لا نزال نواصل اشتباكنا مع مقال الأستاذ عبيد مروح: «زلزال السودان… هل نقترب من تشكل الكتلة الأكبر؟»، ذلك المقال الذي أثار، خلال الأسبوع الماضي، ضجةً مستحقة، لما فتحه من فضاءات للحوار الجاد والعميق.
وقد اختتمنا الحلقة الأولى من هذا المقال بهذه الفقرة: (كيف ننتقل من دولة ورثت مجتمعًا لم تفهمه، إلى دولة تنبع من معرفة دقيقة بتكويناته ومظالمه وتحولاته؟ كيف نصنع وطنًا يقوم على الاعتراف المتبادل، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، وصياغة هوية جامعة؟ تلك هي الأسئلة التي تهربنا منها طويلًا، وها هي اليوم تعود إلينا، لا بوصفها ترفًا فكريًا، بل شرطًا من شروط البقاء).
يضع الأستاذ عبيد في مقاله تصورًا لطريقة هذا الانتقال، من خلال مقترحين أساسيين يندرجان تحت ما أسماه «التأسيس الانتقالي»، وهي — بحسب ما فهمت — مرحلة تسبق الانتقال نفسه. يدعو في المقترح الأول إلى تنادي أصحاب البصيرة والرأي لوضع أسس هذا التأسيس الانتقالي، بحيث تجيب في آنٍ واحد على أسئلة التكوين وأسئلة الراهن، بعد دراسة الإشكالات المحيطة بهما تاريخيًا وواقعيًا.
هذه هي الطريقة الأولى التي يدعو إليها الأستاذ عبيد. أما الطريقة الثانية (أو المقترح الثاني)، فهي أن تتولى قيادة الدولة نفسها الدعوة إلى ذلك الحوار حول أسس التأسيس الانتقالي.
وهنا، فليسمح لي الأستاذ عبيد بأن أقول إن الطريقتين اللتين اقترحهما، على ما فيهما من جدية، قد جُرِّبتا بصورة أو بأخرى طوال أكثر من سبعين عامًا، ولم تنتجا — للأسف — ما يوازي خطورة الأسئلة المطروحة. فقد عرف السودان مؤتمرات لا تُحصى، وحوارات لا تنقطع، ولجانًا وتوصيات ووثائق، لكن الحصيلة النهائية ظلت هي ما نحصده اليوم من خراب. والسبب أننا كنا، في الأغلب، ندير الأزمة ولا نعالجها، ونتفاوض حول الامتيازات والمحاصصات قبل أن نتفق على طبيعة الدولة وهويتها.
ذلك أن التجربة السودانية لم تكن فقيرة في المؤتمرات، بل كانت فقيرة في المنهج. ففي كل مرة ندخل في أزمة نلجأ إلى حوار سياسي يعالج السطح ويترك الجذور على حالها. لم تكن تلك الحوارات والمؤتمرات المتعددة سوى محاولات لإدارة الأزمة السياسية السطحية، دون الغوص في جذورها التكوينية: كيف تشكلت هوياتنا المتعددة عبر القرون، وكيف أنتجت الدولة المركزية منذ الاستقلال مركزًا مهيمنًا يُنتج هوامش مُهمَّشة تناهضه باستمرار؟ هذا السؤال لم يشغل بال النخب التي لم تسعَ إلى تأسيس مشروع وطني يجيب على أسئلة الهوية والثقافة والاجتماع والاقتصاد. كانت النخب تعقد المؤتمرات وتصدر التوصيات من غير أن يسبقها جهد معرفي حقيقي يشرح لماذا أخفق السودان، أصلًا، في بناء أمة متماسكة ودولة عادلة. ولهذا أخشى أن نعود إلى تجريب المجرَّب. وأخشى — يا أستاذ عبيد مروح — أننا إذا سلكنا ذات الدرب تدركنا الندامة مرة أخرى، وهي الندامة التي ما نزال نتجرع كؤوسها حتى الآن.
إن أخطر ما في المأزق السوداني أننا كنا، في كل مرة، نبحث عن مخرج سياسي سريع، بينما كانت الأزمة الحقيقية أعمق من السياسة نفسها. فلماذا لا نجرب طريقًا آخر، قد يكون أكثر جدوى؟
هنا لا أدَّعي أنني أقدم مقترحًا جديدًا بقدر ما أدعو إلى نهج مختلف في مقاربة المسألة السودانية. ولأجل ذلك، سأعود إلى فقرة من المقال السابق لأبني عليها رؤيتي للطريقة التي أراها أنسب. تقول الفقرة: (المشكلة أعقد من أن تُرد إلى سبب واحد أو عامل منفرد. نحن بحاجة إلى نظر متعدد الجوانب والزوايا، لأننا بإزاء قضية مركبة، متداخلة الطبقات، لا يكفي فيها التفسير الاجتماعي وحده، ولا السياسي وحده، ولا الاقتصادي وحده، ولا حتى الثقافي والهوياتي وحده).
