عبد الله حربكانين
شهد عام 2025 تحولاً جذرياً في كيفية صياغة العواصم الغربية لسياساتها تجاه القارة الأفريقية. فبعد عقود من هيمنة الخطاب القائم على “المساعدات الإنمائية” و”المشروطية الديمقراطية”، انتقل الغرب نحو مقاربة أكثر حدة وبراغماتية، مدفوعة بضرورات التنافس الجيوسياسي المحموم على الموارد، وتصاعد النفوذ الصيني والروسي.
التحول الأمريكي: أفريقيا في ميزان “المصالح”
مثلت “استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025” نقطة تحول مفصلية في رؤية واشنطن للقارة. فبدلاً من الشراكات القائمة على القيم المشتركة، تبنت الإدارة الأمريكية ما وصفه المحللون بـ “عقيدة دونرو” (Donroe Doctrine)، وهي نسخة معدلة من مبدأ مونرو التاريخي، تهدف إلى تأكيد الهيمنة الجيوسياسية من خلال عدسة “أمريكا أولاً”.
في هذه الاستراتيجية، تم إعادة تعريف أفريقيا وبات التركيز منصباً بشكل شبه حصري على تأمين سلاسل توريد المعادن الحرجة (مثل الكوبالت، الليثيوم، والنحاس) الضرورية للصناعات المستقبلية والسيارات الكهربائية، في سباق محموم لكسر الاحتكار الصيني. ولم يعد الدعم العسكري أو الاقتصادي الأمريكي مرتبطاً بمدى الالتزام بالمعايير الديمقراطية، بل بمدى قدرة الدول الأفريقية على تقديم قيمة مضافة للمصالح الأمريكية المباشرة.
أوروبا والبحث عن “شراكة الأنداد”
على الجانب الآخر من الأطلسي، حاولت أوروبا إعادة تموضعها من خلال قمة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي السابعة التي عُقدت في لواندا (نوفمبر 2025). سعت بروكسل من خلال مبادرة “البوابة العالمية” (Global Gateway) إلى تقديم بديل استثماري شفاف ومستدام للمبادرات الصينية، مع التركيز على التحول الأخضر والرقمنة.
وبرزت “خطة ماتي” (Mattei Plan) الإيطالية كنموذج أوروبي جديد يسعى للانتقال من منطق “المنح” إلى منطق “الاستثمار الاستراتيجي”. ففي عام 2025، ضخت إيطاليا استثمارات تجاوزت 1.4 مليار يورو في مشاريع الطاقة والمياه والبنية التحتية في دول مثل إثيوبيا وموزمبيق. هذه الخطة لم تكن مجرد مبادرة اقتصادية، بل كانت تعبيراً عن رؤية جيوسياسية شاملة ترى في أفريقيا “خزاناً للطاقة” لأوروبا، و”خط دفاع أول” ضد الهجرة غير النظامية.
لقد تعاملت العواصم الأوروبية في عام 2025 مع ملف الهجرة من منظور “الأمن القومي” الصرف، حيث تم إبرام سلسلة من الاتفاقيات المثيرة للجدل مع دول شمال وغرب أفريقيا لتحويلها إلى “حراس حدود” للاتحاد الأوروبي. هذه المقاربة، رغم نجاحها الظاهري في تقليل الأعداد، أثارت انتقادات حقوقية واسعة داخل القارة الأفريقية، حيث اعتبرت “استمراراً للعقلية الاستعمارية” التي تصدر مشاكلها الأمنية إلى الجوار الأفريقي مقابل فتات من الدعم المالي.
الأمن والسيادة: تراجع الحضور العسكري الغربي
كان عام 2025 عام “الانسحاب الكبير” للمنظومات الأمنية الغربية التقليدية من منطقة الساحل. فبعد خروج القوات الفرنسية، شهد العام الماضي تقليصاً كبيراً في الوجود العسكري الأمريكي (كما حدث في النيجر)، مما خلق فراغاً أمنياً سارعت قوى أخرى لملئه.
ونتيجة لذلك، تغيرت النظرة الغربية للأمن الأفريقي؛ فبدلاً من العمليات العسكرية واسعة النطاق، انتقل الغرب نحو “الصفقات الأمنية الثنائية” والموجهة. فعلى سبيل المثال، شهد عام 2025 ضربات جوية أمريكية منسقة مع نيجيريا ضد الجماعات المسلحة، وهي عمليات اتسمت بكونها قصيرة المدى ومحددة الأهداف، وتتم خارج أطر التعاون الإقليمي أو الدولي التقليدية. هذا التحول يعكس “تعباً استراتيجياً” غربياً من الحروب الطويلة، ورغبة في تحقيق “انتصارات سريعة” بأقل تكلفة سياسية وعسكرية، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المؤسسات الأمنية الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي.
وفي سياق متصل، برز “ممر لوبيتو” (Lobito Corridor) كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي دعمها الغرب (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) في عام 2025. هذا الممر، الذي يربط مناجم جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا بميناء لوبيتو في أنغولا، يمثل الرد الغربي العملي على مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. لقد نظر الغرب إلى هذا المشروع ليس فقط كبنية تحتية للنقل، بل كأداة لربط وسط أفريقيا بالمنظومة الاقتصادية الغربية، وضمان تدفق المعادن الاستراتيجية بعيداً عن السيطرة الصينية.
