ألف جنيه تحرك مليارات: كيف تصنع المعاملات الصغيرة سوق الدفع الإلكتروني؟
Mazin
نعمان يوسف محمد **
عندما نتحدث عن الاقتصاد، نميل إلى النظر إلى الأرقام الكبيرة، مليارات في الودائع، والتمويل، والتحويلات والاستثمارات. لكن الاقتصاد الحقيقي لا يتحرك بالمليارات وحدها. هناك جزء كبير منه يبدأ من معاملة صغيرة: أجرة حافلة، كوب شاي، كيلو خضار، زجاجة لبن، وجبة في مطعم، أو خدمة يقدمها صاحب ورشة.
والمعاملة الصغيرة قد تبدو محدودة القيمة، لكن عندما تتكرر آلاف المرات كل يوم، فإنها تتحول إلى سوق، وإيراد، وبيانات، وحركة أموال يمكن أن تمتد آثارها إلى قطاعات عديدة. مما يعني أن القيمة الاقتصادية للمعاملة لا تكمن في حجمها فقط، وإنما في عدد مرات تكرارها ودورة النقود التي يمكن أن تولدها.
الحافلة تكشف حجم السوق:
لنأخذ نموذجا بسيطا لاقتصاديات الدفع الإلكتروني. ولنفترض أن أحد فروع البنك يرتبط بخدمة الدفع الإلكتروني مع 100 حافلة، سعة كل حافلة 25 راكبا، وتنفذ الحافلة في المتوسط 100 عملية دفع يومياً.
هنا نحن أمام 10 آلاف عملية دفع يومياً من خلال 100 حافلة مرتبطة بفرع واحد فقط. فإذا كانت العمولة المصرفية 100 جنيه للعملية، والدمغة 10 جنيهات، فإن الإيرادات المباشرة تكون:
مليون جنيه يومياً للبنك من العمولات.. 100 ألف جنيه يوميا لمالية الدولة من الدمغة.. 25 مليون جنيه شهريا للبنك، بافتراض 25 يوم تشغيل.. 2.5 مليون جنيه شهريا للمالية… 300 مليون جنيه سنويا للبنك.
30 مليون جنيه سنويا للمالية.
أي أن نشاطاً بسيطاً يضم 100 حافلة فقط يمكن أن يولد، وفق هذه الفرضيات، 330 مليون جنيه سنويا من العمولات والدمغة معا.
وإذا كان للبنك 10 فروع تعمل بالمعدل نفسه، فإن الأرقام ترتفع إلى نحو 3 مليارات جنيه سنويا للبنك من العمولات، و300 مليون جنيه للمالية من الدمغة.
هذه ليست صفقة استثمارية ضخمة، وإنما أجرة مواصلات تتكرر آلاف المرات.. لكن الإيراد ليس القصة كلها، فإذا كانت أجرة الرحلة في هذا المثال ألف جنيه، فإن قيمة المدفوعات الأولية تبلغ حوالي 10 ملايين جنيه يوميا، و250 مليون جنيه شهريا، و3 مليارات جنيه سنويا من خلال 100 حافلة في فرع واحد.
وعند عشرة فروع تصل قيمة المدفوعات الأولية إلى 30 مليار جنيه سنويا. وهنا تظهر قيمة أخرى للدفع الإلكتروني. وهي النقود التي تمر عبر النظام المصرفي يمكن أن تتحول إلى أرصدة وحسابات ومعاملات مالية متكررة، بدلا من أن تظل حركة نقدية غير مرئية.
بالطبع ليس المقصود أن كامل هذه المبالغ تتحول إلى ودائع مستقرة، وإنما أن كل عملية دفع تفتح إمكانية وجود حساب، ورصيد، وتحويل، وادخار، أو تعامل مالي لاحق. وهكذا يصبح الدفع الإلكتروني وسيلة ليس فقط لتحصيل الأموال، وإنما لجذب النشاط الاقتصادي اليومي إلى النظام المالي.
