أكاديمية السودان للعلوم الإدارية: بين إرث التاريخ وتحديات الواقع الإداري والسياسي

بقلم / تبيان توفيق

​تعتبر أكاديمية السودان للعلوم الإدارية واحدة من أعرق المنارات التدريبية والتعليمية في البلاد؛ حيث وُضعت لبناتها الأولى في عام 1955 لتكون الرافد الأساسي لتأهيل الكوادر الإدارية وقيادات الخدمة المدنية في السودان. وعلى مر العقود، نجحت الأكاديمية في بناء شبكة واسعة من الاتفاقيات الدولية والشراكات الإقليمية التي كان يُفترض أن تُسهم في نقل المعرفة وتطوير الأداء الحكومي. إلا أن واقع المؤسسة اليوم بات يثير الكثير من القلق والجدل في الأوساط الأكاديمية والإدارية.
​تراجع الأداء وتحديات التخبط الإداري
​تشهد الأكاديمية في الآونة الأخيرة، تحت إدارة الدكتورة عفاف، موجة من الانتقادات الحادة المتعلقة بطريقة إدارة الأزمات واتخاذ القرارات. ويرى مراقبون وموظفون داخل المؤسسة أن غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة أدى إلى حالة من التخبط الإداري، مما أثر سلباً على البيئة التعليمية والتدريبية، وهدد بإفراغ هذه المؤسسة العريقة من مضمونها العلمي والعملي.
​إن غياب الاستفادة الحقيقية من الاتفاقيات الدولية المبرمة، وتحول هذه الشراكات إلى مجرد حبر على ورق، يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى السياسات الحالية وكيفية إدارة الموارد الأكاديمية في ظل الأزمات المتلاحقة التي تمر بها البلاد.
​الاستقطاب السياسي وإبعاد الكفاءات
​من أبرز المآخذ التي تُساق تجاه الإدارة الحالية هي سياسة إبعاد الكفاءات والمؤهلين علمياً بناءً على تصنيفات سياسية جاهزة. فالإفراط في استخدام لافتات سياسية مثل “الكيزان” كذريعة لإقصاء أصحاب الخبرة الأكاديمية والإدارية، أدى إلى تفريغ الأكاديمية من كوادرها الأساسية.
​هذا النوع من الممارسات، والذي يوصف شعرياً أو محلياً بـ “سواقة الناس بالخلاء”، يعكس حالة من تصفية الحسابات الفكرية أو السياسية على حساب مصلحة الوطن والمؤسسة. فالتعليم والإدارة الحكومية يجب أن يقوما على معيار الكفاءة والمهنية (Technocracy) بعيداً عن الانتماءات الحزبية، سواء كانت هناك صلات عائلية أو فكرية تربط القيادات برموز من أقصى اليمين أو أقصى اليسار.
​رسالة إلى قيادة الدولة: ملف التعليم في عين العاصفة
​أمام هذا المشهد الضبابي، يتطلع الغيورون على مسيرة التعليم والخدمة المدنية في السودان إلى تدخل حاسم من رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. إن تكرار تجارب الهزات الفكرية والمناهج المثيرة للجدل ــ والتي ارتبطت في أذهان الكثيرين بمرحلة عمر القراي وما أحدثته من انقسام مجتمعي ــ يوجب على الدولة وضع حدٍ لتدخل الأيديولوجيا في مفاصل التعليم والتدريب.
​خلاصة القول: إن إنقاذ أكاديمية السودان للعلوم الإدارية يتطلب إعادة الاعتبار للمؤهلين علمياً، وتفعيل الاتفاقيات الدولية بشكل حقيقي، وإبعاد الصراعات السياسية عن أروقة العلم، لتبقى الأكاديمية كما بدأت عام 1955: صرحاً وطنياً خالصاً لخدمة الإدارة السودانية.

Exit mobile version