعيه بعد اختيار المشير عبد الرحمن سوار الدهب في 1 نوفمبر 2014 رئيساً لمجلس أمناء الأشراف العرب العباسيين، وتعيين السودان دولة مقراً للمجلس.
فكتب الصحافي والمعرب سيف الدين عبد الحميد عن الواقعة بتقزز قائلاً إنه وقف مبهوتاً أول ما سمع بانتخاب المشير للدرجة الرفيعة وصرفه كواحد من سلالة القبائليات التي أصبحت شبه مألوفة في الأعوام الأخيرة “واتخذت لها مجالس شورى ودور وعضوية وربما حسابات مصرفية”. غير أنه فرق بين تظاهرة الأشراف العباسيين والقبائليات بأن الأخيرة ظلت مقتصرة على الكينونات القبلية والروابط الجهوية” ممن هدفت، متى أحسنت، إلى خدمة أهلها أو كانت، إن أسأنا بها الظن، انكفاء في كيان قبلي من فرط طلب الأمان من حروب مستعرة فينا.
وجاء المقال إلى مطلب هذه الجماعة الشرف من النسبة للعباس. فقال إن
مشكلة السودان أنه “لا يستنبت الشرف ذاتياً، بل نستورده كما يستورد القمح
المعدل وراثياً، ودوننا قبل هذا أسرٌ شريفية ذات مرجعية جينية حسينية (من مثل الدوحة الميرغنية، من الكاتب الراهن) جعلت أغلب السودانيين يُسبِّحون بشرفها ولا يبالون ولا يزالون. فماذا يعنيني في أي وجهٍ من الوجوه أن تكون شريفاً؟ وما أسهل ادعاء الشرف والالتحاق المصطنع بالحسين أو بالحسن أو بالعباس كما هو حادثٌ الآن”.
وساء الباحثة فاطمة أحمد عمر طعن الصحافي الطاهر ساتي في نسبة من
انتسب للعباس. ونسبه إلى التزوير في الأنساب بمقارنة عقدها بين ذلك الوفد العباسي الذي زار السودان ضيفاً على عباسية السودان وبين امرأة كولمبية جاءت إلى السودان
أيضاً بزعم أنها ملكة نوبية. فعد ساتي وفود الوفد بعضاً من “عقدة
النقص” صفق منتحلو النسبة للعباس بها لما سماه “الوفد السعودي وصدقوا أنهم من عترة العباس”. فاستنكرت فاطمة أن يعقد ساتي هذه المقارنة بين الملكة النوبية، النصابة الكولومبية، التي جاءت شريدة للسودان وبين الوفد العباسي الذي جاء بدعوة من الأرباب عامر بن الأرباب عبد الحميد الشايقى العباسى وأبناء عمومته العباسيين بالسودان لتدشين مقامات (مقابر) أسلافهم العباسيين بالسودان.

وسخر الكاتب شوقي بدري من جهته من دق نحاس الشايقية على شرف
زيارة ذلك الوفد للسودان. وسخر مما يذاع من أنه كان مخبوء منذ معركة كورتي بينهم وجيش محمد علي الخديوي في 1821 ليسأل “وهل زيارة (أشراف مكة) التي أخرجت هذا النحاس المسجون أشرف واجل من كل أحداث التاريخ السوداني اللاحقة بعد معركةكورتي؟”

وما أرق الدكتور الباقر العفيف أيضاً من هوية هذه المجموعة العربية هو انتحالهم العروبة بأعراق في سيدنا العباس. وجاء العفيف لكشف التزوير
في نسبة عرب السودان النيلي الأوسط للعباس من فرضيته أنهم “نوبا مستعربون، أي أنهم ليسوا عرباً كما يدعون”. وبلغ به الضجر من هذا الانتحال حد أن خرج في حملة لقتل العباس (ancestrocide).
فطرق باب علوم الجينوم في “معامل صاحبة الجلالة الملكة إليزابيث” ليمتن حجته. فقال بعد أن أحصى جيناته بعد الفحص عدداً إنه خرج من رحم جد نوبي قتلوه. فظهر له بعد فحص الدي إن آى، أنه وعشيرته من والد رباطابي وأم جعلية “أحباش كوشيون نوبيون شرق أفريقيون” وليسوا عباسيين. وهكذا وضع العلم في قول الباقر حداً للأسطورة العباسية، وفرض علينا واجب بعث جدنا النوبي الذي قتله العباس المنتحل.
لي مأخذان على تصريح الباقر عن اغتيال العباس في معامل ملكة
بريطانيا العظمي. أما المأخذ الأول فهو على تسليمه أمر الهوية طواعية لما يسفر عنه الكشف المعملي، أي العلم الطبيعي. والعلم خدّاع. ومن اعتقد فيه في غير ميدانه كاعتقاد الباقر في نجاعته في حسم الخلاف في موضوع اجتماعي وثقافي ركب مركباً صعباً. فقد جاء وقت أراد علم التاريخ أن يتمثل بالعلوم الطبيعية ليسوق مباحثه إلى الحقيقة الموضوعية التي لا سواها. ثم غادر التاريخ محطة التشبه بالعلم حتى صارت “الموضوعية” عدوه اللدود في زمان التفكيك هذا. من جهة أخرى لا تتفق الدراسات في علم الهوية مع الباقر في أن الجينوم هو الفيصل في تحديد الهوية يدل عليها مستبعداً كل معارف أخرى. فجاء عند أحد علمائها وهو بول بردوين أن كشف الجينوم هو دليل جيني يعقد مسألة الهوية لمنوظفه لاستسهالها. ولا يعدو مع ذلك عن كونه دليلاً يدخل مع رصيفاته على مائدة الجدل المتصل حول الهوية. فالدليل الجيني لا يُجب الدلائل التي سبقته، بل يشتبك معها في
حوار رصين حول الهوية.
أما “رِهَيفة” منطق الباقر فهي في ممارسته الهوية العربية في حين نفاها عن نفسه. فعنوان مقاله كان “وقطعت جهيزة قول كل خطيب” في إعلائه وحدانية كشف الجينوم. ثم جاء بمقطع من شعر الرصافي العراقي
“فسبحان واهب العقول ومُعمِيها” لينعي علينا معشر عرب السودان إنكار
سودانيتنا متشردين في تخوم العرب. فبالله شوف الزول دا متجدع في الثقافة العربية كيف وناكرها حطب! ولا أعرف كلمة منالمرحوم الدكتور الشاعر محمد عبد الحي علقت بنفسي مثل قوله لي مرة لا تقل
“الهُوية” قل “الإلفة”. وحين انبثق المجاز العربي على سنة قلم
الباقر ليلحن بحجته كان قد طلب الإلفة.
لم يتورع الباقر دون اصطناع سلف قديم له حين رمى بالعباس في سلة
الجينوم. فقال هازئاً “يبدو أن جهيزة الخواجية أرادت أن تعوضني عن خسارتي
للعباس بإخباري أني والزعيم الخالد نيلسون مانديلا تحدرنا من جد واحد. وأن هذا الجد المشترك عاش قبل ١٤٠ ألف سنة. ربما كان هذا أبونا آدم.” فلم يحتمل الباقر أن يحيا بغير نسبة إلى جد أكبر يمتد عرقه وعرق نلسون مانديلا، الأفريقي المأثرة، إليه. ولم يتوقف ليرى إن لم يكن اختلق جداً مبتكراً لوسامته وحسن سيرته كما فعل من اختلق العباس جداً لعرب السودان النيلي.

ونواصل

Exit mobile version