أحرب بلا نصر؟! .. ما يحتاجه السودان أبعد من مجرد حوار
Mazin
خالد التيجاني النور
1 ما أن رشحت تسريبات في الفضاء العام عن نيّة السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة إطلاق “حوار” ب “مواصفات وإجراءات” معينة، كما حدّث بذلك أشخاص نقلوا على لسانه علانية أنه أفضى إليهم بذلك، حتى طغى على المشهد السياسي جدال محتدّم هنا وهناك حول مقاصده وما يهدف إليه من ترتيبات، ولمّا لم يصدر من متحدثي الرئاسة ما ينفي ما روّجت له هذا التسريبات من “مقربين”، بات في حكم اليقين أنها من قبيل “بالونات اختبار” لقراءة ردة الفعل عليها، قبل أن يعلن الفريق البرهان الدعوة ل “الحوار” رسمياً في الاحتفال بعيد الجيش في ذكرى سودنة قيادته الثانية والسبعين، وكان لافتاً في ثنايا الخطاب الرد تفصيلاً على ما أثير من الانتقادات أو التساؤلات التي تفاعلت مع تلك التسريبات من معارضيه، لا سيما موضوع “العفو”، مما يؤكد أنها لم تخرج إلى العلن صدفة أو بمبادرة من مروجيها. 2 ما ورد آنفاً في صدر هذا المقال ليست ملاحظة شكلية بل مدخل أساسي، مع ملاحظات أخرى سنتطرق لها تباعاًً، لقراءة وتحليل ما تحمله هذه الدعوة “الرئاسية” ل”الحوار” من أجندة، وما ستنتهي إليه من مآلات، والإجابة على السؤال المحوري إن كانت ب”تصميمها” الحالي ستقود فعلاً إلى مستقبل أفضل للسودان والسودانيين، يسود فيه الأمن والسلام والاستقرار، أم ستعيد إنتاج نمط حوارات “الباب الدوّار” التي لا تزال البلاد تكابد من ويلات أفقها المسدود الذي تنبئ به استدامة الحروب وأزمات الحكم المستحكمة. تحمل الذاكرة السياسية السودانية ما لا يكاد يحصى أشكالاً وألواناً من المبادرات والمفاوضات والمواثيق المغلظة بين الأطراف السياسية المختلفة على مدار ثمانية عقود منذ مؤتمر جوبا 1947، وحتى يوم الناس هذا وما بينهما، وللمفارقة أن أكثرها جرى برعاية أجنبية، حتى غدا السودان “سلة مبادرات العالم، بعدما كان مؤملاً له أن يكون سلة غذاء العالم”. ومع ذلك.. ومع ذلك كان ديدنها جميعاً “التمادي في نقض العهود والمواثيق”، في ترجمة موحية للأستاذ بشير محمد سعيد لشكوى مولانا أبيل ألير من كثرة نقض المواثيق التي جعلها عنواناً لكتابه الشهير. 3 وما يواجه السودان اليوم من تهديد وجودي للمجتمع والدولة أعظم خطراً من كل ما سبقه من مهدّدات أحدقت به في حقب مختلفة أدى العجز عن التصدي لها بما تستحقه من حلول ناجعة وحازمة إلى تراكم أسباب الوهن، وتكرّار الأخطاء نفسها، لتبقى البلاد تحت طائلة الاضطراب المستمر، صحيح أن البلاد تعرضت لعدوان أجنبي صريح غير مسبوق، لا يحتاج إلى المزيد من إقامة الأدلة عليه، ولم يعد هناك ما يمكن أن يوصف في باب المؤامرة المستترة، وقد بات كل شئ معلوماً بالضرورة من مصادر مستقلة، فضلاً عن قرائن الواقع المعاش، وكان التصدي له واجباً ولازماً على كل سوداني. وهو ما نهضت لدحره همماً عديدة من مؤسسات الدولة والشعب بتضحيات كبيرة، ولكن مع ذلك ليصح تشخيص أسباب أزمتنا من أوجهها كافة، فلا يجب الركون إلى العامل الخارجي وحده لنغفل عن حقيقة أنه ما كان ليجد الفرصة تلو الأخرى للتدخل في شأن البلاد إلى درجة السعي لاختطاف الدولة ذاتها لولا تضعضع الجبهة الداخلية، وتشرذم طبقتها السياسية، والصراع العبثي على السلطة. 