حوارات

إعادة الإعمار تبدأ بإعمار الإنسان قبل المصانع والمدن

رئيس اتحاد أصحاب العمل معاوية البرير في حوار حصري ل”إيلاف” 2-2

 لا تعافٍ اقتصادي دون شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص

 خسائر السودان تجاوزت 50 مليار دولار في الصناعة و30 مليارًا في الزراعة

 القطاع الخاص عاد.. لكن الجبايات والطاقة تعرقل التعافي

 لا خطة اقتصادية واضحة والحكومة منشغلة بتمويل الحرب

حوار: انتصار فضل الله – حفرة نور الدائم

في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد نتيجة الحرب وما خلفته من دمار واسع في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، تبرز قضية إعادة الإعمار كأحد أكبر التحديات الوطنية في المرحلة المقبلة.

وفي الجزء الثاني من حوار “إيلاف” مع رئيس اتحاد أصحاب العمل، رجل الأعمال معاوية البربر، يتحدث عن رؤية التعافي الاقتصادي، وأهمية التمويل والاستقرار، ودور الشراكات الإقليمية والدولية، إلى جانب تقييم واقع عودة المستثمرين ورجال الأعمال، والتحديات المرتبطة بالطاقة والجبايات وسعر الصرف.

كما يتناول الحوار حجم الخسائر التي تكبدتها القطاعات الصناعية والزراعية، والتي قُدرت بعشرات المليارات من الدولارات، مؤكداً أن إعادة البناء لا تكتمل إلا بإعمار الإنسان وترميم النسيج الاجتماعي قبل إعادة تشييد المصانع والمدن.

“نص الجزء الثاني “

كيف تقيّمون نسبة عودة القطاع الخاص لمزاولة نشاطه؟

-نسبة عودة النشاط ما تزال ضعيفة إذا نظرنا للاقتصاد ككل، لكن في المقابل هناك عدد كبير من رجال الأعمال عادوا بالفعل خلال الفترة الماضية.

 التحدي الأساسي في السابق كان إقناعهم بالعودة من الأساس، ويمكن القول إن هذا الحاجز تم تجاوزه إلى حد كبير.

لكن العائدين يواجهون إشكالات حقيقية، أبرزها مشكلات الطاقة والخدمات، وتعدد الجبايات والرسوم من محلية إلى أخرى، وتعقيدات الأراضي والإسكان، وضعف تفهم بعض الجهات لدور القطاع الخاص.

تقديري أن نسبة كبيرة عادت، من صغار المستثمرين إلى كبارهم، والبقية متوقع عودتهم خلال الفترة المقبلة، لكن ذلك يرتبط بتحسين البيئة الاستثمارية.

ما المطلوب من الحكومة في هذه المرحلة لدعم القطاع الخاص؟

-من الضروري أن تضع الحكومة خطة واضحة ومعلنة تشرح للناس ما الذي سيحدث الآن وما الذي سيحدث لاحقًا.

القطاع الخاص لا يستطيع الانتظار إلى ما بعد الحرب ليبدأ التفكير، بل يحتاج إلى رؤية واضحة من هذه اللحظة. المستثمر يريد أن يعرف الواقع الحالي، والخطوات القادمة، وشكل المرحلة بعد استقرار الأوضاع.

العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص يجب أن تقوم على الحوار والتنسيق، لأن الطرفين شركاء في إدارة الاقتصاد. المطلوب هو الوصول إلى رؤية مشتركة ومتوازنة، حتى نكون جاهزين للانطلاق فور تحسن الظروف بدل أن نبدأ من الصفر.

ما أولويات الإعمار في تقديركم خلال المرحلة القادمة؟

-أهم جانب في الإعمار ليس الحجر قبل البشر. نحن نتحدث أولًا عن إعمار النفوس وترميم النسيج الاجتماعي الذي تأثر بصورة كبيرة.

بدون إنسان متوازن نفسيًا وأخلاقيًا، لن يكون لأي إعمار مادي قيمة حقيقية. بعد ذلك يأتي إعمار البنية التحتية من طرق ومشروعات ومصانع ومدارس وخدمات.

القضية ليست المباني فقط، بل التعليم والتربية الوطنية. من السهل بناء مدينة جديدة أو طريق حديث، لكن من الصعب بناء جيل واعٍ متعلم متشبع بقيم الوطنية والانتماء.

ما نتائج لقاءاتكم وورش العمل الأخيرة مع الجانب المصري والجهات العربية؟

-شهدت الفترة الماضية سلسلة من الورش والاجتماعات التحضيرية، أبرزها لقاءاتنا في القاهرة مع اتحاد الغرف المصرية ورجال الأعمال المصريين، إضافة إلى اجتماعات اللجنة الفنية المشتركة بحضور جهات رسمية.