من الأجرة إلى إتساع دورة النقود:
الأهم من قيمة العملية الأولى هو ما يحدث للنقود بعد ذلك:
– فالراكب يدفع ألف جنيه للحافلة.
– وصاحب الحافلة يستخدم جزءاً منها للوقود والصيانة والأجور.
– ومحطة الوقود تدفع للمورد.
– والمورد يدفع للعاملين أو يشتري سلعا أخرى.
– والعامل ينفق دخله في السوق.
فإذا تمت هذه العمليات إلكترونيا، فإن الألف جنيه نفسها يمكن أن تنتقل بين عدة أطراف وتولد عدة معاملات مالية. وهنا تصبح دورة النقود أهم من العملية الأولى.
فـعشرة ملايين جنيه من المدفوعات اليومية لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد تحرك بـعشرة ملايين فقط؛ لأن النقود يمكن أن تدور أكثر من مرة، وكل دورة يمكن أن تولد معاملات جديدة.
ولهذا فإن انتشار الدفع الإلكتروني لا يزيد فقط عدد عمليات الدفع، بل يمكن أن يزيد سرعة ظهور النشاط الاقتصادي داخل النظام المالي وقابليته للقياس.
من حركة النقود إلى المعلومات:
كلما دخلت هذه المعاملات إلى النظام المصرفي، أصبح لدينا سجل أفضل للنشاط الاقتصادي، مما يتيح لنا أن نعرف حجم المبيعات، وانتظام التدفقات، ومواسم النشاط، وأنماط الإنفاق والتحصيل. وهذه المعلومات، مع الالتزام بحماية البيانات والخصوصية، يمكن أن تكون ذات قيمة للمؤسسات المالية في فهم العملاء وأصحاب الأعمال الصغيرة. فالمصرف لا يرى مجرد رصيد في الحساب، بل يمكنه أن يرى سلوكا ماليا متكررا. وهذا مهم خصوصا للمشروعات الصغيرة التي قد لا تمتلك قوائم مالية متكاملة أو ضمانات كافية.
من المعاملة إلى التاريخ المالي:
صاحب الدكان أو الورشة أو المطعم الصغير قد يكون لديه نشاط حقيقي، لكنه يجد صعوبة في إثباته للمؤسسة المالية. وإذا أصبحت مبيعاته ومدفوعاته ومشترياته تمر بصورة منتظمة عبر النظام المالي، فإنه يبدأ في بناء تاريخ مالي.
هذا التاريخ لا يعني استحقاق التمويل تلقائيا، لكنه يوفر معلومات إضافية يمكن أن تساعد في تقييم القدرة على السداد والتدفقات النقدية، إلى جانب المعايير الائتمانية الأخرى. وهنا يمكن للتكنولوجيا المالية أن تؤدي دوراً يتجاوز الدفع من وسيلة لتحريك المال إلى وسيلة لفهم النشاط الاقتصادي وتمويله.
العميل الصغير ليس عميلا صغيرا بالضرورة:
قد ينظر المصرف إلى عميل يحتفظ بألف أو خمسة آلاف جنيه باعتباره أقل أهمية من عميل يملك مئات الملايين. لكن إذا كان العميل الصغير ينفذ عشرات العمليات شهريا، ويستخدم الحساب للتحصيل والدفع والتحويل والادخار، فإن قيمة العلاقة لا تقاس بالرصيد وحده.
وهذا يفرض على المصارف التفكير في منتجات تناسب الاقتصاد الصغير، مثل حسابات سهلة، مدفوعات منخفضة التكلفة، وسائل تحصيل، ادخار مرن، ثم تمويل مناسب عندما يصبح النشاط مؤهلا.
