إيران… حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح

فيما أرى
عادل الباز:

1
لأول مرة أحس بخطورة الجغرافيا في السياسة والاقتصاد والحروب، ويعود الفضل في ذلك إلى مضيق هرمز. إذ لأول مرة أرى أن مضيقًا صغيرًا بعرض 33 كيلومترًا يمكنه أن يتحكم في اقتصاديات شعوب، وأن يمتلك قدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد والسياسة الدولية والإقليمية.

هكذا ظهر أن الصواريخ والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية، مهما بلغ مستوى تطورها وتقدمها، ليست بأهمية الجغرافيا. ففي الحرب الحالية في الخليج، لا تحارب إيران بالسلاح وحده؛ فقد دُمِّرت أغلب أسلحتها الجوية والبحرية، لكنها ما زالت في الميدان تقاتل… وذلك بفعل الجغرافيا.

لقد أثبتت هذه الحرب فعلاً أن سياسة الدول تكمن في الجغرافيا، وأنها العامل الأكثر ثباتًا وتأثيرًا في العلاقات الدولية.

2
الناظر إلى خريطة العالم يجد أن إيران تجلس فوق واحدة من أكثر العقد الجغرافية حساسية في العالم: بين بحر قزوين شمالًا والخليج العربي جنوبًا، وبين آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وبين أكبر حقول الطاقة في العالم (إيران نفسها، والسعودية، والعراق، والكويت).

كما تقع إيران على واحد من أهم طرق التجارة البحرية. هذا الموقع الاستراتيجي المميز حولته إيران إلى سلاح.

فالمضيق الضيق، الذي يبدو على الخريطة مجرد ممر مائي صغير، هو في الحقيقة شريان الطاقة العالمي. يمر عبره نحو 20-21 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يعادل حوالي 20-25% من تجارة النفط البحرية العالمية..

وهذا يعني أن أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي يمر عبر عنق زجاجة جغرافي ضيق للغاية.

3
اتضح أن إيران ليست بحاجة إلى إغلاق مضيق هرمز فعليًا؛ يكفي التهديد بذلك. وهنا تظهر عبقرية الجغرافيا في الاستراتيجية الإيرانية.

فإيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق حتى تُحدث أثرًا هائلًا فيكل المناحي؛ يكفي أن تجعل المرور فيه خطرًا، أي أن تستخدم الجغرافيا كسلاح دون إطلاق طلقة واحدة.

يكفي التلويح بالألغام البحرية، أو الزوارق السريعة، أو الصواريخ الساحلية، حتى ترتفع تكلفة التأمين، وتتردد السفن، وتقفز أسعار النفط في الأسواق العالمية. وكما يحدث الآن، فقد تجاوز سعر نفط برنت 100 دولار للبرميل (حوالي 101-103 دولار في منتصف مارس 2026)، بينما تضاعفت أسعار تأمين السفن العابرة للمضيق عدة مرات.

لكن الجغرافيا الإيرانية لا تقف عند البحر. فداخل إيران نفسها تمتد سلاسل جبال ضخمة، أبرزها جبال زاغروس التي تمتد لنحو 1600 كيلومتر عبر غرب البلاد.

مساحة إيران نحو 1.6 مليون كيلومتر مربع، ونحو 60% من أراضيها جبلية أو وعرة، مما يسمح بإخفاء المنشآت العسكرية ويصعّب السيطرة البرية السريعة وإلى جانب الهضبة الإيرانية الواسعة والصحارى الداخلية، تشكل هذه التضاريس شبكة دفاع طبيعي تجعل أي حرب برية ضد إيران معقدة ومكلفة للغاية..

4
لم تستخدم إيران الجغرافيا كسلاح داخل حدودها فقط، بل استخدمتها أيضًا في جغرافيا بعض الدول الإقليمية. فإيران لا تنظر إلى حدودها السياسية باعتبارها حدود الصراع، بل ترى أن أمنها يبدأ خارج حدودها.

ولذلك بنت خلال العقود الماضية شبكة نفوذ تمتد عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن. وبهذه الطريقة تتحول الحرب من مواجهة بين دولتين إلى حرب تُستخدم فيها الجغرافيا كسلاح عبر كامل خريطة المنطقة وفي جبهات متعددة: لبنان، والعراق، وربما قريبًا اليمن… وذلك حتى لا يكون الصراع محصورًا فيمسرح عمليات واحد.

فالجغرافيا باتساعها أصبحت جزءًا من ساحة المعركة، وهي ساحة ممتدة تشمل الممرات البحرية وخطوط الطاقة والموانئ والمضائق، وكلها أصبحت جزءًا من مسرح العمليات.

5
التاريخ يذكرنا بأن استخدام الجغرافيا ليس جديدًا. ففي الحرب العالمية الثانية لعبت الجغرافيا دورًا حاسمًا في معركة ستالينغراد، حين تحولت المدينة الواقعة على نهر الفولغا إلى حصن طبيعي قلب موازين الحرب ضد ألمانيا.

وفي حرب فيتنام استخدمت القوات الفيتنامية الغابات الكثيفة والممرات الجبلية لتحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى عبء ثقيل عبر حرب استنزاف طويلة.

وفي أفغانستان فعلت الجبال الشيء نفسه مع الجيوش الكبرى، من البريطانيين إلى السوفييت ثم الأمريكيين.

6
الحرب الإيرانية – الأمريكية – الإسرائيلية الجارية الآن تجمع بين جغرافيا الحرب و الطاقة العالمية. وربما تكون هذه من المرات النادرة التي تُستخدم فيها الجغرافيا والطاقة كسلاحين في حرب واحدة.

ولهذا أصبحت الحرب مع إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل مواجهة مع جغرافيا خطرة تتحول إلى سلاح لا يمكن تدميره بحملات جوية أو بأي نوع من الأسلحة.

ولهذا يتساءل كثيرون: لماذا تحتاج إيران إلى سلاح نووي، ولديها بالفعل جغرافيا نووية قادرة على إحداث فوضى سياسية واقتصادية هائلة؟

7
لقد أثبتت إيران أن الدول قد تمتلك جيوشًا ضخمة وتكنولوجيا متقدمة وأسلحة متطورة، لكن بعض الدول تمتلك شيئًا أكثر تأثيرًا: الموقع والجغرافيا.

لقد علمتنا هذه الحرب درسًا قديمًا يتكرر في كل عصر:
ليست القوة العسكرية وحدها ما يصنع النفوذ في العالم، بل الموقع والجغرافيا.

فالدول قد تخسر أسلحة أو جيوشًا، لكنها حين تمتلك موقعًا يتحكم في طرق الطاقة والتجارة، فإنها تمتلك سلاحًا لا يمكن تدميره.

وهذه الجغرافيا قادرة على خلق التوازن في مسارح العمليات، وعلى الأقل فهي حتى الآن لم تسمح للأمريكيين بإعلان النصر النهائي.

Exit mobile version