كما شملت اللقاءات رؤساء غرف واتحادات من دول عربية عدة. وجدنا تفهمًا كبيرًا للظروف التي يمر بها السودان، والأهم أن الجانب المصري أبدى استعدادًا للتعاون العملي في نقل الخبرات والتدريب وتأهيل الكوادر والشباب.

الاجتماعات ركزت على المستقبل وعلى فرص إعادة الإعمار أكثر من تفاصيل الحرب.

هل عادت الاستثمارات الأجنبية؟

-حتى الآن الوعود في معظمها شفوية، لكن المؤشرات مشجعة. التجربة تؤكد أن عودة الاستثمارات تبدأ بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة ثم تتبعها الاستثمارات الأكبر.

الأولوية الآن هي تنظيم بيئتنا الداخلية وتهيئة المناخ حتى نكون جاهزين لاستقبال الاستثمارات عندما تتحول هذه الوعود إلى خطوات عملية.

ما ملاحظاتكم حول الرسوم والضرائب المفروضة على القطاع الخاص؟

-نحن نفرّق بين الضرائب الرسمية التي تُحصَّل عبر وزارة المالية وتدخل الخزينة العامة، وهذه لا نعترض على أصلها.

لكن توجد رسوم وجبايات أخرى تُفرض خارج الإطار الرسمي ولا تصل إلى الخزينة، ونعتبرها عبئًا كبيرًا على القطاع الخاص. هذه الممارسات تُرهق المستثمرين وتضعف بيئة الأعمال، وتنعكس سلبًا على المواطن والاقتصاد ككل.

نطالب الدولة بإيقاف هذه الممارسات وتنظيم التحصيل بصورة قانونية وشفافة.

ما أبرز التحديات التي تواجه القطاع الخاص حاليًا؟

-من أكبر الإشكالات الآن مسألة سعر الصرف والديون المترتبة على القطاع الخاص بالعملات الأجنبية.

هناك فجوة كبيرة بين السعر الذي استدان به بعض المستثمرين في السابق والسعر الحالي للدولار، ما خلق وضعًا معقدًا بين القطاع الخاص والبنوك.

الحل يحتاج إلى تدخل من بنك السودان المركزي لوضع معالجات عامة ومتوازنة تشمل جدولة الديون ومنح فترات سماح، حتى لا ينهار القطاع الخاص ولا تتفاقم مشكلات الجهاز المصرفي.

ما حجم الخسائر التي تكبّدتها مجموعتكم خلال الفترة الماضية؟

-الخسائر كانت كبيرة جدًا، وتقدَّر بحوالي 127 مليون دولار في مجمل أنشطتنا.

في القطاع الصناعي وحده بلغت خسائرنا نحو 87.5 مليون دولار، حيث تضررت أربعة مصانع بالكامل، إضافة إلى منشآت ومخازن ومعدات تعرضت للحريق والتلف.

ورغم حجم الخسائر، نحاول التحرك خطوة خطوة لإعادة النشاط، لأن التوقف الكامل ليس خيارًا.

كيف تقيّمون وضع مجموعتكم الآن وخطط التعافي؟

-خطتنا تقوم على مبدأ واضح: نحافظ على ما تبقى ونبني عليه خطوة خطوة.

نقدّر أن المجموعة استعادت نحو 50% من نشاطها مقارنة بما قبل الحرب، ونسعى للوصول إلى نحو 70% من الطاقة التشغيلية بنهاية العام المقبل.

ما تقديراتكم لحجم الخسائر الكلية في القطاعات الاقتصادية؟

-بحسب تقديراتنا الميدانية، حجم الخسائر ضخم جدًا. نحن نتحدث عن نحو 50 مليار دولار في القطاع الصناعي وحده، وما بين 20 إلى 30 مليار دولار في القطاع الزراعي.

ورغم فداحة الخسائر، التعافي الحقيقي لا يكون فقط بإعادة بناء المصانع والطرق، بل بإعادة بناء الإنسان السوداني نفسه، لأن الانقسامات وخطاب الكراهية أخطر من الدمار المادي.

هل تشمل هذه الخسائر توقف العمل والفرص الضائعة؟

-لا، هذه خسائر مباشرة على الأرض فقط. لم أدخل فيها خسائر توقف الإنتاج ولا الفرص الاقتصادية التي ضاعت، وهي خسائر أكبر بكثير. الزراعة تعرضت لتدمير واسع في محطات الري الممتدة على النيل الأزرق من شوبا حتى أعالي النيل الأزرق. كذلك تضرر القطاع الخاص في الجزيرة بصورة كبيرة سواء داخل المشروع أو خارجه.

