آفاق رقمية
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
تناول عدد من التقارير الإعلامية في الأيام الأخيرة، أن شركة ميتا Meta تدرس تقليص الوظائف لنسبة قد تصل إلى عشرين في المئة من إجمالي قوتها العاملة. هذه الخطوة تعكس واقعا جديدا يعيشه قطاع التكنولوجيا العالمي، فالشركات الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها في ظل السباق المتسارع نحو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
تعد شركة ميتا من أكبر شركات التقنية في العالم، وهي المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي الشهيرة (فيسبوك)، و (إنستغرام)، و (واتساب). وقد شهدت هذه الشركة، مثل غيرها من شركات وادي السيليكون، توسعا كبيرا في التوظيف خلال سنوات جائحة كورونا، عندما ارتفع الاعتماد العالمي على الخدمات الرقمية بشكل غير مسبوق.
اليوم المشهد بدأ يتغير، فمع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي ودخول الشركات في سباق عالمي لبناء نماذج أكثر تقدما، أصبحت الأولوية لدى العديد من المؤسسات التقنية هي الاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية الضخمة، مثل مراكز البيانات العملاقة والرقائق المتخصصة في معالجة الذكاء الاصطناعي. ويرى مراقبون أن ما يحدث اليوم انعكاس لتحول استراتيجي في طبيعة صناعة التكنولوجيا.
من جانب اخر نشاهد الجدل الواسع حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وتسريح الموظفين. فالذكاء الاصطناعي بدا يفرض واقعا جديدا على سوق العمل. فالتقنيات الحديثة أصبحت قادرة على تنفيذ عدد كبير من المهام التي كانت تتطلب فرقا بشرية كاملة، مثل تحليل البيانات وكتابة الشيفرات البرمجية وإدارة المحتوى الرقمي. وهذا لا يعني بالضرورة اختفاء الوظائف، بل تحولها. فالمرحلة القادمة ستشهد طلبا متزايدا على مهارات جديدة تتعلق بتطوير النماذج الذكية، وإدارة البيانات الضخمة، وتأمين الأنظمة الرقمية، إضافة إلى الجوانب الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
إن ما يجري اليوم داخل شركات التكنولوجيا الكبرى مؤشر على بداية مرحلة جديدة في الاقتصاد الرقمي العالمي، مرحلة تتغير فيها طبيعة العمل والمهارات المطلوبة.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم أمام الدول النامية ومؤسساتها التعليمية: كيف يمكن الاستعداد لهذا التحول؟
فالعالم الرقمي القادم لن يقاس بعدد مستخدمي التكنولوجيا، بل بقدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة التقنية والمشاركة في تطويرها، ولم يعد التحدي امتلاك التكنولوجيا ، بل إمتلاك القدرة على فهمها وصناعتها.