(1)
خالد محمد أحمد
ليست ظاهرةُ تأليه القادة والساسة حِكرًا على السودان، ولا بِدعًا في تاريخه السياسي؛ فميْل الجماهير إلى التماس “المنقذ” سِمةٌ إنسانية متكرِّرة، وخاصةً في وقت الأزمات حين تنكفئ الإرادةُ الجمعية وتُفسح المجال للإيمان بفردٍ استثنائي يمتلك أو يُتوَهَّم أنه يمتلك قدراتٍ خارقة.
وقد شهد العالم أمثلةً صارخة لذلك، من أدولف هتلر إلى جوزيف ستالين إلى جمال عبد الناصر وصدام حسين، فأصبح الحاكم أقرب إلى كائنٍ مقدَّسٍ منزَّهٍ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
غير أن خصوصية الحالة السودانية لا تكمن في مجرَّد وجود الظاهرة، بل في هشاشة معاييرها؛ إذْ لا يخضع التمجيد لدينا لميزان الإنجاز الفعلي أو الكاريزما الحقيقية، بل غالبًا ما تفرضه حاجتنا النفسية إلى صنمٍٍ سياسي نصنعه ونرفعه، ثم لا نلبث أن نحطِّمه بأيدينا.
وقد دأبنا في السودان على تقديس الأفراد في ميادين الدين والثقافة والفن؛ غير أن هذه الظاهرة تتجلَّى بوضوحٍ أكبر في السياسة، إذْ أصبحنا أسرى ما يمكن تسميته بـ”متلازمة الإحساس المتضخِّم تجاه القائد”؛ وهي حالةٌ نفسية جماعية تدفعنا إلى المبالغة في الإعجاب، وتحويل السياسي إلى رمزٍ يتجاوز حدود النقد والمساءلة. ونتيجةً لذلك، تتحوَّل العلاقة بين الحاكم والمحكوم من علاقةٍ تعاقدية سياسية إلى علاقةٍ وجدانية مختلَّة أقرب ما تكون إلى التبعيَّة منها إلى المواطنة.
ولعلَّ تجربة الرئيس الراحل جعفر محمد نميري تقدِّم نموذجًا واضحًا؛ فقد رفعه الناس إلى مقامٍ لا مقام بعده ، وأغدقوا عليه الألقاب، مثل (أب عاج)، وتغنُّوا له باعتباره (الحارس)، و(الفارس)، و(حبيب الشعب)، و(درَّاج المِحن)، و(تمساح الدميرة). ولم يكن ذلك الإعجاب بلا ثمنٍ، فقد أدَّى به إلى احتكار الرأي، والتقلُّب في التحالفات تبعًا للأهواء؛ فبدأ شيوعيًا وانتهى إسلاميًا، وقاد البلاد من فشلٍ إلى فشل، مُثقلاً كاهل شعبه بالمشاق حتى أطاحت به ثورةٌ شعبية أنزلته إلى الأرض بعد أن رفعه المنتفضون سابقًا إلى السماء.
وتكرَّر المشهد مع الرئيس السابق عمر البشير، إذْ حاولت بطانته تحويله في المخيال الشعبي إلى (أسد إفريقيا) حتى ترسَّخ لديه ولدى بقية أنصاره من عامة الشعب الاعتقاد بأن بقاءه مرادفٌ لبقاء الدولة، فاختزلوا بهذا التقديس الوطن في شخصه، وجعلوا مصلحة الحاكم فوق كلِّ اعتبار رغم أنه سفك الدماء، وعذَّب الأبرياء، وباع الجنوب، واستكثر علينا في سبيل المحافظة على كرسيه خروج البلاد من عزلةٍ دولية كان هو من صنعها بيده. وبعد كلِّ ذلك التمجيد، اقتُلع في نهاية المطاف من الحكم اقتلاعًا بعد ثلاثين عامًا حسومًا من اعتلائه ظهورنا.
وعلى الرغم من كلِّ ما شاب تجربتَي نميري والبشير من استبدادٍ وإخفاقاتٍ جسيمة، فإنَّ الإنصاف يقتضي الإقرار بأنهما ارتبطا في وَعْي قطاعاتٍ واسعة من الناس بإنجازاتٍ ملموسة في مجالات التنمية بمختلف أشكالها بصرف النظر عن طبيعة مصادر تمويل تلك المشاريع أو كلفتها السياسية والاقتصادية؛ فقد شهد عهدهما قيام بنى تحتية ومشروعاتٍ كبرى ظلَّت حاضرةً في الذاكرة العامة، وهو ما أسهم جزئيًا في تغذية نزعة تمجيدهما. غير أنَّ هذه المقارنة تزداد حِدَّةً حين ننتقل إلى تجربةٍ مدنيةٍ جاءت عبر ثورةٍ شعبية وكان يُفترَض أن (تؤسِّس) لنموذجٍ مختلف في الحكم والإنجاز، وهي تجربة رئيس الورزاء السابق الدكتور عبد الله حمدوك.
