أحمد بن عمر
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة العالمية، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن خطوة استثنائية تمثلت في إطلاق أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية منذ تأسيسها،وجاء القرار في محاولة لاحتواء الاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد النفطية، خاصة بعد تعطل حركة الناقلات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة في العالم.
تشير بيانات الوكالة إلى أن إجمالي الكميات التي تقرر ضخها في السوق بلغ نحو 411.9 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية، وهي كمية غير مسبوقة مقارنة بالعمليات السابقة،ويشكّل النفط الخام النسبة الأكبر من هذه الكميات بما يقارب 72%، بينما تمثل المنتجات النفطية المكررة نحو 28%،وتشارك في هذه العملية 32 دولة عضو في الوكالة، ضمن تنسيق جماعي يهدف إلى تخفيف حدة الصدمة التي تعرضت لها الأسواق.
وكانت الدول الأعضاء قد أعلنت في الحادي عشر من مارس 2026 التزامها بالإفراج عن قرابة 400 مليون برميل من الاحتياطيات الإستراتيجية، وهي كمية تعادل تقريبًا ما يمر عبر مضيق هرمز خلال نحو عشرين يومًا من الإمدادات المعتادة ،ويُعد هذا التدخل أكبر بكثير من عمليات السحب التي تمت في عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، عندما تم إطلاق ما يقارب 182 مليون برميل فقط لدعم السوق.
وجاء هذا التحرك بعد اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز نتيجة هجمات استهدفت سفن الشحن والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة في الخليج ،ويُعد هذا المضيق شريانًا حيويًا لتجارة النفط العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية من الخام والمنتجات البترولية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على الأسعار والأسواق.
و من حيث السياق الجيوسياسي، هناك تشابه مباشر مع أزمة 1974 من حيث “طبيعة الصدمة” ،في الحالتين، الأزمة مرتبطة بمنطقة الخليج وتدفقات النفط عبر ممرات استراتيجية. الفرق أن أزمة السبعينات كانت صدمة “عرض سياسية” عبر الحظر، بينما الأزمة الحالية هي صدمة “ممرات وإمداد” نتيجة تهديد النقل البحري، لكن النتيجة واحدة و هي (تهديد مباشر لإمدادات تمثل جزءاً كبيراً من السوق العالم).
ورغم ضخ هذه الكميات الكبيرة من الاحتياطيات، فإن الأسواق النفطية لم تُبدِ استجابة فورية تهدئ الأسعار، حيث واصل النفط الخام ارتفاعه ليتجاوز مستوى 106 دولارات للبرميل. ويعكس ذلك حساسية السوق لأي مخاطر مرتبطة بالإمدادات، كما يؤكد أن استخدام المخزون الإستراتيجي يمثل أداة لتخفيف الصدمة على المدى القصير أكثر من كونه حلًا جذريًا للأزمة.
وبحسب البيان الصادر عن وكالة الطاقة الدولية في السادس عشر من مارس 2026، فإن جزءًا كبيرًا من الكميات المفرج عنها سيأتي من المخزونات الحكومية، التي سيُسحب منها نحو 271.7 مليون برميل، إلى جانب 116.6 مليون برميل سيتم توفيرها من المخزونات التجارية التي تحتفظ بها شركات الطاقة ضمن التزاماتها التنظيمية. كما أعلنت كندا مساهمتها في دعم السوق بإمدادات إضافية تبلغ 23.6 مليون برميل، رغم أنها لا تمتلك احتياطيًا إستراتيجيًا رسميًا.
وتتصدر دول الأميركتين قائمة المساهمين في عملية السحب، إذ ستوفر نحو 172.2 مليون برميل من الاحتياطيات الحكومية، بالإضافة إلى الإمدادات الكندية، مع اعتماد كامل تقريبًا على النفط الخام. أما في منطقة آسيا وأوقيانوسيا، فتبلغ الكميات التي ستُضخ نحو 108.6 مليون برميل، موزعة بين احتياطيات حكومية ومخزونات صناعية، مع مزيج يتكون من 60% نفط خام و40% منتجات بترولية.
في المقابل، ستسهم الدول الأوروبية بنحو 107.5 مليون برميل، يأتي الجزء الأكبر منها من المخزونات التي تحتفظ بها شركات الصناعة، حيث تمثل المنتجات النفطية المكررة النسبة الأكبر من هذه الكميات مقارنة بالنفط الخام.
وأوضحت الوكالة أن الإمدادات القادمة من دول آسيا وأوقيانوسيا ستصبح متاحة للأسواق بشكل فوري تقريبًا، في حين من المتوقع أن تبدأ الشحنات القادمة من أوروبا والأميركتين في الوصول إلى الأسواق اعتبارًا من نهاية شهر مارس/آذار 2026.
ومن بين أبرز الدول المشاركة في هذه العملية، تأتي الولايات المتحدة في الصدارة بإطلاق نحو 172 مليون برميل من احتياطياتها الإستراتيجية، تليها اليابان بنحو 80 مليون برميل. كما تشارك كوريا الجنوبية بسحب يقارب 22.46 مليون برميل، وهو أكبر استخدام لاحتياطياتها في تاريخها ،وتشمل القائمة أيضًا ألمانيا التي ستضخ 19.7 مليون برميل، وفرنسا 14.5 مليون برميل، والمملكة المتحدة 13.5 مليون برميل، إضافة إلى إيطاليا وهولندا بكميات أقل نسبيًا.