4 وحتى لا تغدو حرباً بلا نصر، والنصر في كماله لا يعني مجرد رد العدوان في ميدان المعارك فحسب، ولا أن يكون مدعاة للفخر والإحساس بتمام المهمة، وتزكية النفس والتفكير في حظوظها، بل النصر الحقيقي يكمن في تحقيق أشراط العظة والعبرة من الدرس القاسي لهذه الحرب الكبرى بكل ما خلّفته من مآس إنسانية، وما سبقته من دروس ظلت البلاد تنتقل فيها من اقتتال إلى آخر صراعاً حول السلطة، لا أحد يدفع ثمنه غير غمار الناس. لذلك فإن ما يحتاجه السودان وشعبه أبعد من مجرد “حوار” آخر يعيد إنتاج ذلك النمط من الحوارات الفوقية المتناسلة بين كل فينة وأخرى المحتكرة لطبقة من محترفي اللعب في نادي السوق السياسي، والتي تنتهي عادة بصفقات، باتت محفوظة من كثرة تكرارها، لاقتسام السلطة والثروة بين حملة السلاح وأتباعهم، ثم لا يلبث أن يختلف جمعهم، ليعود الصراع أشد وأنكي، لينفدوا بجلودهم سالمين، ويدفع غمار الناس الثمن في كل مرة. 5 والسؤال ما الذي تغير ليجعل الدعوة للحوار هذه المرة مختلفة النتائج الكارثية لما سبقها؟ وما هو المحتوى الجديد الذي تحمله، وما هي المضامين ذات المعنى التي تدّل على ما يبشر بنهج مختلف؟ في الواقع لا شيء ينبئ بأننا أمام لحظة تاريخية تلهم بمهمة وطنية فارقة، أو تشوّق لدور عظيم، تكاد سيناريوهات الحوارات السابقة ذاتها غير المنتجة تتخلّق تارة أخرى. إذ لا يعقل لأمر مهم ومصيري كشأن مبادرة يُفترض أنها ستكون بمثابة سفينة نجاة منقذة أن تكون إرهاصاتها تسريبات لا تخلو من طرح يفتقر إلى الموضوعية والجدية والمسؤولية حتى حسبه البعض من باب الهزل لا الجد، وزاد الأمر ضغثاً على إبالة أن ذلك أثار ردود فعل سمّمت الأجواء بأكثر مما هي عليه. 6 إذ ما لبث أن ضج جراءها الفضاء العام بردود فعل انفعالية هنا وهناك على ما درج عليه الحال في الممارسة “السياسية” في السودان، حيث لا سياسة تمارس ل”إدارة المشترك بين الناس تدافع بمقتضى الحكمة” كما ذهب إلى ذلك الكواكبي في تعريفها، بل ظلت تمارس باستقطاب حاد متبادل نافياً للأخر، كصراع صفري محتدم، تحت شعارات برّاقة ذات اليمين وذات اليسار وما بينهما، وأحياناً ب”الإشارة” للحصول على أكبر قدر من مكاسب السلطة والثروة واحتكارها لفئة محظوظة من طبقة تمتهن العمل السياسي كحرفة ل”كسب العيش”، وتمارسها ك”سوق سياسي” تدار فيه بنظام صفقات في نموذج أليكس دي وال في تحليله لاستدامة أزمة السودان وحروبه المزمنة. 7 وطابع آخر لهذه الدعوة للحوار التي بدا أن ديدن الترويج لها نهج التكهنات، إعلان القائد العام في خطابه أن “مجموعة وطنية تداعت من تلقاء نفسها لإطلاق مبادرة حوار سوداني خالص ينطلق من الداخل ويستوعب جميع القوى السياسية والمجتمعية” ولا شك أن هذا أمر محمود أن يتداعى لهذه المهمة الجليلة نفر حادب من المواطنين المهمومين بالشأن العام. وكان من شأن إحسان هذه المجموعة لعملها، المطلوب والملح، لو أنها بادرت إلى مخاطبة الشعب السوداني أولاً، وهو صاحب الحق الأصيل والقرار في تحديد مستقبل البلاد، لتطرح في الفضاء العام رؤيتها لمبادرتها، وآلياتها للوصول إلى مبتغاها بتوافق وطني جامع بما يحقق استدامة الأمن والسلام والاستقرار في البلاد، ومن ثم تخاطب كل الأطراف الفاعلة المدعوة للمشاركة في هذا الحوار على قاعدة سواء، لتأتي الاستجابة لدعوتها على الأقل من ناحية مبدئياً من المعنيين، ثم تنهض إلى بحث كفالة السبل اللازمة لتهيئة بيئة ضامنة لإنجاحه على النحو المطلوب. 