كان نصيبُ حمدوك من الظاهرة موضوع النقاش منحَه لقب (المؤسِّس) في غياب أيِّ إنجازاتٍ تأسيسية حقيقية لإدراك أنصاره أن تأليه أيِّ قائدٍ لا يتحقَّق إلا عبر صناعة هالةٍ حوله، فسارعوا إلى اختلاق إنجازاتٍ خالفت الحقائق والإحصاءات الموثَّقة.
ومن أمثلة ذلك أن رفعَ اسم السودان من قائمة الإرهاب لم يكن إنجازًا شخصيًا لحمدوك أو حكومته، بل كان في واقع الأمر نتاجًا طبيعيًا لعمليةٍ تصاعدية للمحادثات التي كانت جاريةً أصلًا قبل سقوط الإنقاذ، بل إن جزءًا من الفرق التي تفاوضت مع الأمريكيين حتى بعد الثورة ضمَّ فنيِّين وأصحاب خبرة بملفِّ العلاقات السودانية الأمريكية من الفريق الذي شارك في المفاوضات أيام الإنقاذ، ومنهم من شملته قوائم الفصل المعلنة دون التحرُّج من استجداء خدماتهم من وراء حجابٍ لاحقًا. أمَّا ما كان يوقف رفع العقوبات قبل الثورة، وهذا ممَّا يُحْسَب للإنقاذ، أنها كانت رافضةً لطرح الأمريكيين بمقايضة الشطب من القائمة بقضية المدمِّرة (كول)، بينما وافق عليها حمدوك لاحقًا ودفع مبلغ 350 مليون دولار على سبيل التعويض، وهذا ممَّا فاقم الأزمة الاقتصادية رغم أن السودان لا علاقة له بالقضية أساسًا، إذْ كانت مجرَّد محاولة ابتزازٍ على غرار الابتزاز المتعلِّق بالتوقيع على الاتفاقيات الإيراهيمية. ولذلك، فإن إزالة اسم السودان من القائمة كان أقرب إلى الاستجابة للابتزاز منه إلى إنجازٍ حقيقي.
أما على الصعيد الاقتصادي، فتدحض الأرقام كثيرًا من السرديَّات التي يروِّج لها أنصاره؛ ففي سنوات حكمه (2020–2021)، شهد السودان أعلى معدلات تضخم في تاريخه الحديث، إذْ ارتفعت النسبة من 51% في 2019 إلى 163.3%، ثم إلى 359.1%. كما تدهور سعر الجنيه من نحو 83 جنيهًا للدولار إلى قرابة 440 جنيهًا خلال الفترة نفسها، وارتفعت أسعار الوقود ارتفاعًا حادًا، إذْ قفز سعر لتر البنزين من 6.5 جنيه إلى نحو 290 جنيهًا بعد تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي.
أمَّا برنامج (ثمرات)، الذي ما زال القحَّاطة يتباهون به باعتباره أحد أبرز إنجازات حكومة حمدوك، فلم يكن نتاج رؤيةٍ وطنية أو ابتكارٍ سياسي داخلي، بل جاء استجابةً مباشرة لاشتراطات المانحين الدوليين وصندوق النقد الدولي كآليةٍ تعويضية للتخفيف من آثار سياسات رفع الدعم القاسية. ولذلك، فهو أقرب إلى منحةٍ خارجية مفروضة منه إلى برنامجٍ وطني مُصاغ بإرادةٍ مستقلة. يُضاف إلى ذلك أن تنفيذه شابه ضعفٌ واضح في البنية الإدارية وغياب قواعد بياناتٍ دقيقة، وهو ما حدَّ من فعاليته وأفقده القدرة على تحقيق أهدافه بشكلٍ ملموس، وبالتالي من الصعب اعتباره إنجازاً يُحسَب لحمدوك.
ولم تكن القطاعات الأخرى بأفضل حالٍ؛ فلم يتحقَّق استقرارٌ حقيقي في الأسعار، ولم تسجِّل البنية التحتية من سككٍ حديدية وطرقٍ تحسُّنًا ملموسًا مقارنةً بالسنوات السابقة. ويكفي مثالًا ما أُعلِن عن سفلتة الطرق؛ فقد كان المُستهدف نحو 800 كيلومتر سنويًا خلال عامي 2020 و2021، بينما لم يُنفَّذ سوى 38 كيلومترًا في 2020 و11 كيلومترًا فقط في 2021. وحتى في الزراعة، فإن زيادة إنتاج القمح كانت امتدادًا لاتجاهٍ تصاعدي بدأ قبل حكومته دون تحقيق قفزةٍ استثنائية تُنسَب إليها.
يوضِّح كلُّ ذلك أن المغالاة في تمجيد (المؤسِّس) لم يقُم على إنجازاتٍ فعلية، بل على حاجةٍ نفسية سياسية لصناعة رمزٍ حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.