اقتصاديات مختلفة للمعاملات الصغيرة:
لا يمكن أن تكون تكلفة خدمة معاملة قيمتها ألف جنيه قريبة من تكلفة خدمة معاملة بملايين الجنيهات. فالمعاملات الصغيرة تحتاج إلى نموذج يقوم على تكلفة منخفضة، استخدام كثيف، سرعة، استقرار، وقنوات متعددة. فإذا ارتفعت الرسوم أو تعطلت الخدمة، عاد المستخدم إلى النقد. أما إذا كانت الخدمة سهلة ومستقرة، فإن كثرة الاستخدام يمكن أن تعوض انخفاض قيمة المعاملة. وهنا تكمن اقتصاديات الدفع الإلكتروني الحقيقية.
السوق يبدأ من الشارع:
المنافسة المستقبلية لا ينبغي أن تقتصر على من يملك التطبيق الأكثر خصائص. والسؤال الأكبر هو:
– من يستطيع أن يدخل إلى دورة الاقتصاد اليومي؟
– من يخدم بائعة الشاي؟
– من يوفر للتاجر الصغير وسيلة تحصيل؟
– من يسهل على سائق الحافلة استلام الأجرة؟
– من يحول المدفوعات اليومية إلى تاريخ مالي؟
– ومن يستطيع، بعد ذلك، تقديم الادخار والتمويل والتأمين والخدمات الأخرى؟
وهذه هي السوق الواسعة التي تبدأ من المعاملات الصغيرة.
لا نحتاج إلى إلغاء النقد:
الدفع الإلكتروني لا يعني أن النقد سيختفي. فهناك قطاعات ومناطق سيظل فيها النقد ضروريا، كما أن البنية الرقمية والاتصالات والكهرباء ليست متاحة بالمستوى نفسه للجميع. والمطلوب ليس فرض الدفع الإلكتروني، وإنما جعله خياراً عملياً وآمناً ومنخفض التكلفة. فعندما يصبح دفع ألف جنيه إلكترونيا أسهل من البحث عن النقد، سيختار المواطن الخدمة لأنها تخدم حاجته.
الشمول المالي قد يبدأ من ألف جنيه:
قد يبدأ الأمر بأجرة حافلة. ثم يصبح للمواطن حساب. ويبدأ في استخدامه بصورة منتظمة. ثم يدخر. ثم يبني تاريخا ماليا. وقد يصبح مؤهلا لاحقا لخدمة تمويلية مناسبة.
نعم، ليست هذه رحلة واحدة للجميع، لكنها تكشف أن الشمول المالي لا يبدأ دائما من مبلغ كبير. فقد يبدأ من معاملة صغيرة تتكرر كل يوم.
المليارات تبدأ من الألف:
المقصود ليس أن ألف جنيه أكبر من مليار جنيه. فالمعادلة مختلفة: المليار قد يكون معاملة واحدة، أما الألف جنيه فقد تكون بداية لملايين المعاملات. ورأينا وفي نموذج الحافلات، فإن 100 حافلة فقط يمكن أن تولد 3 مليارات جنيه من المدفوعات الأولية سنويا، و300 مليون جنيه عمولات للبنك، و30 مليون جنيه دمغات، وفق الافتراضات الموضوعة. وعند عشرة فروع، تصبح قيمة المدفوعات الأولية 30 مليار جنيه، والعمولات 3 مليارات، والدمغات 300 مليون جنيه، قبل أن نحسب ما يمكن أن تولده هذه الأموال من معاملات أخرى أثناء دورة النقود.
وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية: القيمة ليست فقط في المال الذي يدفع، وإنما في المال الذي يدور، والمعاملات التي يولدها، والمعلومات التي يتركها، والعلاقات المالية التي يبنيها. لذلك فإن مستقبل الدفع الإلكتروني في السودان لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد التطبيقات أو عدد التحويلات، وإنما بقدرته على تنظيم دورة النقود اليومية وإدخال الاقتصاد الصغير إلى النظام المالي. فالسوق الكبير لا يبدأ دائما من المليار. بل أحيانا يبدأ من ألف جنيه.