ليست هذه الحرب أول ما خطّه التاريخ بمداد الدم، ولن تكون الأخيرة، لكنها – ككل ما سبقها – تحمل قانونًا لا يتبدل: الدهرُ دولٌ، والموتُ عللٌ، والحقُّ لا يموت وإن طال عليه الظلام.
إن من يظن أن صليل السلاح يصنع مجدًا، أو أن ركام المدن يمكن أن يكون طريقًا للسلطة، يقرأ التاريخ بعيون عمياء. فالدولة لا تُبنى على الخوف، ولا تستقيم على أنين الأبرياء، ولا تُحفظ بالنهب والسلب. تلك أوهام ساعةٍ قصيرة، سرعان ما تنقلب على أصحابها، فيجدون أنفسهم أمام الحقيقة التي لا مهرب منها: أن البغيَ لا يدوم.
لقد مرّت على هذه الأرض جيوشٌ أشد بأسًا، وسلطاتٌ أكثر بطشًا، وظنّ أصحابها أن الأرض دانت لهم، وأن الناس صارت ملكًا في قبضتهم، ثم لم تمضِ إلا سنوات حتى صاروا عبرة تُروى. فمن سنن الله في الكون أن القوة حين تنفصل عن الحق تتحول إلى عبءٍ على صاحبها، وأن الرصاص الذي يُوجَّه إلى صدور الأبرياء، يعود يومًا ليُسأل عنه صاحبه، إن لم يكن في ساحة القضاء، ففي ميزانٍ أدق لا يخطئ.
إن السودان – بكل جراحه – ليس أرضًا سائبة، ولا شعبًا بلا ذاكرة. هو وطنٌ يعرف أبناءه، ويميز بين من يحميه ومن ينتهكه. وكل من ظن أن الخراب يمكن أن يكون مشروعًا سياسيًا، أو أن الفوضى يمكن أن تكون بديلًا للدولة، فهو واهم؛ لأن الفوضى لا تُنتج إلا فوضى، والنار لا تلد إلا الرماد.
إلى من حمل السلاح خارج إطار الدولة: إن الطريق الذي تسيرون فيه ليس له نهاية إلا واحدة؛ فإما أن تعودوا إلى رشدكم، فتكونوا جزءًا من وطنٍ يتسع للجميع، أو تستمروا في ذات الدائرة حتى تُغلق عليكم، فلا تجدوا إلا الندم حين لا ينفع الندم.
فالدهرُ دولٌ… يومٌ لك، ويومٌ عليك، والموتُ عللٌ… يأتيك من حيث لا تحتسب، والحسابُ قائمٌ… لا يضل ولا ينسى.
وفي نهاية المطاف، لا يبقى إلا ما كان حقًا، ولا ينجو إلا من كان مع الحق. أما الذين ظنوا أن القوة تغنيهم عن العدالة، فسيكتشفون – عاجلًا أو آجلًا – أن الأرض التي استباحوها، تضيق عليهم، وأن القبور التي حفروها لغيرهم، قد تكون أقرب إليهم مما ظنوا.