8 لا أدري كيف مر أمر بديهي كهذا، ضرورة أن تبادر المجموعة إلى وضع “استراتيجية تواصل ذكية” مدروسة بعناية للإفصاح عن مهمتها والتعريف بنفسها، بين يدي إقدامها على عمل بهذه الأهمية في ظل بيئة سياسية موبوءة بالاستقطاب الحاد، والاقصاء المتبادل، والشكوك العميقة، في مهمة ركنها الركين الثقة التامة في استقلاليتها. لا شك أن تبرع المجموعة، إن صح، بترك أمر الكشف رسمياً عن هذه المبادرة إلى رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة يثير الكثير من التساؤلات عن الحكمة من ذلك، فضلا علامات الاستفهام حول حقيقة استقلاليتها، مع الإشارة إلى أنها حتى اليوم لم تخرج لتخاطب الرأي العام تاركة الأمر للمزيد من التكهنات حولها. صحيح أن الفريق البرهان اجتهد في التأكيد على “استقلالية المجموعة” لكن ذلك ليس كافياً للإقرار لها بذلك سواء في أوساط الرأي العام، أو عند الأطراف المعنية، فاعتزال المجموعة للرأي العام سوف يصعب مهمتها مستقبلاً، وتدارك ذلك ليس أمراً سهلاً ذلك أن الانطباع الأول الذي تركت لصاحب السلطة أن يرسمه سيبقى راسخاً بحسبانها ظلاً له، كما أن الاحتجاج بضرورة توفير الضمانات من السلطات للمشاركين في الحوار، أو توفير الدعم اللوجستي كان ينبغي أن تكون تالية لكسب ثقة الرأي العام في جدوى ومنطلقات المبادرة واستقلاليتها، وأن تأتي كاستجابة لإثبات جدية الحكومة في قبولها. 9 أمر آخر ورد في خطاب الفريق البرهان نصاً “أما في الشأن السياسي وإنصافاً للقوى الوطنية والفئوية التي ساندت الدولة السودانية ودعمت وحدتها ومؤسساتها فقد بدأت معها بصدد إشراكهم في إكمال مؤسسات الحكم في الدولة (المجلس التشريعي) وهو استحقاق دستوري وقد دفعت هذه القوى مع القوات المسلحة وكل الشعب السوداني ثمناً باهظاً ووقفت جنب إلى جنب مع القوات المسلحة”. اللافت أنه استبق بذلك حديثه عن “مبادرة المجموعة الوطنية”، فهل يعني هذا نوع آخر من الحوار خاص بهذه “القوى الوطنية والفئوية التي ساندت الدولة” لإشراكهم في “مؤسسات الحكم”؟ّ! فهل أصبح الأمر سباقاً لحجز مقاعد في قطار السلطة يطمئن قدامى قبل أن يأتي قادمون آخرون ليزحموهم؟ وهل الوقوف إلى جانب الحفاظ على وجود الدولة يستوجب استحقاقاً لمكافأة من أدى هذا الواجب؟ 10 لا شك أن السودان يحتاج لأبعد من مجرد حوار سطحي يسترضى هذا، ويكافئ ذاك، يحتكر الأمر لأطراف لا يملك أياً منها تفويضاً شعبياً حقيقياً ليقرر بالنيابة عن الشعب مستقبل البلاد، وللأسف ما ظهر من إخراج مضطرب لحوار لازم لا ينبئ أنه سينتهي لغير ما سبقه، ستقام احتفالات، وتوقع وثائق وتلتقط الصور، وتقسّم غنائم السلطة، واستراحة محاربين لا أكثر. فما الطريق للأمام؟ هذا ما نرجو أن نتناوله في مقال قادم بإذن الله.