يبدو أن مسرح العبث السياسي في بلادنا لا ينفك ينتج مزيداً من الفصول المأساوية والفكاهية المضحكة في آن واحد. فالذين قاتلوا مع الجيش وقدموا الآلاف من الشهداء استُبعدوا من الحوار، والذين قاتلوا ضد الجيش وأعانوا الميليشيا واتهموا الجيش بكل جرائم الدنيا يتم استعطافهم وهم مدعوون للحوار، وكل الأبواب مشرعة لهم. هل تابعتم هذا الفصل من مهزلة العروض العبثية في المسرح السياسي الآن؟ ولكن إذا كانت تلك العروض مأساة، فإن رد فعل الذين ظاهروا الجيش يمثل قمة الملهاة، وهي تقودك للضحك إن لم تقذف بك في غياهب الجنون.
٢
دعت الحكومة لحوار سوداني-سوداني، ولأجل إثبات المصداقية وتهيئة الأجواء، اتخذت الحكومة خطوة هامة؛ وهي الاتجاه لإلغاء البلاغات ضد الذين تآمروا على الجيش والبلد وظاهروا الميليشيا. وكان رد فعل أعوان الميليشيا عجيباً ومتعجرفاً، إذ سارع تحالف “صمود” رافضاً المشاركة في “حوار زائف” كما أسموه، ومضوا أكثر في عنجهيتهم واضعين شروطاً لم تستطع الميليشيا التي تحمل السلاح فرضها، ولن يستطيعوا هم فرضها حتى وإن انتصروا وميليشياتهم وكفيلهم في الحرب.
٣
أول الشروط التي وضعها تحالف “صمود” هو “إيقاف الحرب”، مؤكدين أنهم (لن يكونوا طرفاً في أي حلول زائفة تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية، ولا مصداقية لأي دعوة للحوار تتجاوز أولوية وقف إطلاق النار؛ فأي حوار يمكن أن يجري تحت دوي المدافع؟). انظر لهذا الشرط الزائف! “صمود” نفسها خاضت كل الحوارات مع الأجانب ومع قوى سودانية داخلية حول قضايا سودانية دون أن تشترط وقف الحرب؛ انخرطت في حوارات لندن وبرلين ومصر، وحتى حوارات الخماسية في أديس أبابا وقعوا على بيان معها. فما الذي استجد لتفرض على الحكومة السودانية والجيش المنتصر أن يسارع لوقف الحرب إذا ما أراد أن يتحدث مع أباطرة تحالف “صمود”؟ إذا كانت الحكومة والجيش يخضعان للضغوط لخضعا لضغوط الرباعية والخماسية والاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن، ولاستجابا لشروط الميليشيا التي كانت تحتل أكثر من نصف السودان. ترى، لماذا تستجيب الحكومة أو الجيش لشرط “صمود” بوقف الحرب حتى تتكرم بالجلوس إليها؟ هل هؤلاء سياسيون عاقلون يعرفون شيئاً عن موازين القوى في السياسة وفي ميادين القتال؟
٤
يشترط تحالف “صمود” أيضاً أن تجري أي مفاوضات بشكل مستقل عن هيمنة أي من أطراف الحرب، لأن أي دعوة تفتقر لهذه الاستقلالية ستكرس لواقع ومنطق الحرب، ولن تحقق أي سلام في البلاد. ولكن هذا التحالف المنافق لا يشترط في ذات الوقت أن تكون ذات تلك العملية “مستقلة” عن هيمنة الوسطاء الأجانب، ولا مستقلة عن أجنداتهم ولا تمويلهم، بل وشروطهم! عجبي. مرة أخرى، تُرى ما الذي يجبر الحكومة على أن تحزم حقائبها وتلهث خلف شتات تحالف يرهن نفسه لأجندات الخارج؟
٥
يقول تحالف “صمود”: (إن أي حديث عن حوار داخل مناطق سيطرة الجيش يتجاهل حقائق الأمر الواقع، حيث تشهد البلاد انقساماً غير معلن، تتوزع فيه السيطرة على أراضيها بين قوى مسلحة عديدة، وعليه فإن هذا المنحى سيقود لترسيخ تقسيم البلاد والتفريط في وحدة أراضيها وشعبها، وهي جريمة لن تشارك “صمود” في اقترافها أبداً). ولكن تحالف “صمود” يمكنه أن يتحالف مع الميليشيا ويوقع معها الاتفاقيات وهي تحتل الجزيرة والخرطوم، ويمكنه أيضاً أن يوافق على دعوة تأسيس لحوارات أديس أبابا، ولا يعتبر حكومة “تأسيس” الموازية ترسيخاً لتقسيم البلاد ولا تفريطاً في وحدته! تحالف حريص على وحدة البلاد ويستشعر الخطر إذا ما تم الحوار في مناطق سيطرة الجيش، ولكنه لا يستشعر ذلك الخطر إذا تأسست حكومة برعاية أجنبية تكرس للانقسام! غايتو، أثناء الكتابة واستدعاء هذه التناقضات تشعر بالغثيان. إي والله.
٦
اشترطت “صمود” إبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهم؛ فهم من أشعلوا هذه الحرب ومن يعيقون إيقافها ويتكسبون من استمرارها، ولا يمكن أن يكونوا جزءاً من أي حوار يهدف لتحقيق السلام.
٧
ها قد استجابت الحكومة لذلك الشرط، وهو الشرط الوحيد الذي سارعت الحكومة بإعلانه، مع استجابة أخرى استحقرتها “صمود” وهي رفع العقوبات على قادة “صمود”. هدايا مجانية لتحالف “صمود” زادتهم عجرفة! وهذا التيار الوطني الإسلامي الذي يُستبعد ليس لأنه أشعل الحرب ولا لأنه يعيق إيقافها، ولكن لأجل إرضاء “صمود” والكفيل والخارج، ولأنه يقاتل مع الجيش ضد الميليشيا حلفاء “صمود”. المطلوب دق إسفين، وبين الجيش والقوى التي تقاتل معه لا يمكنهم الاستفراد بالجيش، وذلك لن يحدث.. هيهات.
ختاماً، يكشف تحليل هذه الشروط عن فجوة عميقة بين المنطلقات النظرية لتحالف ‘صمود’ وبين المعطيات الواقعية على الأرض. إن الانتقائية في قبول الحوار، ووضع اشتراطات إجرائية معقدة أمام المسار الوطني في مقابل المرونة المطلقة في المسارات الخارجية، تضع مصداقية هذا الخطاب السياسي على المحك. إن تجاوز الأزمة السودانية يتطلب رؤية موضوعية تقرُّ بموازين القوى القائمة وتنطلق من أولوية الحفاظ على مؤسسات الدولة وسيادتها، بعيداً عن التناقضات التي تعيق الوصول إلى توافق وطني حقيقي. وفي نهاية المطاف، تظل القدرة على التأثير في مستقبل السودان رهينةً بمدى اتساق المواقف السياسية مع الإرادة الوطنية والواقع الميداني، وليس بالارتهان لمسارات أثبتت التجربة انفصالها عن تطلعات الداخل.