أزمة الإدارة الإعلامية وضرورة التخطيط البرامجي… الإذاعات الولائية نموذجًا

إبراهيم إسماعيل

تطرح حالة الإعلام السوداني اليوم تساؤلات مشروعة حول كفاءة الإدارة الإعلامية وآليات التخطيط والتنسيق داخل القطاع، ومدى قدرة القيادات العليا المشرفة على الإعلام على إدارة الموارد البشرية والمهنية المتاحة وتحويلها إلى قوة داعمة للدولة.

وتزداد أهمية هذا التساؤل إذا وضعنا في الاعتبار وجود ما يقارب ثماني عشرة إذاعة ولائية منتشرة في مختلف أنحاء السودان، يعمل بها مئات الإعلاميين والصحفيين ومحرري البرامج والمذيعين والفنيين، وكان من الممكن أن تشكل قوة إعلامية مؤثرة في دعم قضايا إعادة الإعمار والعودة وصناعة الوعي الوطني.

وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة وصعود منصات التواصل الاجتماعي، كان من المفترض أن تتحول هذه الإذاعات إلى منصات إعلامية متكاملة للتواصل المجتمعي والتوعية والتعبئة الإيجابية، وأن تلعب دورًا أكبر في دعم جهود الدولة، إلا أن ضعف التخطيط البرامجي والتنسيق حدّ من الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات، وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على غياب دور المفكرين.

والمؤسف أن المتابع لتقرير أداء وزارة الثقافة والإعلام الاتحادية
الجيد…
لا يجد حضورًا واضحًا للإذاعات الولائية وتوظيفها ضمن المشروع الإعلامي الوطني. كما أن إذاعات دارفور تبدو غائبة عن هذا الحضور
ولا (عذر ) رغم خصوصية الإقليم وحاجته إلى إعلام فاعل يسهم في تعزيز جهود الاستقرار

ويبرهن هذا الغياب على ما ذهبنا إليه من أن جوهر المشكلة يتمثل في أزمة تخطيط وتنسيق أكثر من كونه أزمة إمكانات أو كوادر. ففي عصر الرقمنة لم تعد الإذاعة مجرد وسيلة بث تقليدية، بل أصبحت منصة إعلامية متكاملة يمكن ربطها بالفضاء( الرقمي) ووسائل التواصل الاجتماعي لتوسيع دائرة التأثير والوصول إلى الجمهور.

إن الأزمة الإعلامية في السودان لا تبدو أزمة كوادر بقدر ما هي أزمة إدارة وتخطيط وتوظيف للطاقات المتاحة. فالمؤسسات الإعلامية تمتلك كوادر مهنية وخبرات تراكمية كبيرة، لكن غياب الرؤية الموحدة والتخطيط البرامجي الفعال حدّ من قدرتها على الإسهام في صناعة الوعي الوطني وتحقيق الأهداف التنموية والمجتمعية المطلوبة.

لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب فلسفة ومراجعة للعمل الإعلامي ومؤسساته، وتحويلها من مؤسسات تعمل بصورة (معزولة) إلى منظومة وطنية متكاملة تسهم في بناء الدولة؛ معانٍ لا مبانٍ.

فنجاح المؤسسة الإعلامية يُقاس اليوم بقدرتها على تحقيق أهداف واضحة وقياس أثر رسائلها وبرامجها، ومدى قدرتها على توظيف إمكاناتها البشرية والتقنية لخدمة أولويات المجتمع والدولة.

ولعل من المؤشرات التي تستحق التوقف عندها في هذا الاتجاه تكليف الخبير الإعلامي النور أحمد النور (معنى) بإدارة تلفزيون السودان، باعتبار أن المرحلة تتطلب خبرات مهنية قادرة على الانتقال بالمؤسسات الإعلامية من دائرة العمل التقليدي إلى فضاء التخطيط الإعلامي البرامجي المرتبط بأهداف الدولة واحتياجات المجتمع.

Exit mobile version