حينما كان الهاتف يرن في مكتب الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، كان الطرف الثاني يستبعد أن يأتيه الرد بصورة خشنة.
وسريعًا ما اقترنت حاجبا الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، الذي طلب من أسياس خروج قواته من مثلث بادمي الحدودي المتنازع عليه بين إثيوبيا وإريتريا في نهاية التسعينيات، لكن أفورقي جاء ردّه سريعًا وصادمًا لرئيس أعظم دولة في العالم، حينما قال له بصوت الواثق من حق بلاده الشرعي في السيطرة على المثلث: «أراك تتحدث معي وكأنك من مواليد بادمي».
وأسمرة، التي كانت تستقبل الاستقلال المبكر بفرح ونشوة، رسمت هذه الواقعة شكل العلاقة بين البلدين. فأسمرة، التي خرجت إلى العالم حديثًا من رحم النضال، كانت معجبة بما حققه أبناؤها زهاء ثلاثين عامًا من الحرب.
وكانت الإدارة الأمريكية تريد أن تبسط نفوذها وسيطرتها على إريتريا، حتى تمكّن الدولة الأم في المنطقة.
وهناك من يعتقد أن واشنطن، بعد استقلال أسمرة، فضّلت التعامل المباشر، فيما يخص قضايا القرن الأفريقي والقارة الأفريقية، مع الرئيس الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، وتجاهلت الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، مما جعله غير راضٍ عن هذا التجاهل، خاصة أن الرجل كان يحكم علاقاته مع قيادة جبهة تحرير تيغراي بأسلوب الوصي عليهم منذ فترة التحرير.
وفي أيام الكفاح المشترك ضد نظام منغستو، كان لجبهة التحرير الإريترية الفضل في تدريب الكثير من مقاتلي جبهة تحرير تيغراي. وعلى الرغم من التحالف بين جبهة تحرير تيغراي والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، فإن هناك كثيرًا من المجموعات الإثيوبية المنضوية تحت لواء هذا التحالف كانت ترفض فكرة استقلال إريتريا عن إثيوبيا، ما عدا ملس زيناوي، الذي ساهم في إقناعها بالاعتراف باستقلال إريتريا، على الرغم من محاصرة الدبابات الإريترية لمبنى البرلمان الإثيوبي لعدد من الشهور، في انتظار إعلان الاعتراف بالاستقلال الإريتري.
ونال أفورقي دولة صغيرة مقارنة بما ورثه زيناوي من دولة كبيرة لها مكانتها في القارة الأفريقية، وسريعًا ما وطّد النظام في الدولة الوليدة علاقاته مع المجتمع الدولي والإقليمي، وبسط ملس نفوذه في الحكم بمهارته السياسية وخبرته الطويلة. ولكن أيضًا، استطاع أفورقي، بما ناله، أن يجيد توظيف الجغرافيا في إرساء حكمه والاستفادة من موقع إريتريا المميز على البحر الأحمر، بعكس ملس الذي حرمته الجغرافيا من المنفذ البحري.
كانت العلاقة بين أسياس وملس، منذ أيام الحرب، عبارة عن بوصلة لشكل التفاهمات بين التنظيمين. وأفورقي، الذي يكبر زيناوي بعشر سنوات تقريبًا، نهج مبدأ الوصاية عليه، وتجلى ذلك حينما وضع ملس زيناوي مشروع قانون لحكم إثيوبيا في منتصف التسعينيات أمام أفورقي حتى يبدي رأيه فيه، لكنه أظهر عدم رضاه عن هذا المشروع، بحجة أن إثيوبيا دولة كبيرة، وأن هذا المشروع سيسهم في تفجير الأوضاع فيها.
وفي عام 1998، اندلعت حرب ضروس بين البلدين بسبب النزاع الحدودي حول مثلث بادمي، واستمرت الحرب عامين. ولولا تدخل دولة الجزائر، لما تمكن الطرفان من إيقاف صوت البنادق، وذلك من خلال اتفاقية سُمّيت «اتفاقية الجزائر». وفي عام 2000، وعلى الرغم من أن أفورقي فشل في تحقيق هدفه في إدخال أديس أبابا إلى بيت الطاعة، فإنه أيضًا برهن على أن دولته الصغيرة لها القدرة العسكرية والسياسية على لعب دور كبير في المنطقة.
وصمّم أفورقي حالة «لا حرب ولا سلام» مع جارته لما يقارب العشرين عامًا، إلا أن تسجيل رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد زيارة مفاجئة إلى أسمرة، طاويًا صفحة الخلافات معها، مثّل تحولًا مهمًا. وهذه الخطوة ما كان لها أن تُجرى في ظل وجود جبهة تيغراي على سدة الحكم.
