د ياسر يوسف إبراهيم
في البداية لا بد من تثمين الحوار الجهير الذي أثارته مقالة الأستاذ العبيد مروح بعنوان “زلزال السودان… هل اقتربنا من تشكيل الكتلة الأكبر؟” وردود الأستاذ عادل الباز في إطار البحث عن إجابة للسؤال المؤلم: لماذا فشلنا؟ وكيف يمكن استعادة مسار بناء الدولة السودانية؟ فقد قدمت هذه المقالات تحليلات دقيقة وطرحت حلولاً جيدة ووضعت أمهات القضايا التي تتعلق بفشل الدولة السودانية، وإسهاماُ في هذا الحوار الجهير أري أن النقطة الجوهرية تتعلق بمقدرتنا علي التشخيص الصحيح للأزمة ومن وضع الحلول المناسبة لها ..
إن ما نعيشه اليوم من حروب وفشل اقتصادي وصراعات سياسية ليس إلا أعراضاً لمرض أعمق. جوهر الأزمة السودانية يتمثل في غياب المؤسسات القوية والاعتماد على تعظيم الأفراد على حساب قواعد الدولة. فالدولة الحديثة لا تقوم على الأفراد مهما بلغت قدراتهم أو مكانتهم، بل على مؤسسات وقوانين تجعل المبادئ فوق الرجال والقوانين فوق القادة. وعندما تختل هذه المعادلة، تتحول الدولة إلى ساحة صراع بين النخب ويتراجع دور المؤسسات لصالح النفوذ الشخصي والولاءات الضيقة.
إذا نظرنا إلى تاريخ السودان يتضح لنا أن هذه الأزمة ليست طارئة، بل تمتد جذورها إلى طريقة تكوّن الدولة منذ عهد محمد علي باشا في القرن التاسع عشر (1821-1885 ) ، حينها نشأت الدولة كجهاز مركزي للجباية والسيطرة أكثر من كونها إطاراً تعاقدياً بين الدولة والمجتمع. ومنذ ذلك الوقت ظلت العلاقة بين الدولة والمجتمع ملتبسة: إما علاقة هيمنة تمارسها السلطة المركزية، أو مظلومية تدفع الأطراف إلى التمرد وحمل السلاح. ولم تنجح النخب السياسية بعد الاستقلال في إعادة تأسيس هذه العلاقة على أساس تعاقدي يحقق التوازن بين السلطة والمجتمع. وحتى جهود جيل مؤتمر الخريجين الذي تأسس في العام 1938 لإنشاء منظومة سياسية حديثة ومستقلة لم تنجح، إذ سرعان ما استسلمت لثقافة الصراع على السلطة دون مشروع وطني جامع.
وعند النظر إلى المشكلات المعاصرة – مثل الفشل في إدارة التنوع، وسوء توظيف الموارد، والعجز عن بناء نظام سياسي مستقر، واستمرار الحروب – يتضح أنها مظاهر مختلفة لمرض واحد: وهو غياب المؤسسات ، وحين تغيب المؤسسات القوية، تصبح الدولة عاجزة عن إدارة التنوع الاجتماعي والثقافي، ويتحول التنوع من مصدر ثراء إلى مصدر صراع. وعندما تضعف المؤسسات الاقتصادية تُهدر الموارد الطبيعية، ويظل الاقتصاد رهينة للفوضى والفساد وسوء الإدارة. وبغياب المؤسسات السياسية المستقرة، يصبح الصراع على السلطة صفرياً ويُدار بالسلاح بدلاً من الحوار لأن كل طرف يدرك أن خسارة السلطة تعني الخروج الكامل من معادلة القوة والنفوذ ، وهو ما يفسر ما نعيشه حاليا من مظاهر لعسكرة السياسة وتراجع دور الأحزاب ومؤسسات مدنية معنية بممارسة السياسة وإصلاح الشأن العام.. وقد أثبت عالما الاقتصاد عاصم أوغلو وجيمس روبنسون في كتابهما “لماذا تفشل الأمم… أصول السلطة والازدهار والفقر” أن فشل الدول لا يرجع إلى الجغرافيا أو الثقافة أو نقص الموارد، بل لطبيعة المؤسسات التي تحكمها. فالدول التي تبني مؤسسات شاملة تسمح بالمشاركة الواسعة والمساءلة، تفتح الطريق أمام التنمية والاستقرار تكون ناجحة ومستقرة ، بينما الدول التي تتركز فيها السلطة والثروة في يد نخبة ضيقة تنتج مؤسسات استحواذية تؤدي إلى الصراع وعدم الاستقرار.
