إشارات إلى الثقة العمياء والاستعانة المفرطة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة [2]

خالد محمد أحمد

الثنائيات الاستدراكية

استكمالًا للمقالة السابقة، فإن من السِّمات التي تُميِّز أساليب الكتابة الآلية أنها تُفرِط في استعمال تراكيب النفي التي يتبعها استدراكٌ، مثل: “لا/ليس… بل”، و”لا/ليس… وإنما”، و”لا/ليس…ولكن”.

هذه التراكيب أصيلةٌ في العربية ولا تثريبَ في استعمالها؛ غير أن المشكلة تكمن في تحوُّلها من وسيلةٍ للتعبير إلى قالبٍ يطبع النصَّ كلَّه، فيبدو وكأنَّ الكاتب لا ينتقل من فكرةٍ إلى أخرى إلا بنفي شيءٍ ثم إثبات غيره، أو بتصحيح تصوُّرٍ من خلال الثنائية نفسها. وهذا يمنح النصَّ إيقاعًا متشابهًا سرعان ما يلحظه القارئ ويستطيع توقُّعه.

ومن الملاحظ أن هذه الثنائية تتكرَّر في كثيرٍ من النصوص المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وخاصةً حين تُترك مخرجاته بلا مراجعةٍ أسلوبية كافية.

ومن أمثلة ذلك ما ورَد في مقالةٍ صحفية ذات طولٍ مألوفٍ لمثل هذا النوع من المقالات؛ إذْ تتكرَّر هذه البنية بصيغٍ مختلفة:

لا يبدأ بالحسم العسكري، وإنما بالانتقال إلى عملية سياسية شاملة تفضي إلى وقف إطلاق النار…

وليس المقصود من هذه المقالة الدخول في سجال سياسي… وإنما الوقوف عند المنهج…

بينما الحقيقة أن الدولة، خصوصًا في حالات الهشاشة والصراع، ليست آلة ميكانيكية وإنما نظام اجتماعي وسياسي بالغ التعقيد.

فإنه لا يعتبر الحمى هي المرض، وإنما يعدها مؤشرًا على وجود خلل آخر داخل الجسم.

ولم يكن سبب الفشل هو غياب الاتفاقات، وإنما بقاء المنظومة التي أعادت إنتاج الصراع.

فالمنهج المنظومي لا يرفض الحوار السياسي ولا يقلل من أهميته، لكنه يرفض اختزال الأزمة في ثنائية الحرب أو الحوار.

ومن ثم، فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نغيِّر النظام الذي جعل الحرب نتيجة محتملة لتفاعلاته؟

هذه الثنائيات تجعل النصوص متشابهةً إلى حدٍّ يستطيع معه القارئ توقُّع طريقة بناء الجملة قبل اكتمالها. وحين يصبح مسار الجملة متوقَّعًا، يفقد النصُّ شيئًا من قدرته على شدِّ القارئ؛ فالكتابة الحيَّة تحتاج إلى تنوُّعٍ في الإيقاع، وتعدُّدٍ في طرائق التعبير، وتحرُّرٍ من القوالب الإنشائية المتكرِّرة.

يكون التعامل مع هذه المشكلة، في تقديري، بالاقتصاد في استعمال هذه الثنائيات، وتحوير الجمل التي يمكن التعبير عن معناها بصياغةٍ أكثر مباشرةً. ففي الأمثلة السابقة، يمكن إعادة بناء بعض الجمل للتخلُّص من هذه الصيغة أو الحدِّ من تكرارها مع الاحتفاظ بالمعنى نفسه.

فمثلًا:

الحرب ليست المرض في حد ذاته، وإنما أحد أعراض مرض أعمق أصاب النظام السياسي والدولة والمجتمع.

يمكن صياغتها على نحوٍ أكثر مباشرة:

الحرب أحد أعراض مرضٍ أعمق أصاب النظام السياسي والدولة والمجتمع.

وكذلك:

ومن ثم، فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نغير النظام الذي جعل الحرب نتيجة محتملة لتفاعلاته؟

يمكن أن تصبح:

ومن ثَمَّ، يصبح السؤال الأهم: كيف نغيِّر النظام الذي جعل الحرب نتيجةً محتملةً لتفاعلاته؟

ولا يعني هذا أن يتخوَّف الكاتب من هذه التراكيب؛ فهي من أدوات العربية، وقد يكون استخدامها المقصود هو الأنسب في بعض المواضع. المهم ألَّا ينجرف الكاتب في استعمالها، وأن يظلَّ اختيارها خاضعًا للمعنى والسياق لئلَّا تتحوَّل بعضُ أجزاء النصِّ إلى قوالبَ جاهزةٍ تتكرَّر، فيفقد شيئًا من حيويته؛ فالكتابة الأصيلة تحتفظ بحيويتها ونبرتها الخاصة وقدرتها على إبقاء القارئ مشدودًا إليها حين يظلُّ أسلوبها خاضعًا لاختيارات الكاتب وسِماته المميِّزة.

Exit mobile version