إيرادات ضخمة… وكرة سودانية تعيش الهدر والفشل

د. محمد بدوي مصطفى

فلنعلم، يا سادتي، والعلم بالشئ خير من الجهل به، أن في عام 2025 قد جمع الاتحاد السوداني لكرة القدم أكثر من 2,310,000 دولار من إيرادات البطولات القارية والعربية، بيد أنها اختفت في حسابات الاتحاد، فص ملح وداب، على حد قول المثل، وكأن هذه الأموال الطائلة قد تبخرت… وكأنها في يوم من الأيام لم تكن. حرام أن اللاعبين لا يحصلون على رواتب منتظمة، والمكافآت هزيلة لا تكفي حتى لأساسيات حياتهم، والمدربون يتأخرون في استلام مستحقاتهم لأسابيع وأحيانًا أشهر. الملاعب شبه مهترئة، الأكاديميات غائبة، والبطولات المحلية تُدار بعشوائية، بينما الأموال الكبيرة تُترك بلا رقابة أو شفافية.

هذا هو واقع كرة القدم في السودان: الإدارة الحالية فشلت فشلًا ذريعًا في حماية اللاعبين، وفي تحويل الإيرادات إلى تطوير حقيقي للعبة. بينما دول أفريقية أقل مواردًا وأقل تاريخًا كرويًا تجاوزتنا، ظل السودان أسيرًا لفشل إداري مستمر وهدر مستمر للفرص.

والأمر لا يقف عند هذا الحد، فإننا نتحدث هنا عن موارد مالية رياضية ضئيلة مقارنة بما يملكه السودان من ثروات طبيعية. ففي العام الماضي وحده بيعت قرابة ثمانين طنًا من الذهب السوداني الخالص، وكانت الحصيلة المالية تقدر بما يقارب ستة مليارات يورو. ستة مليارات يورو! أين ذهبت كل هذه الأموال؟ فلو استثمرت ولو حفنة من هذه الموارد في دعم الرياضة الجماهيرية في المدارس، ومراكز الرعاية، والشباب، لكنا اليوم في مقدمة الدول ليس في كرة القدم فحسب، بل في الرياضات الجماهيرية كافة.

الرسالة واضحة: إذا استمرت هذه الإدارة في نهجها التقليدي، فإن كل الأموال، وكل الجوائز، وكل العطاء الجماهيري ستظل تتلاشى بلا أثر. الإصلاح ليس ترفًا، بل ضرورة حيوية لإنقاذ كرة القدم السودانية قبل أن تضيع بالكامل. الحلول يجب أن تكون فورية وجذرية: حوكمة مستقلة وشفافة، كشف حساب لكل الإيرادات والمصروفات، دفع رواتب ومكافآت عادلة للاعبين والمدربين، تطوير الملاعب والأكاديميات، وإبرام شراكات دولية حقيقية للاستفادة من الخبرات العالمية.

كرة القدم في السودان تمتلك كل المقومات للنجاح: المواهب، التاريخ، الجماهير، ولكن بدون إدارة نزيهة وكفوءة ستظل هذه المقومات مجرد أحلام وأرقام على الورق. ستظل الأموال المجمعة من البطولات مجرد مال يختفي في جيوب المؤسسة دون أي فائدة للاعبين أو للعبة أو للجماهير، وتظل موارد السودان الطبيعية الكبيرة مثل الذهب وغيرها من الثروات لا تُستغل لخدمة الرياضة الجماهيرية وبناء أجيال قادرة على المنافسة.

لقد حان الوقت لجماهير الكرة السودانية، الصحافة، والجهات الرقابية، للتحرك والمطالبة بالإصلاح الفوري. لا يمكن السكوت عن هذا الهدر المستمر، ولا عن الإدارة الفاشلة التي تقف حجر عثرة أمام تقدم اللعبة في السودان. كل صوت، كل مقال، وكل متابعة إعلامية يمكن أن تكون ضغطة قوية على إدارة الاتحاد لإجبارها على الشفافية والمساءلة. كرة القدم ليست ترفًا، إنها قضية وطنية، وحقوق اللاعبين والجماهير ليست قابلة للمساومة. حان الوقت لتغيير حقيقي وجذري قبل أن تضيع كل الفرص والثروات التي يمتلكها.

Exit mobile version