أسئلة التكوين… وانفجار التاريخ المؤجل (1/2)

فيما أرى
عادل الباز
1
منذ الوهلة الأولى، أمسك الأستاذ عبيد مروح بناصية مقاله ببراعة وثاقبة وذكية كعادته حين تناول «زلزال السودان.. هل نقترب من تشكل الكتلة الأكبر؟». غاص بنا في أعماق التاريخ السوداني، مستكشفًا ببصيرة نافذة الأسس الاجتماعية التي قامت عليها الدولة منذ مراحل التكوين الأولى، وكاشفًا بوضوح عجزها التاريخي عن تحقيق الاندماج الحقيقي، إذ ظلت المجموعات السودانية متشرذمة، وهي الحالة التي لازمتنا حتى اليوم.
بحسب عبيد مروح، ما جرى ويجري في السودان ليس مجرد إخفاق سياسي في بناء نظام حكم مستقر، بل نواجه ما هو أعمق من ذلك كله: أزمة تكوين وطني لم يكتمل أصلًا، ودولة تتصدع لأنها قامت، منذ البداية، هشة بتكوينات اجتماعية لم تندمج تاريخيًا. ثم يقول إن «القوى السياسية والمجتمعية في السودان قد وصلت الآن إلى حالة الشلل والإفلاس الفكري والبرامجي».
بعد هذا التأسيس المفتاحي لجوهر مقولات المقال، فتح الأستاذ عبيد فضاء التساؤلات الكبرى، وهنا موضع اشتباكنا مع المسألة. وهذه التساؤلات هي ما سنحاول الاقتراب منها في هذا المقال.
2
سأروي هنا قصة لي مع الأستاذ محمد إبراهيم نقد، طيب الله ثراه، تضيء بعض جوانب تعقد هذه المشكلة. ذهبت ذات مساء إلى الأستاذ نقد، وبرفقتي أستاذي وصديقاي د. عبد الله حمدنا الله، ود. التجاني عبد القادر. وفي أثناء الحوار بدا لي سؤال ظل يبحث عن إجابة، فقلت له: «يا أستاذ، لدي سؤال يبحث عن جواب: لماذا ترك لنا جيلكم، أعني جيل الاستقلال، كل القضايا الكبرى كما هي، دون أن يحل أو يعالج أيًا منها؟ لماذا تركتم لنا قضايا الوحدة، والتنمية، والهوية، لتنفجر في وجوهنا الآن؟»
نظر إليّ جيدًا، وقال: «سؤالك في محله، ولكنك طرحته على الشخص الغلط. لن تجد عندي إجابة، وأنصحك ألا تسأل هذا السؤال لأي شخص من جيل الاستقلال؛ لأنهم ببساطة لا يملكون إجابة. عليكم أن تبحثوا أنتم عن الإجابة بأنفسكم، وستجدون الإجابة التي تعينكم على رؤية المستقبل». ثم أشار إليّ ضاحكًا، محذرًا من أن أوجه السؤال إلى بعض الأسماء الأخرى
٣
كانت تلك الإجابة، على بساطتها، من أكثر الإجابات صدقًا ومرارة، لأنها تكشف حجم المعضلة التي وُلد بها السودان المستقل. إذن، نحن أمام القضايا نفسها التي أشار إليها عبيد مروح: دولة لم تنجح في صهر المجتمع السوداني المتنوع في بوتقة وطنية واحدة، ولم تعالج العلل والأمراض التي ورثها السودان المستقل عن العهود الاستعمارية، فبقيت الأسئلة الكبرى معلقة حتى انفجرت في وجوه الأجيال اللاحقة. لماذا؟
٤
الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تأتي من زاوية واحدة؛ فالمشكلة أعقد من أن تُرد إلى سبب واحد أو عامل منفرد. نحن بحاجة إلى نظر متعدد الجوانب والزوايا، لأننا بإزاء قضية مركبة، متداخلة الطبقات، لا يكفي فيها التفسير السياسي وحده، ولا الاجتماعي وحده، ولا الاقتصادي وحده، ولا حتى الثقافي والهوياتي وحده.
وإذا أردنا أن نتتبع أثر الاستعمار في تعقيد المسألة السودانية، فعلينا أن ننظر إلى ما تركه لا بوصفه مرحلة تاريخية انتهت، بل بوصفه بنية ما زالت آثارها تعمل حتى اليوم. فالاستعمار في السودان لم يؤسس دولة وطنية، بل أنشأ إدارة استعمارية فوق مجتمع متنوع لم يُمنح فرصة التطور الطبيعي نحو الاندماج. فقد أعاد تشكيل الكيانات الاجتماعية حين عزز بعض البنى التقليدية وأضعف أخرى، وربط الولاءات المحلية بالإدارة لا بالمجتمع، فبقيت القبيلة والطائفة أقرب إلى الناس من الدولة نفسها.
أما ثقافيًا، فلم يكن التخريب أقل أثرًا؛ إذ فُرضت أنماط من التعليم والإدارة واللغة لا تعكس التعدد الحقيقي للمجتمع، مما خلق فجوة بين المركز والهامش، وبين الثقافة الرسمية والثقافات المحلية، فضعفت السردية الوطنية الجامعة، وتراجع الإحساس المتكافئ بالانتماء.