المعادن الحرجة: “الإمبريالية الجديدة” أم فرصة للتنمية؟
لقد أدرك الغرب في عام 2025 أن مستقبله التكنولوجي يمر عبر المناجم الأفريقية. هذا الإدراك ولد نوعاً من “إمبريالية الموارد” الجديدة، حيث تسابقت الشركات الغربية، بدعم من حكوماتها، لتوقيع اتفاقيات حصرية في حزام النحاس في زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ومع ذلك، لم تعد الدول الأفريقية تقبل بدور “المصدر للمواد الخام” فقط. فقد شهد عام 2025 مطالبة أفريقية قوية بـ “توطين القيمة المضافة”، وهو ما دفع دولاً مثل ناميبيا وزيمبابوي لفرض قيود على تصدير الليثيوم الخام، مما أجبر الشركاء الغربيين على التفكير في بناء مصانع معالجة داخل القارة. هذا الصدام بين “الطموح الأفريقي” و”الحاجة الغربية” خلق نوعاً من “الدبلوماسية المعدنية” الجديدة، حيث باتت العقود تبرم بشروط تتضمن نقل التكنولوجيا وتدريب العمالة المحلية، وهو ما يمثل بداية نهاية عصر “الاستخراج والترحيل”.
معضلة المناخ: “الأخضر” الغربي مقابل “النمو” الأفريقي
لم تخلُ النظرة الغربية لأفريقيا في عام 2025 من تناقضات صارخة في ملف المناخ. فبينما تضغط العواصم الغربية على الدول الأفريقية لتبني سياسات “صفر انبعاثات” والتخلي عن الوقود الأحفوري، وجدت هذه الدول نفسها في مواجهة حاجة ماسة لاستغلال مواردها من الغاز الطبيعي لتحقيق التنمية الصناعية.
لقد نظر الغرب إلى أفريقيا في هذا الملف من منظور “الرئة الخضراء” للعالم، مطالباً إياها بحماية غابات حوض الكونغو ووقف مشاريع التنقيب، دون تقديم تعويضات مالية عادلة أو تكنولوجيا بديلة ميسرة. هذا “النفاق المناخي” -كما وصفه القادة الأفارقة في قمة لواندا- أدى إلى فجوة ثقة عميقة، حيث ترى أفريقيا أن الغرب يحاول “تسلق سلم التنمية ثم سحبه خلفه” لمنع الآخرين من الصعود.
القوة الناعمة واستعادة الذاكرة
على صعيد آخر، شهد عام 2025 محاولات غربية لترميم “الصورة الذهنية” من خلال القوة الناعمة. فقد تسارعت وتيرة إعادة القطع الأثرية المنهوبة من المتاحف الأوروبية إلى دول مثل بنين ونيجيريا وإثيوبيا. هذه الخطوات، وإن كانت رمزية، إلا أنها تعكس إدراكاً غربياً بأن الهيمنة الاقتصادية لا تكفي دون “تصالح تاريخي”.
ومع ذلك، ظلت هذه الجهود تواجه تشكيكاً أفريقياً، حيث اعتبرها البعض “محاولات تجميلية” للتغطية على سياسات اقتصادية وأمنية لا تزال تتسم بالاستعلائية. ففي الوقت الذي تعيد فيه فرنسا قطعاً أثرية، تظل سياساتها النقدية (مثل الفرنك الأفريقي في بعض الدول) محل جدل واسع كأداة للهيمنة المالية.
أفريقيا 2026: نحو نظام عالمي جديد
إن نظرة الغرب لأفريقيا في عام 2025 لم تعد نظرة “الرجل الأبيض الذي يحمل عبء التنمية”، بل نظرة “المنافس الذي يخشى فوات الفرصة”. لقد أصبحت أفريقيا ساحة الاختبار الكبرى للنظام العالمي الجديد، حيث تتصارع القوى الكبرى ليس فقط على الموارد، بل على كسب ود قارة شابة تمتلك مفاتيح المستقبل.
بالنسبة للأفارقة، كان عام 2025 عام “الوعي بالذات الجيوسياسي”، حيث أدركت العواصم الأفريقية أن تعدد الشركاء (بين الغرب والشرق) يمنحها قدرة أكبر على التفاوض. وفي هذا المشهد المعقد، يظل التحدي الأكبر أمام الغرب هو إثبات أن شراكته ليست مجرد “صفقة تجارية” عابرة، بل هي رؤية مشتركة لمستقبل مستدام في عالم لم يعد يقبل بالتبعية. إن عام 2025 لم يكن مجرد عام آخر في تاريخ العلاقات الغربية الأفريقية، بل كان العام الذي أدرك فيه الغرب أن “الاستثناء الأفريقي” قد انتهى، وأن القارة قد دخلت بالفعل عصر “الندية الجيوسياسية”.