وباختصار: نحن بحاجة إلى رؤية علمية موضوعية، بدلًا من مؤتمرات التهريج السياسي. ولا أقصد بذلك إلغاء السياسة أو إقصاء الفاعلين السياسيين، فذلك غير ممكن ولا مطلوب، وإنما أقصد ألا يُترك سؤال التأسيس للسياسيين وحدهم؛ لأن السياسي، بطبيعته، مشغول بالممكن العاجل وبإدارة اللحظة وضغوطها، بينما يحتاج التأسيس إلى من ينظر في الجذور العميقة للمشكلة: في التاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والثقافة.
لقد فشلنا اكثر من مرة لأننا حاولنا حل مشكلات السودان قبل أن نفهم السودان نفسه. دخلنا إلى التسويات والمحاصصات قبل التشخيص، وإلى اقتسام سلطات الدولة قبل الاتفاق على معنى الدولة نفسها، وإلى كتابة التوصيات قبل أن نجيب عن السؤال الأهم و المؤسس: ما الذي أخفق، أصلًا، في هذا الكيان حتى تكررت أزماته بهذه الصورة؟
من هنا أقول إننا نحتاج إلى رأي علماء في التاريخ الاجتماعي للسودان، لبحث أسئلة التكوين، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى عجزنا عن الاندماج الوطني، ثم اقتراح عقد اجتماعي جديد. بالأمس كتبت الماجدة الأستاذة هويدا شبو مقالًا رائعًا بعنوان: «السودان بعد الحرب: نحو عقد اجتماعي وطني جديد»، دعت فيه إلى عقد اجتماعي جديد، وقالت: (إن أي عقد اجتماعي وطني قادم يجب أن يحمل توقيع كل مكونات الشعب السوداني، لا أن يكون نتاج مفاوضات سرية بين نخب محدودة. فالشورى الحقيقية والإرادة العامة كلتاهما تلزمان بشمولية لا تقبل الاستثناء).
وأعتقد أن هذا هو الاتجاه الصحيح، لكن بشرطٍ سابق لا غنى عنه: أن يسبقه جهد تأسيسي معرفي عميق. فالعقد الاجتماعي الجديد الذي تدعو إليه الأستاذة هويدا لن يكون مجرد توقيع على ورقة، بل إعادة صياغة للعلاقة بين المواطن والدولة، وبين المكونات نفسها.
وبالمعنى نفسه، نحن بحاجة إلى رأي علماء في التاريخ السياسي، والاقتصادي، والثقافي، لا لكتابة توصيات تُحفظ في الأدراج، بل لكي ينتجوا المعرفة المؤسسة للانتقال. أي أن نصل أولًا إلى فهم مشترك لطبيعة الأزمة السودانية في أبعادها المختلفة، ثم نبني على ذلك تصورًا متوافقًا عليه للعقد الاجتماعي، ورؤية شاملة للسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والهوية، وشكل الدولة نفسها.
ينبغي أن يُفهم «التأسيس الانتقالي» لا بوصفه حوارًا سياسيًا موسعًا فحسب، بل بوصفه مرحلة سابقة على الانتقال، الغرض منها إنتاج المعرفة المؤسسة له. أي أن نصل أولًا إلى تشخيص متوافق عليه لأزماتنا جميعًا، ثم إلى مبادئ حاكمة متوافق عليها، ثم إلى عقد اجتماعي جديد، وبعد ذلك فقط تأتي ترتيبات السياسة الانتقالية ومؤسساتها. أما أن نعكس هذا الترتيب، فنبدأ بتقاسم السلطة قبل الاتفاق على معنى الدولة، فذلك هو عين ما جرَّبناه من قبل، وكانت نتيجته أن تعود الأزمة في كل مرة بصورة أشد تعقيدًا وأقسى أثرًا.
إذا أنجزنا هذه المرحلة بجدية، نخرج برؤية متوافق عليها مسنودة بمعرفة حقيقية، نكون قد وضعنا أقدامنا على بداية صحيحة لبناء وطن جديد. وإلا، فإننا سنظل ندور في حلقة انفجار التاريخ المؤجل، الذي قد يكون قادمًا أشد تدميرًا.
خالص شكري للأستاذ عبيد مروح الذي جعل هذا الحوار في الهواء الطلق ممكنًا.. وأتمنى أن ينضم آخرون تشغلهم مثل هذه القضايا إلى ساحة هذا الحوار.