أوكرانيا وروسيا: سلام في التصريحات وحرب مسيّرات في الواقع

في 3 سبتمبر ظهر تناقض لافت.
بوتين تحدث عن وجود فرصة لاتفاق ينهي الحرب، وزيلينسكي أعلن أن مفاوضين أميركيين سيزورون موسكو وكييف. لكن في اليوم نفسه واصلت المسيّرات الروسية ضرب أهداف أوكرانية، بينها مصنع Coca-Cola قرب كييف. (Reuters)
هذه ليست مفارقة عارضة.
في الحروب الطويلة كثيراً ما يزداد القتال عندما تبدأ المفاوضات، لأن كل طرف يريد دخول الطاولة وهو في أفضل وضع ممكن.
روسيا تريد إثبات قدرتها على استمرار الضغط على المدن والبنية الاقتصادية الأوكرانية، بينما تريد كييف إظهار قدرتها على نقل الحرب إلى العمق الروسي وإلحاق الضرر بالمصافي والمنشآت الاستراتيجية.
المسيّرات أحدثت ثورة في هذه المعادلة.
تكلفة الطائرة الهجومية الصغيرة أقل بكثير من تكلفة صاروخ باليستي أو طائرة مقاتلة. وحتى عندما يتم اعتراضها، قد تضطر الدولة المدافعة إلى استخدام صاروخ دفاع جوي أغلى بكثير.
وهكذا تتحول الحرب إلى معركة استنزاف اقتصادي أيضاً: من يستطيع إنتاج الهجوم بأقل تكلفة، ومن يستطيع تحمل تكلفة الدفاع؟
لكن العامل الجديد في 2026 هو إيران.
كل صاروخ دفاع جوي أميركي يستخدم في الخليج هو صاروخ لا يمكن توفيره في اللحظة نفسها لأوكرانيا أو لقوات أميركية في آسيا.
ومن ثم أصبحت حربي أوكرانيا وإيران تتنافسان بصورة مباشرة على بعض الموارد العسكرية الأميركية، حتى لو لم تكن بينهما علاقة سياسية مباشرة.
هناك كذلك عنصر مالي جديد.
قال ترامب أمس إنه سيطلب من الدول الأوروبية دفع أموال للولايات المتحدة مقابل المساعدات التي قدمتها لأوكرانيا، وهو تصريح يضيف سؤالاً عن تقاسم تكلفة الحرب داخل التحالف الغربي. (Reuters)
إذا أخذت واشنطن هذا التوجه إلى نهايته، فقد يتحول الخلاف من «كم سلاحاً سنرسل؟» إلى «من يدفع ثمن السلاح الذي أرسلناه سابقاً؟».
وهذا سيمنح موسكو أملاً في أن الإرهاق المالي والسياسي داخل الغرب قد يصبح أكثر أهمية من تغيرات الخطوط على الأرض.
أما كييف فستحاول منع تحول المفاوضات الأميركية إلى صفقة تجمد الحرب بشروط تمنح روسيا مكاسب دائمة.
لذلك يجب الحذر من قراءة تصريحات بوتين عن «فرصة السلام» باعتبارها اختراقاً.
المعيار الحقيقي سيكون: هل يوجد وقف فعلي للهجمات بعيدة المدى؟ هل تظهر صيغة متفق عليها حول الأراضي؟ وهل يوجد ضمان أمني يمكن لأوكرانيا قبوله؟
من دون ذلك ستظل الدبلوماسية موازية للحرب لا بديلاً عنها.

Exit mobile version