أيها الحاني على الطفولة أرقد بسلام يا جعفر

( هذي رؤاي)

عبد العزيز عبد الوهاب

.. الأم المفزوعة وهي تنتعل كل ( فردة شبشب من بلد) وبعينين لم تعرفا النوم منذ وضعتها ، تجري بإبنتها إلى مستشفى الأطفال وهناك حكت وجعها ..

والله يا دكتور البت من ولدتها قبل 20  يوم تبكي اليوم كله ، وما فضّلت ليها شي ما سويتو ليها وهدي قدامك أسمعا !!

الطبيب يبتسم قليلا ويهديء من روع الوالدة ويقول بعد معاينة المولودة والإطمئنان على بعض التفاصيل :

البت دي شديدة ولضيضة ما عندها أي حاجة ، ولو سكتت معناها عيانة طوالي جيبيها لي ..

ولما سمع بكا المولودة قال للأم .. ومن هسي أبشٌرك : بتك ح تطلع نبٌاحة  ..

وها هي نبوءة جعفر ابن عوف تتحقق ، فبعد ما يزيد على عشرين عاما ، تقول الأم :  البت دي كلما تفتح خشما تقول في ستة نسوان بورجغن ما زولة واحدة .

قلت لمحدثتي : يازولة ما تبالغي .. دة كلام شنو ؟

ردت : ممكن أناديها ليك تسمع لعلعتا وكان هجمتها .. أتهجم

وتلميذة بروف جعفر ، دكتورة أريج مجذوب تحكي واقعة  مكانها مكتب أستاذها الذي كان يتابع علاج طفل يعاني من سوء تغذية ، بينما  والدته تتابع الطفل على مدى شهر ، من دون أي مرافق آخر .

فسألها البروف : الولد دة أبوهو وين ؟

ردت الأم : الراجل مطلقني وما عندو علاقة بالولد

فطلب منها عنوان الوالد الذي حضر  للمستشفى فكانت المفاجأة أن البروف أصلح بين الرجل وزوجته وأرسل لطلب المأذون ليتم عقد الزواج داخل مكتب ابن عوف وخرج الطفل ممسكا بيدي والديه .

ومن يفعل هذا إن لم يفعله  جعفر الموصوف بحكمة الآباء المبذولين لصناعة الحياة وإصلاح حال الأحياء؟ .

لم يكن الرجل وهو من هو ، من حيث تكامل وجاهة الدنيا واجتماعها بين يديه ، فهو ود عز و دكتور (ولادة هَنَا) وبالمختصر كدا : الزول دة  مجيٌه من تبٌ .. سنٌتو ناعمة ويدٌو طرية ووارث طين بحر وجناين تمر وأرض في سنتر الخرتوم تساوي الشي الفلاني من الدولارات ، مالكها والده المرحوم ( ابن عوف سليمان) .

ليقوم الإبن و على نفقته بتشييد أكبر وأول مستشفى مرجعي للأطفال بالسودان ، أفتتح بالعام 2002 ليحمل اسمه .

وحق له الاسم ، سيما وأنه كان يشارك في البناء بيده فتارة  يعمل طُلبة وتارة نجارا ومرة كهربجي  ، وكان له في السبع صنايع بخت ونصيب .

ربما بدافع الغيرة المهنية أو التنمر السلطوي ، جاءت خطوة وزارة الصحة بولاية الخرطوم لتفكيك مستشفى جعفر ابن عوف وتجفيف خدماته التخصصية المجانية ونقلها إلى الأطراف ، فعارض الرجل الذي أرسى (مهد طب الأطفال) في بلده ، الخطوة بكل جسارة ومهنية طليقة فكان له ما أراد .

ولعل مجانية ابنعوف وسلميته هي ما أزعج أصحاب البنايات الفارهة  التي نمت وربت في شارع الحوادث ونحوه  والتي قد يدخلها المريض راجلا فيخرج منها ( مكفنًا) ولا يتم تسليم الجثمان إلٌا بعد أن يدفع أهله الورا والقدام .

فكسب الرجل المشتول في قلوب أمهات الجنيٌات صيتًا شعبيا ومؤسسيا واسعا ، لا سيما  بعد مناداته بمجانية علاج الأطفال (عيال الله) كما سماهم حكيم الهند المهاتما .

وابن عوف بهذا الجهد، إنما يكون قد شرعن للجهاد المدني الملتزم بأخلاق المواطنة الصالحة ضد بؤس السلطة وضد تنامي فيروسات تسعير العلاج للفئات الأضعف وضد مافيات الإتجار في صحة البسطاء .

ابنعوف الذي اختار علاج البشر في طفولتهم لعله إختار ما يناسب طبعه وغرائزه الرفيعة المتباعدة عن الشره والسرف .

فطبيب الأطفال لابد أن يكون طفلا في حركاته وسكناته بل وفي أمنياته ، ذلك لأن أكثر مشاكل الأطفال (بالريدة بتحل) ما عدا بعض الحالات التي يكون أبطالها شافع( شليق ومسلٌط).

فأكثر وصفاته وروشتاته بسيطة وشبه مجانية تعالج ( صفار اللون) والتسنين وسخونة الرأس ، و يشدد كثيرًا على الأمهات (الغبيانات) اللاتي يتحايلن على الرضاعة بحجة المحافظة على طفولة أثدائهن ، وينادي العالم الفهيم بضرورة إكمال مدة الرضاعة الربانية التي تعتبر خط الدفاع الأول لسلامة الأطفال وصحتهم حتى يكبروا.

اللهم إن جعفر قد نزل بساحتك ، اللهم فأكرم نزله ووسده الباردة ، وسٌع مرقده وأحشره في زمرة الصالحين الفائزين برضاك وعفوك يا كريم ، واربط على قلب زوجه ورفيقة دربه استشاري الأطفال الدكتورة حياة عبد الله وأبنائه وزملائه وتلامذته .

وللأمهات المكلومات لفقد جعفر ، اللاتي كلما لجأن إليه طمأنهن وبرٌد أحشائهن بطاعم الكلام وبارده ، لا  نملك إلا أن نعزيهن بأبيات الشاعر الأندلسي الذي قال :

وقانا لفحةَ الرمضاء واد

سقاه مضاعف الغيث العميمِ

حَلَلنا دوحهُ فحنا علينا

حنوّ المرضعات على الفطيمِ

وَأرشَفنا على ظمأٍ زلالاً

ألذّ من المدامة للنديمِ

يصدّ الشمس أنّى واجهتنا

فَيحجبها ويأذن للنسيمِ

أيها الأحباب : الفاتحة

* نعيد نشرها لمناسبة مرور عام على وفاة العالم الجليل صاحب المدرسة الفريدة في ( مجانية علاج الأطفال)

Exit mobile version