أما اقتصاديًا، فإن الاستعمار لم يبنِ اقتصادًا وطنيًا متوازنًا، بل أنشأ اقتصادًا تابعًا يخدم احتياجاته هو، لا احتياجات المجتمع السوداني. فتركزت مشروعات الإنتاج والبنية التحتية في مناطق محددة مرتبطة بالتصدير، بينما تُركت مناطق واسعة خارج دائرة التنمية.
فعلى المستوى السياسي، ورث السودان دولة حديثة في شكلها، لكنها لم تكن حديثة في معناها العميق. ورث جهازًا إداريًا ومؤسسات حكم وحدودًا، لكنه لم يرث عقدًا وطنيًا مستقرًا يحدد، على نحو عادل، من يملك الدولة، ولصالح من تعمل، وكيف تُدار السلطة داخلها. ومنذ الاستقلال، لم تتحول السياسة إلى أداة لبناء الإجماع الوطني، بل تحولت، في كثير من الأحيان، إلى ساحة صراع صفري، تتنازع فيها نخب المركز والهامش، والعسكر والمدنيون، والطوائف والأيديولوجيات.
أما على المستوى الاجتماعي، فالمشكلة لم تكن في التنوع نفسه، فالتنوع في ذاته مصدر غنى لا مصدر نقمة، وإنما كانت في فشل الدولة والنخب في تحويل ذلك التنوع إلى شراكة وطنية حقيقية. فقد ظل المجتمع السوداني، عبر عقود طويلة، موزعًا بين ولاءات ما قبل الدولة وولاء الدولة، بين القبيلة والوطن، بين الريف والحضر، بين المركز والأطراف. ولم تُبنَ الجسور الكافية لدمج هذه التكوينات في مشروع جامع يشعر فيه الجميع بعدالة المشاركة والاعتراف. ولذلك، حين ضعفت الدولة، انفجرت التكوينات الأولية من جديد، وعاد كثيرون إلى الاحتماء بعصبياتهم القديمة بدلاً من الاحتماء بالمؤسسات الوطنية.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن الأزمة لم تكن مجرد فقر عام، بل كانت، في جانب مهم منها، أزمة توزيع غير عادل للثروة والخدمات والفرص. فقد تركزت التنمية والاستثمار والبنية التحتية ومؤسسات الدولة الحديثة في نطاقات محددة، بينما تُركت مناطق واسعة تعيش على هامش الدولة، بلا نصيب عادل في الثروة أو الخدمات أو السلطة. وهكذا لم ينتج الاختلال الاقتصادي تفاوتًا في مستويات المعيشة فحسب، بل أنتج أيضًا شعورًا عميقًا بالغبن والتهميش. وحين يشعر الناس أن الدولة لا توزع الثروة بعدل، ولا تفتح أبواب الفرص بالتساوي، فإن الأزمة الاقتصادية لا تبقى اقتصادية، بل تتحول سريعًا إلى أزمة سياسية واجتماعية، ثم إلى وقود يغذي الاحتجاج والتمرد والانقسام.
ويأتي بعد ذلك البعد الثقافي وهو من أكثر الأبعاد حساسية وتعقيدًا؛ لأن السودان لم ينجح، منذ الاستقلال، في إنتاج تعريف جامع ومتوازن لذاته. لم تنجح النخبة في صياغة سردية وطنية تستوعب هذا التنوع وتمنحه معنى جامعًا. وبدل أن تتحول الهوية إلى مظلة رحبة، تحولت، في كثير من الأحيان، إلى ساحة تنازع. وحين يحدث ذلك، لا تعود الهوية مسألة ثقافية فحسب، بل تصبح مسألة سياسية واجتماعية
٥.
هذه الأبعاد كلها لم تعمل منفصلة، بل تفاعلت على نحو جعل كل واحد منها يغذي الآخر. فالفشل السياسي في بناء دولة عادلة عمّق الانقسام الاجتماعي، والانقسام الاجتماعي سهّل توظيف العصبيات في الصراع السياسي، و الاختلال الاقتصادي شحن هذه الانقسامات بمزيد من الغضب والمرارة، بينما جعل ارتباك الهوية من الصعب بناء شعور وطني متين يتجاوز هذه التشظيات. وهكذا دخل السودان في حلقة معقدة، صار فيها كل خلل يعيد إنتاج الخلل الآخر، حتى تحولت الأزمة من مشكلة حكم إلى أزمة تأسيس وطني لم تُحسم أسئلته الأولى منذ لحظة الاستقلال
٧.
والسؤال الحقيقي اليوم: كيف ننتقل من دولة ورثت مجتمعًا لم تفهمه، إلى دولة تنبع من معرفة دقيقة بتكويناته ومظالمه وتحولاته؟ كيف نصنع وطنًا يقوم على الاعتراف المتبادل، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، وصياغة هوية جامعة؟ تلك هي الأسئلة التي تهربنا منها طويلًا، وها هي اليوم تعود إلينا، لا بوصفها ترفًا فكريًا، بل شرطًا من شروط البقاء.
نواصل

Exit mobile version