وقد ظل الصراع السياسي في السودان منذ الاستقلال يدور حول من يحكم، لا حول كيف تُبنى الدولة، وتناوبت الحكومات المدنية القصيرة العمر والأنظمة العسكرية دون أن ترسي قواعد مؤسسية مستقرة، ما عمّق التعصب السياسي والأيديولوجي وخلق واقعاً يرفض الحوار مع المختلف، كما لاحظ منصور خالد. والأدهى أنه مع كل هذا الفشل وهذه الحرب لا تزال هناك قوى صغيرة تراهن على الخارج وتقوم سياستها على الإقصاء ظناً منها أنها يمكن أن تحوز على السلطة بتلك الأساليب القهرية، ولعمري أن هذا إما قصر في النظر أو تنفيذ لأجندة لا تريد للبلاد الاستقرار.
وفي المقابل تقدم التجارب الأفريقية الأخرى أمثلة على أن النجاح ممكن إذا قامت المؤسسات فدولة مثل بوتسوانا التي لم تكن تملك عند استقلالها موارد كبيرة نجحت في بناء مؤسسات سياسية واقتصادية مستقرة تقوم على سيادة القانون والمساءلة والشفافية ، ومع اكتشاف الموارد لاحقاً استطاعت إدارة الثروة بطريقة عقلانية فتبوأت موقعاً متقدماً بين الدول الأفريقية من حيث الاستقرار والنمو. والأمر نفسه ينطبق بدرجات متفاوتة على دول مثل غانا ورواندا وموريشيوس، حيث كان بناء المؤسسات مركزياً في تحقيق الاستقرار والتنمية.
الدرس الأساسي من هذه التجارب واضح: التشخيص الصحيح هو الطريق إلى العلاج الصحيح وإذا كان المرض الحقيقي الذي يعاني منه السودان هو ضعف المؤسسات فإن أي محاولة للخروج من الأزمة دون معالجة هذا الخلل الجذري ستظل مجرد حلول مؤقتة. وكما قال الأستاذ عادل الباز: “لقد فشلنا أكثر من مرة لأننا حاولنا حل مشكلات السودان قبل أن نفهم السودان نفسه”.
وفي هذا الإطار لا يعاني السودان من قلة مؤتمرات أو اجتماعات السياسيين، فقد وقعوا عديد الاتفاقيات وناقشوا في مراحل مختلفة مسائل مثل الهوية وعلاقة الدين بالدولة والاقتصاد وأزمة الحكم، لكن وبما أننا لا نزال في مرحلة بناء الأمة وتشكل الدولة ومؤسساتها فإن دور السياسيين ينبغي أن يكون تأمين ما يقترحه المختصون، والتعاون البناء والصادق لتنفيذه، دون الحياد عنه أو الإلتفاف على المسار العلمي الذي يضعه الخبراء لضمان الاستقرار والتنمية.
المهمة التاريخية التي تواجه السودان اليوم ليست مجرد وقف الحروب أو معالجة الأزمة الاقتصادية، بل إعادة تأسيس الدولة على قاعدة مؤسسية متينة ، قاعدة تقوم علي بناء مؤسسات سياسية تضمن التداول السلمي للسلطة، ومؤسسات قانونية مستقلة تحمي الحقوق والحريات، ومؤسسات اقتصادية شفافة تدير الموارد الوطنية بكفاءة وعدالة. فقط عبر هذه المؤسسات يمكن أن يتحول التنوع السوداني من مصدر صراع إلى مصدر قوة، وتصبح الموارد الهائلة أساساً للتنمية بدل أن تتحول إلى وقود للنزاعات.
نقطة الانطلاق هي الإعتراف بما أضاعته النفس الوطنية من فرص، والتركيز على حلول علمية تستند إلى تشخيص صحيح يصدر عن المتخصصين. هذه الحلول يجب أن تحدد معايير وآليات واضحة تضمن الإلتزام من الجميع حكاماً ومحكومين، وتضع الحرب الحالية في سياقها الصحيح كنتاج لفشل داخلي وأيضاً نتيجة للمطامع الخارجية التي تسللت نتيجة هذا الفشل.
إن إستثمار الخبرات العلمية والمختصة جنباً إلى جنب مع تعاون النخب السياسية في تأمين تنفيذ ما يضعه الخبراء، هو الطريق الوحيد لإعادة السودان إلى مسار الدولة المستقرة والقادرة على التنمية والسلام.