ماذا عن قطاع النقل؟

-تعرض لنهب واسع. شاحنات وبصات شركات النقل نُهبت أو توقفت عن العمل. نحن نتحدث عن القطاع الخاص ككل، وليس فقط عن البنية التحتية

كيف أثرت الحرب نفسيًا على رجال الأعمال؟

 -التأثير كان قاسيًا جدًا. كثيرون فقدوا ثرواتهم التي بنوها خلال عقود. بعضهم توفي حزنًا، وآخرون يعانون من أزمات نفسية حادة. كثيرون باتوا مديونين لبنوك وموردين خارجيين. هذه خسائر معنوية عميقة ستستمر آثارها لسنوات.

كيف تقيّمون وضع اتحاد أصحاب العمل؟

-الاتحاد تأثر مثل بقية مؤسسات المجتمع بالتجاذبات السياسية. جُمّدت اتحادات منتخبة، ثم جرى توافق على تشكيل لجان تمهيدية لإعادة البناء والتحضير لانتخابات جديدة. نحن نؤمن أن لا حل لأزمات السودان دون ديمقراطية حقيقية وانتخابات شفافة.

هل توجد خطة اقتصادية واضحة لدى الحكومة؟

-لا توجد خطة واضحة حتى الآن. وزارة المالية انشغلت بتمويل الحرب ومعالجة الأزمات اليومية. المستثمر يحتاج إلى رؤية واضحة: ما هي أولويات الدولة؟ إلى أين يتجه الاقتصاد؟ بدون هذه الرؤية لا يمكن للقطاع الخاص أن يتحرك بثقة.

ما أولويات الإعمار في نظركم؟

-إعمار الإنسان أولًا: التعليم، التربية الوطنية، ترميم النسيج الاجتماعي. بناء الجيل أصعب من بناء الطرق، لكنه الأساس لأي نهضة حقيقية.

ما أبرز التحديات التي تواجه عودة القطاع الخاص؟

تتمثل التحديات في الطاقة (الكهرباء والوقود) والتمويل

بالاضافةللرسوم والجبايات غير القانونية التي لا تذهب لخزينة الدولة بل لجيوب أفراد  وهذا شكل من أشكال الفساد يجب وقفه فورًا.

هل قدمت الدولة حوافز للقطاع الخاص للعودة؟

بصراحة لا. العلاقة ما زالت تقوم على “ادفع واسكت”. هذا النهج يجب أن يتغير. القطاع الخاص شريك في الإنقاذ وليس مجرد مصدر جباية.

ماذا عن أزمة الديون بعد انهيار العملة؟

-هذه أزمة خطيرة جدًا. كثير من القروض أُخذت حين كان الدولار 500 جنيه، واليوم تجاوز 3500 جنيه. لا يمكن تحميل القطاع الخاص وحده هذه الكلفة. نحتاج تدخلًا من البنك المركزي لإيجاد حلول: جدولة، إعفاءات جزئية، أو صيغ توافقية تحفظ النظام المصرفي والاقتصاد معًا.

هل لدى القطاع الخاص رؤية للإعمار؟

 -نعم لدينا خطط واضحة في الزراعة والصناعة والخدمات. لكن هذه الخطط تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة وتمويل. السودان وحده لا يستطيع تحمل كلفة الإعمار، ويحتاج دعمًا إقليميًا ودوليًا.

هل ظهرت فئة جديدة من “أثرياء الحرب”؟

-نعم، هناك من راكم ثروات كبيرة خلال الحرب بطرق غير طبيعية. في المقابل هناك رجال أعمال حقيقيون خسروا كل شيء. لا يجوز إقصاء من تضرروا، بل يجب إعادة دمجهم في الدورة الاقتصادية.

هل ستستعينون ببيوت خبرة لتقييم الأضرار؟

-بيوت الخبرة نفسها جزء من القطاع الخاص، ولديها معرفة دقيقة بحجم الدمار. التقييم موجود فعليًا لكن يحتاج تنظيمًا في إطار وطني شامل.

كيف تقيّمون الوضع الأمني عند بداية العودة للعمل؟

-كان تحديًا كبيرًا. في بعض المناطق كان هناك انتشار واسع للسلاح وانعدام للضبط. كثير من المصانع بدأت العمل في ظروف أمنية صعبة جدًا.

ما الدروس التي خرجتم بها من الحرب؟

 -الحرب أعادت ترتيب أولوياتنا: الأسرة، المجتمع، المسؤولية الوطنية. علمتنا أن المال يمكن أن يضيع في لحظة، لكن الوطن إذا ضاع لا يعوض. لذلك يجب أن يكون البناء القادم قائمًا على وعي جديد.

ختامًا.. ماذا تقول؟

 -اقول أن ما يحدث اليوم جزء من دورة اقتصادية طبيعية عنوانها التعافي وإعادة البناء.

والنجاح الحقيقي في إعادة الإعمار لن يتحقق فقط بإعادة بناء الحجر، بل بإعادة بناء الإنسان، وترميم النسيج الوطني، وخلق شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والداعمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى