أديس أبابا بين الرسائل الصامتة وحدود النار: ماذا قالت زيارة فيصل بن فرحان لإثيوبيا عن السودان؟
Mazin
مهند عوض محمود
لم تأتِ زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى أديس أبابا في 11 فبراير 2026 ضمن سياق تحرك اعتيادي في جدول العلاقات الثنائية، بل بدت كخطوة محسوبة في لحظة إقليمية مشحونة، تتقاطع فيها ملفات القرن الأفريقي مع حرب السودان، وتختبر فيها العواصم الكبرى قدرتها على إعادة ضبط الإيقاع قبل اتساع رقعة الاشتعال.
البيانات الرسمية تحدثت عن “تعزيز العلاقات” و “توسيع التعاون في قطاعات استراتيجية” و “تنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية”. غير أن القراءة السياسية الجادة لا تتوقف عند الصياغات المعلّبة، بل تبحث عن معنى التوقيت. فالزيارة جرت بينما كانت أديس أبابا تتحرك تحت ضغط متعدد الطبقات: توتر إقليمي متصاعد، وأجندة أفريقية ثقيلة تُدار من قلب العاصمة الإثيوبية، وتراكم مؤشرات على أن الحرب السودانية لم تعد محصورة داخل حدودها، بل بدأت تلامس عمق الجوار بصورة أكثر تعقيداً.
في محيطها المباشر، كانت إثيوبيا تعيش تصعيداً لافتاً مع إريتريا. فقد اتهمت أديس أبابا أسمرة باحتلال أراضٍ إثيوبية وبالقيام بعمليات توغل ومناورات عسكرية بالتنسيق مع متمردين في إقليم تيغراي، بينما سارعت إريتريا إلى نفي هذه الاتهامات ووصفها بأنها ادعاءات لا أساس لها. هذا السجال لم يكن مجرد تبادل بيانات، بل أعاد إلى السطح هشاشة الترتيبات الأمنية التي أعقبت اتفاق بريتوريا، وأحيا مخاوف من عودة الاحتكاك الحدودي في منطقة لا تزال آثار الحرب فيها طازجة. في مثل هذا المناخ، تصبح إثيوبيا أكثر حساسية لأي ملف قد يُستخدم لإحراجها أو تحميلها مسؤولية إقليمية إضافية. ومع استضافة أديس أبابا لفعاليات أفريقية رفيعة، فإن أي اتهام بتحول أراضيها إلى منصة غير مباشرة لصراع جارٍ في السودان سيُقرأ كضربة لصورتها الدبلوماسية في لحظة لا تحتمل فيها مزيداً من الضغوط.
هنا يتقاطع الملف السوداني بوضوح مع هذا المشهد. خلال الأسابيع التي سبقت الزيارة، تصاعدت تقارير دولية تتحدث عن نشاط تدريبي ولوجستي في غرب إثيوبيا، داخل إقليم بني شنقول–قمز، على تماس مباشر مع الحدود السودانية. هذا الملف لم يكن جديداً على المتابعين الدقيقين. ففي التاسع من ديسمبر 2025 نشرنا في هذا الموقع (المحقق) تحليلاً مفصلاً بعنوان: «الجبهة الشرقية المموّهة… كيف تُعيد مليشيا التمرّد تشكيل تهديدها عبر بوابة إثيوبيا نحو قلب النيل الأزرق»، وقد تناولتُ فيه بالوقائع والتحليل فرضية إعادة تشكيل التهديد عبر مسارات خلفية، وكيف يمكن أن تتحول بعض المناطق الحدودية إلى منصات لإعادة تجميع القوة البشرية وتدويرها باتجاه الداخل السوداني.
وجود أي بنية تدريب أو تجميع خلف الحدود، إذا استمر، يعني عملياً منح الحرب شرياناً إضافياً يطيل عمرها. لأن المليشيات لا تقاتل فقط بما تملك، بل بما تستطيع تعويضه. وكل عمق جغرافي خارجي يتيح إعادة التدريب أو الاستراحة أو إعادة التموضع، يُخفف من أثر الاستنزاف داخل الميدان ويعيد تشكيل موازين الضغط. ومن هنا تحديداً تتضح أهمية الزيارة السعودية، فالمملكة تنظر إلى القرن الأفريقي من زاوية أمن البحر الأحمر واستقرار ممراته الحيوية، ومن زاوية منع تمدد الفوضى المسلحة إلى بيئة إقليمية شديدة الحساسية. وقد سبق أن رسّخت الرياض توجهاً واضحاً بعدم السماح بتحويل أراضي الدول إلى منصات تغذية لمليشيات تستهدف دولاً عربية. لذلك فإن إدراج “الأمن والاستقرار الإقليمي” كبند رئيسي في مباحثات بهذا المستوى، في هذا التوقيت، لا يمكن فصله عن ملف السودان عندما يصبح الجوار جزءاً من معادلة الصراع.
ليس من الواقعي انتظار بيان يقول صراحة إن الرياض مارست ضغطاً أو استخدمت لهجة تحذيرية. السياسة بين الدول تُدار غالباً بالإشارات الدقيقة، لا بالتصريحات الصاخبة. لكن منطق المصالح يفرض قراءة أكثر صراحة: إثيوبيا، وهي تواجه توترات محتدمة مع إريتريا وتتعامل مع إرث صراع تيغراي، ليست في وضع يسمح لها بأن تُتهم بتحول أراضيها إلى عمق خلفي لحرب السودان. والسعودية، المعنية مباشرة بأمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم، لديها ما يكفي من أدوات التأثير السياسي والاقتصادي لإيصال رسالة مفادها أن ضبط الحدود الغربية لإثيوبيا ليس مسألة هامشية، بل اختبار لمدى مسؤولية الدولة في إدارة محيطها.
بالنسبة للسودان، المسألة جوهرية. الحرب لم تعد محصورة في الجغرافيا الوطنية. كل قناة عبور، كل منطقة رمادية، كل مساحة تدريب خارج السيطرة، تعني إعادة تعريف ميزان القوى. وإذا أُغلقت هذه القنوات أو وُضعت تحت رقابة صارمة، فإن ذلك سينعكس مباشرة على قدرة مليشيا الدعم السريع الإرهابية على تعويض خسائرها وإعادة تشكيل تهديدها. زيارة الأمير فيصل بن فرحان إلى أديس أبابا يمكن فهمها إذن كجزء من عملية إعادة ضبط إقليمي صامتة: تثبيت حدود، تقليص المساحات الرمادية، ومنع انزلاق القرن الأفريقي إلى مرحلة تتحول فيها الحروب الوطنية إلى صراعات عابرة للحدود بلا ضوابط.
النتيجة الحقيقية لن تُقاس بالبيانات، بل بالمؤشرات اللاحقة: هل سيظهر تشدد في إدارة مناطق بني شنقول–قمز؟ هل ستتراجع المؤشرات على أي نشاط تدريبي أو لوجستي مرتبط بالحرب السودانية؟ هل ستتغير لهجة الخطاب الإثيوبي من خطاب دبلوماسي عام إلى مقاربة أمنية أكثر وضوحاً في ضبط الحدود؟
إذا حدث شيء من ذلك، فستكون الزيارة قد تجاوزت إطار العلاقات الثنائية إلى وظيفة أعمق: حماية التوازن الإقليمي ومنع تحويل الجوار إلى رئة تتنفس منها المليشيات. وفي زمن تتقاطع فيه الخرائط وتتشابك المصالح، يصبح اختيار اللحظة أهم من عدد الكلمات في البيان.