أحياناً تنتحر الدول أخلاقياً

د. إيناس محمد أحمد
مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول من المبادئ الجوهرية التي تحكم العلاقات الدولية، وهو مبدأ من مبادئ القانون الدولي ، يعرفه القانون بأنه “التزام أساسي يفرض على أية دولة الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية و الخارجية لأية دولة أخرى” ، و هذا التعريف تستند عليه الدول في مواجهة التدخلات السافرة التي قد تحدث في شؤونها ، اذ يحظر تدخل دولة في شؤون غيرها من الدول.
يُعد هذا المبدأ ركيزة أساسية لحماية نظم الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ أن نادت به الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر ، و تم تعزيز هذا المبدأ في القرن العشرين بفضل التغيرات التي حدثت في العالم وانتشار حركات التحرير وحصول الكثير من الدول على استقلالها فتغيرت بنية المجتمع الدولي ، ثم ظهور دول جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، و انتشرت المبادئ العرفية والاتفاقيات الدولية التي تعزز شكل الدولة ونظم الحكم فيها وعلاقتها بالدول الأخرى مما أعطى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية بعداً ملزماً للدول .
علي صعيد آخر كان لتكوين عصبة الأمم عام 1919م ومن بعدها إنشاء الأمم المتحدة في العام 1945م أثره الكبير في تنظيم هذا المبدأ و إصدار التوصيات بشأنه لحماية الدول الحديثة من فرض سيطرة الدول العظمى، لذلك سعت الدول الحديثة إلى جعل المبدأ قاعدة قانونية دولية ملزمة وعليه أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة التوصية رقم (2131) في 21 ديسمبر 1965م وكان عنوانها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحماية استقلالها وسيادتها، ونصت على تحريم كل أشكال التدخل والامتناع عن السماح أو مساعدة أو تمويل كافة النشاطات المسلحة والإرهابية لتغيير الحكم في دولة أخرى ، ثم صدر إعلان مبادئ القانون الدولي في 24 أكتوبر 1970م ونص على “ليس لدولة أو مجموعة من الدول الحق في التدخل المباشر أو غير المباشر لأي سبب كان في الشؤون الداخلية لدولة اخرى” ، نتيجة لذلك اعتبر القانون الدولي اي نوع من انواع التدخل يهدد مكونات الدولة السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية يعد تدخلا في الشؤون الداخلية للدولة ومخالفاً بذلك مباديء القانون الدولي.
لكن المتأمل للنهج الجديد يجد أن فقهاء القانون الدولي يعتبرون المبدأ ضمن القواعد الآمرة لقواعد القانون لأن سيادة الدولة تقوم علي استقلالها.
بعد عام 1990م ظهر اتجاه في مجلس الأمن يدعو إلى تضييق دائرة اختصاص الدولة وتوسيع دائرة الجماعة الدولية، ومع تزايد النزاعات المسلحة والحروب أصبح تدخل الأمم المتحدة مشروعاً لحماية الأمن والسلم الدوليين ولها استخدام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح استخدام القوة، كما أنها وعبر مجلس الأمن لها أن توقع عقوبات دولية.
ونتيجة لصلاحيات مجلس الأمن في الفصل السابع والتوسع في استخدام المادة 39 من الميثاق ظهر نهج جديد في العلاقات الدولية أعاد تعريف المبدأ من جديد نتيجة تزايد ترابط العالم من خلال شبكات الاتصالات الإلكترونية وتزايد أدوار مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني.
لكن لازال القانون الدولي يرى أن التدخل في الشؤون الداخلية مخالف للقانون الدولي لاسيما إذا كان تدخلاً يحمل تهديداً لأمن وسلامة واستقرار الدولة.
بناء علي ما سبق نجد أن ما قامت به كينيا باستضافتها مؤتمراً للمليشيا المجرمة وأعوانها بهدف توقيع ميثاق سياسي و إعلان تشكيل حكومة موازية يُعد تدخلاً سافراً في شؤون السودان الداخلية بل ودعماً لمليشيا إرهابية ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حق الشعب السوداني وذلك بغرض استمرار الحرب ونشر الفوضي ، الحدث آثار ردود أفعال عنيفة عالميا واقليمياً استهجانا لموقف كينيا ، وزاد من حجم التوتر بين السودان وكينيا ، بل جاء الاحتجاج من داخل كينيا نفسها إذ احتج الكثيرون من السياسيين والمراقبين علي استضافة نيروبي لهذا المؤتمر (الفاشل) والذي بالتأكيد سيؤثر سلبا علي مصالح كينيا في المنطقة ويعرضها لمخاطر دبلوماسية كثيرة ويخرجها من حيادها السياسي الذي ظلت تدعيه وأنها راعية للسلام في المنطقة ، وثارت تساؤلات حول علاقة الرئيس الكيني بالمليشيا وقياداتها ومصالحه الشخصية معهم ، ولماذا التقى بهم عدة مرات في أوقات مختلفة ، وظهر الأمر جليا حينما اقترحت (الإيغاد) أن يكون الرئيس الكيني وسيطاً للحلول السلمية، لكن السودان رفض التعامل مع اللجنة بسبب علاقة رئيسها بقيادات المليشيا.
الاستضافة لها تأثير بعيد المدى على دور سعت كينيا للعبه في المنطقة كوسيط داعم للسلام في عدد من الدول الأفريقية منها (الكنغو الديمقراطية) ، بينما نجد أن السودان لن يتأثر كثيرا بتلك (الهرجلة) التي حدثت في نيروبي وله القدرة على الرد على ذلك بصور كثيرة أهمها الجانب الدولي، إذ يمكن للسودان أن يقدم شكوى ضد كينيا لأنها عملت على خرق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وعملت على تهديد أمن وسلامة ووحدة السودان ، تهديداً بالغاً للأمن والسلم الإقليمي وخروجا عن ميثاق الأمم المتحدة وكذلك عن الأمر التأسيسي للاتحاد الأفريقي و منظمة إيغاد والأعراف الدولية السائدة ، وللسودان أن يُصعد الموقف دبلوماسيا ابتداء بسحب السفير ، وله أن يرد اقتصاديا بمنع الاستيراد من كينيا وحظر دخول المنتجات الكينية للأسواق السودانية وله أن يغلق المجال الجوي أمام الطيران الكيني مما يعرضه لخسائر ضخمة، فالسودان يمتلك كروت ضغط كثيرة ولن يقف عاجزاً أمام من ينتهك سيادته ووحدة أراضيه ويدعم ويؤوي مليشيا إرهابية ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حق شعبه.
فمن يدعم الحرب والخراب لا يؤتمن كوسيط للسلام ولو تدثر بأستار الأمم المتحدة و مبادئ الاتحاد الأفريقي.
نقلا عن “المحقق”