وتُعد هذه الاحتياطيات الإستراتيجية جزءًا من منظومة أمن الطاقة التي أنشئت عقب أزمة حظر النفط العربي في عام 1974، عندما قررت الدول الصناعية بناء مخزون طوارئ لمواجهة أي اضطرابات مفاجئة في الإمدادات العالمية ،وتشير تقديرات الوكالة إلى أن الدول الأعضاء تمتلك مجتمعة أكثر من 1.2 مليار برميل من النفط في المخزونات الحكومية، إضافة إلى نحو 600 مليون برميل أخرى تحتفظ بها شركات الصناعة بموجب التزامات تنظيمية.
وعلى مدار العقود الماضية، جرى استخدام هذه الاحتياطيات في عدد محدود من الأزمات الكبرى ،فقد استُخدمت خلال حرب الخليج في بداية التسعينيات، كما تم اللجوء إليها بعد إعصار كاترينا في عام 2005، ثم خلال الاضطرابات التي شهدتها ليبيا في عام 2011،كما أطلقت الوكالة مرتين عمليات سحب واسعة في عام 2022 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.
ورغم أهمية هذه الأداة في تخفيف التقلبات الحادة في الأسعار، فإن خبراء الطاقة يرون أن تأثيرها يظل محدودًا إذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية التي تعطل الإمدادات الأساسية. وتشير تقديرات شركة الأبحاث “وود ماكنزي” إلى أن الكميات التي ستُضخ في السوق، والتي تعادل نحو 3.3 مليون برميل يوميًا، لن تكون كافية لتعويض كامل الإمدادات التي قد تتأثر في حال استمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويرتبط ذلك بطبيعة الطلب العالمي على النفط، الذي يُعد قليل المرونة أمام تغيرات الأسعار،فمعظم الأنشطة الاقتصادية من النقل إلى الصناعة تعتمد بشكل مباشر على الوقود، ما يعني أن أي نقص في الإمدادات ينعكس سريعًا على الأسعار قبل أن يتمكن الطلب من التكيف.
وفي حال استمرار تعطل تدفقات النفط من الخليج لفترة طويلة، يتوقع بعض المحللين أن ترتفع أسعار خام برنت إلى مستويات تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل ،وقد تتجاوز أسعار بعض المنتجات النفطية المكررة، مثل الديزل ووقود الطائرات، مستويات أعلى من ذلك، وهو ما قد ينعكس بدوره على تكاليف النقل وسلاسل الإمداد العالمية.
في المقابل، اختارت الهند عدم المشاركة في مبادرة السحب من المخزونات الإستراتيجية، رغم ارتفاع الأسعار والمخاوف من اضطرابات الإمدادات. وتملك نيودلهي ثلاثة مواقع رئيسية لتخزين النفط الإستراتيجي بطاقة إجمالية تبلغ نحو 5.33 مليون طن، وتشير التقديرات إلى أن المخزونات الحالية تبلغ قرابة 4 ملايين طن، ما يمنح البلاد هامشًا نسبيًا للتعامل مع أي اضطرابات محتملة في السوق.
كما حافظت الهند على استمرار صادرات الوقود دون فرض قيود جديدة، مستفيدة من مستويات المخزون المرتفعة من البنزين والديزل ووقود الطائرات. وفي الوقت ذاته اتخذت الحكومة خطوات لتعزيز إمدادات غاز النفط المسال، بهدف حماية السوق المحلية من أي نقص محتمل.
ومن ناحية أخرى، استفادت المصافي الهندية من شراء شحنات النفط الروسي التي ظلت عالقة في البحر، بعد حصولها على إعفاء مؤقت من العقوبات الأميركية لمدة ثلاثين يومًا، ما أتاح لها فرصة تأمين إمدادات إضافية بأسعار تفضيلية.
وتجدر الإشارة إلى أن الهند سبق أن شاركت في مبادرة مشابهة في عام 2021 عندما انضمت إلى جهود قادتها الولايات المتحدة للإفراج عن جزء من الاحتياطيات الإستراتيجية، حيث قامت آنذاك بسحب نحو 5 ملايين برميل من مخزونها لدعم استقرار الأسواق العالمية.
السيناريو المرجح
في قراءة أعمق لمسار الأحداث، فإن السيناريو المرجّح يتوقف على متغير واحد حاسم وهو (مدة تعطّل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز).
إذا استمر التعطّل لفترة قصيرة، فإن ضخ المخزونات الإستراتيجية يمكن أن يخلق ما يشبه “جسر إمداد مؤقت” يحافظ على توازن السوق ويمنع القفزات الحادة في الأسعار، خاصة مع قدرة الدول الصناعية على إدارة المخزون وتوزيعه زمنياً، أما إذا طال أمد الاضطراب، فإن السوق سيدخل في مرحلة إعادة تسعير حادة تعكس نقصاً فعلياً في الإمدادات، وليس مجرد صدمة مؤقتة، وهنا ستفقد المخزونات فعاليتها تدريجياً لأنها بطبيعتها مورد محدود وغير قابل للاستدامة.
في هذا السيناريو، قد نشهد انتقال الأزمة من سوق النفط إلى الاقتصاد الكلي العالمي عبر قنوات التضخم وتكاليف النقل والإنتاج، ما يفرض ضغوطاً على النمو ويعيد إلى الواجهة سيناريو “الركود التضخمي”. هذا التقدير يتقاطع مع تحليلات شركات أبحاث الطاقة مثل Wood Mackenzie، التي ترى أن الكميات المطروحة لن تعوّض بالكامل الإمدادات المفقودة، وأن استمرار الاضطراب قد يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة تاريخياً تتجاوز 150 دولاراً للبرميل، في ظل ضعف مرونة الطلب على النفط عالميًا.