إقتصاديون لــ”المحقق”: الشروط السياسية تعرقل خطوات إعفاء ديون السودان الخارجية

حرمت العراقيل السياسية التي تضعها الدول الغربية السودان من التمتع بالإعفاءات الممنوحة للدول الفقيرة المثقلة بالديون عبر مبادرة “الهيبيك”رغم تنفيذه إشتراطات الإنضمام للمبادرة كافة، ما تسبب في تراكم الديون بسبب الفوائد والجزاءات على التأخير حتى تجاوزت الـ60 مليار دولار وفق آخر التقديرات.

وقد صنف صندوق النقد الدولي السودان بأنه يتصدر الدول العربية في عام 2025 من حيث نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، في مؤشر يعكس تصاعد الضغوط المالية التي يواجهها الاقتصاد مع استمرار الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي والإيرادات العامة.

وأشار الصندوق إلى أن الدين في السودان سيبقى عند 169.1%من الناتج في 2026.

وبحسب قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي التابعة لصندوق النقد الدولي، فقد سجل السودان أعلى نسبة للدين الحكومي وهو المؤشر الذي يستخدمه الصندوق لقياس عبء الدين العام مقارنة بحجم الاقتصاد، ويعد أحد أهم المؤشرات المعتمدة دولياً لتقييم الاستدامة المالية للدول.

وقال الخبير الإقتصادي د.هيثم محمد فتحي لـ”المحقق”: إن ديون السودان الخارجية تتجاوز حالياً 66 مليار دولار، و أن مسار إعفائها شهد تعقيدات كبرى بسبب الأزمات السياسية والنزاعات المسلحة، مشيراً إلى أن أصل الدين هو 17 ملياراً بينما غالبيته والبالغة نحو 49 ملياراً هي قيمة الفوائد والجزاءات.

وأشار فتحي لإقرار صندوق النقد في تقرير صدر عنه في ديسمبر 2017 بأن السودان مؤهل لإعفاء الديون في ظل خطة الدول الفقيرة الأكثر مديونية،وأوضح‏ إن بلوغ السودان نقطة اتخاذ القرار يعني الموافقة المبدئية على منحه مساعدات مالية جزئية بموجب اتفاقية “هيبيك”.

وأضاف أن السماح للسودان بالانخراط الفوري في عمليات الإعفاء من الديون تحتاج لخطوات كثيرة تستغرق وقتاً طويلاً للانتهاء منها بعد الوصول إلى القرار النهائي بشطب الدين، ونوه إلى أن إعفاء الديون مشروط بمصالح الدول الكبرى ما يضيف قروضاُ واعباء جديدة. وأكد فتحي إن إجراءات الصندوق لن ترقى لمستوى الواجبات التي كان ينبغي عليه الالتزام بها لاسيما تجاه الدول الفقيرة، وأن تدخل المؤسسات المالية الدولية يتخذ طابعاً عاماً وخاصاً باعتبار تشابك ما هو اقتصادي مع ما هو استراتيجي وسياسي، ما يدل على خضوع منح القروض والإعانات، لمحددات اقتصادية تتأثر كثيراً بالمصالح السياسية والاستراتيجية.

ولفت إلى أن جميع شروط الصندوق تتمحور حالياً في الخصخصة، وتقليص القطاع العام، وخفض الإنفاق الحكومي، وكف يد الدولة على صعيد وظيفتها في رعاية المجتمع وتأمين حقوق جميع فئاته لصالح تكريس مصالح القطاع الخاص التي أدت إلى انهيار منظومة الأمان الاجتماعي.

وشدد على أن إلتزام السودان ببرامج الإصلاحات الاقتصادية التي بموجبها تم انضمامه لمبادرة (الهيبيك) يحتم على مؤسسات التمويل الدولية أن لا تتعامل بذات نهج الدول الدائنة لجهة أن هذه المؤسسات اقتصادية وليست سياسية.

وكان صندوق النقد أشار إلى أن ارتفاع نسبة الدين الحكومي للسودان يعكس اتساع الفجوة بين حجم الالتزامات الحكومية والقدرة الاقتصادية على توليد الدخل، وهو ما يزيد من الضغوط على المالية العامة ويحد من قدرة الحكومات على تمويل الخدمات الأساسية والاستثمار، كما يرفع تكلفة الاقتراض ويضعف فرص التعافي الاقتصادي.

وأعلنت وزارة المالية عن مناقشة مسودة “خارطة طريق لإكمال عملية إعفاء ديون السودان” في إطار مبادرة HIPC.
وأشار المستشار محمد نور عبد الدائم في تصريح صحافي أن الحكومة قطعت أشواط مقدرة في إصلاح المالية العامة والرقابة اللحظية على المال العام.
وأكد مضي الوزارة في تطبيق المعايير المحاسبية الدولية للقطاع العام
لاستعادة اندماج السودان في النظام المالي العالمي، والوفاء باستحقاقات مبادرة إعفاء الديون ويرى د.الفاتح عثمان محجوب في حديث لـ”المحقق” أن أغلب ديون السودان ترجع لعهد الرئيسين عبود ونميري، حيث توقفت مؤسسات التمويل الدولية عن تقديم المنح والقروض للسودان منذ عام 1983م

ولفت إلى أن معظم الديون الحالية عبارة عن فوائد للدين الأصلي بسبب طول أمد عدم السداد، وأشار لسعي الحكومة السودانية منذ العام 2000م لاعفاء ديونها وفق مبادرة إعفاء ديون الدول الفقيرة والتي استفادت منها معظم الدول ذات الأوضاع الشبيهة بينما تعثر السودان لأسباب سياسية.

وأوضح محجوب أن حجم استحقاقات الديون واقساطها أكبر من قدرة الحكومة السودانية على السداد لأن أي قسط هو أضخم من موازنة الحكومة السودانية وبالتالي لا حل أمام السودان غير طلب إعفاء الديون.

وإستبشر بإعلان وزارة المالية عن قرب إطلاق عملية اعفاء الديون، مؤكدا أن عدم التوصل لتسوية الديون يحد من قدرة الدولة السودانية على الانخراط في الاقتصاد العالمي، ويجعل الشركات الدولية تتردد في الدخول في أي استثمارات كبرى في السودان إلا ضمن اتفاقية تقاسم الانتاج لعدم الثقة في قدرة الحكومة علي سداد ديونها طالما أنها رسمياً متوقفة عن سداد أقساط ديونها.

وأكد محجوب أن إعفاء الديون يتطلب مساندة من دولة عضو في نادي باريس ومساندة من دول إقليمية نافذة وهذه أمور يصعب تصور حدوثها حالياً في ظل ضعف علاقات الحكومة السودانية مع أمريكا وبريطانيا ودول الإتحاد الأوروبي.

Exit mobile version