وبالعودة إلى العلاقات بين واشنطن وأسمرة، فإن الرئيس أفورقي لم يكتفِ باللعب الخشن مع كلينتون، فهناك معلومات كانت رائجة قبل سنوات عن عدم مقابلة أفورقي لإحدى مبعوثات الإدارة الأمريكية، متعللًا بأنها كانت تقف صباحًا في انتظار الحافلة المدرسية، في الوقت الذي كانوا هم يناضلون فيه من أجل تحقيق غاية الشعب الإريتري.
وفي الأيام الماضية، قامت الإدارة الأمريكية برفع العقوبات عن كاهل الحكومة الإريترية، في خطوة فسّرها كثيرون بأن واشنطن تعتزم ضبط علاقاتها معها بعد طول الشد والجذب، وأن الطرفين دخلا في مشاورات سبقت حرب واشنطن وتل أبيب ضد طهران في فبراير الماضي، مما يشير إلى تخوف أمريكي من اصطفاف إريتري مع إيران والحوثيين.
إن الطرفين ذهبا أبعد من ذلك في تعبيد طريق العلاقات بينهما، حينما عقد لقاء وُصف بالنادر بين مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي في نهاية عام 2025. واتفق اللقاء على تخفيف العقوبات الأمريكية على أسمرة، وإدارة حوار لضبط العلاقات الثنائية بصورة شاملة.
ولكن رفع العقوبات عن أسمرة قابله وضع سياسي في الجارة إثيوبيا بمزيد من التوتر الأمني والعسكري خلال الأيام الماضية، بعد أن اتفقت سبع مجموعات إثيوبية معارضة ومسلحة على تكوين تحالف لمواجهة الحكومة في أديس أبابا. وطبقًا لنائب رئيس «جبهة تحرير شعب تيغراي»، إيمانويل أسيفا، الذي تحدث لوكالة فرانس برس، فإن الهدف هو «الإطاحة بالحكومة وتسهيل إقامة حكومة انتقالية»، فيما يضم التحالف سبعة تنظيمات مسلحة، بينها قوات تيغراي وقوميو «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أوروميا».
ويرى البعض أن هذا التحالف الجديد يصب في صالح أسمرة، التي كان الكثيرون يتوقعون نشوب حرب بين البلدين، بحجة ضرورة وصول أديس أبابا إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب، وأن حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد أصبحت تلوّح بهذا الأمر كثيرًا، بحجة عدم إمكانية التعايش مع ما سمّته «الأخطاء التاريخية»، في إشارة إلى نيل إريتريا استقلالها في عام 1991.
ويرى الصحفي المتخصص في قضايا القرن الأفريقي، فائز السليك، أن رفع العقوبات المفروضة على إريتريا منذ عام 2021 هو نتيجة عدم تجديد حالة الطوارئ الوطنية التي فرضتها واشنطن على أسمرة بسبب الأوضاع في إثيوبيا.
وربط السليك توقيت اتخاذ القرار بالتطورات الأمنية والعسكرية في البحر الأحمر وعلاقة القرن الأفريقي بذلك، مشيرًا إلى أن إريتريا تتمتع بساحل طويل يبلغ 1200 كيلومتر غربي البحر، وترتبط باليمن والسودان والسعودية، وما تشهده هذه المنطقة من تطورات.
ويشير السليك إلى أن الموقع الجيوسياسي يمنح إريتريا ميزة امتلاك أوراق مهمة في صنع التحالفات الإقليمية والبحرية، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز وتمدد الحوثيين نحو باب المندب، وتأثير ذلك على حركة الملاحة البحرية.
كما أن واشنطن تراقب، في مقاربة تهدف إلى إبعاد أسمرة عن أي تحالف صيني أو روسي أو إيراني، كما أن إعلان تعاون عسكري أمريكي إثيوبي لا يبعد عن هذه المقاربة. فرغبة واشنطن هي خلق استقرار في إثيوبيا ووقف أي انتشار لحركات متطرفة في الصومال أو في كل المنطقة، ومن مصلحتها إعادة ترسيم مشهد القرن الأفريقي وإيجاد معادلة تمنح أديس أبابا فرصًا للإطلالة على الموانئ البحرية، بتعاون مع أسمرة وتكامل اقتصادي.
ويتوقع السليك عدم تحقيق هذه المعادلة بسهولة، نظرًا إلى التعقيدات السياسية الكبيرة واختلاف الرؤى بين القيادتين الإريترية والإثيوبية حول الموانئ وحول قضايا المنطقة، بما فيها الحرب في السودان.
ويتفق الصحفي الإريتري المقيم في ملبورن، جمال همد، مع السليك في أن رفع هذه العقوبات عن أسمرة جاء بسبب الأوضاع التي تدور في البحر الأحمر، وتحديدًا في باب المندب، منوهًا إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية بررت رفع العقوبات باستنفاد غرضها، وأن واشنطن تريد أن تعيد سياساتها في البحر الأحمر، من منطقة رأس دميرة إلى ميناء بربرة الصومالي، بجانب قطع الطريق أمام أي خطوة للتنسيق بين إيران وأسمرة في البحر الأحمر.