آفاق الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية بالسودان…. إمكانية الاستفادة من النموذج الاستثماري الماليزي (2/1)
Mazin
د. أحمد عبد الباقي
حُبي الإنسان بمصادر متجددة للطاقة عرفتها الأمم المتحدة بأنها مصادر طاقة طبيعية تجدد نفسها، وتشمل: الطاقة الكهرومائية (Hydropower)، طاقة الرياح البرية والبحرية ، (Wind Energy)، الطاقة البحرية (Ocean Energy) ، الطاقة الحرارية الأرضية (Geothermal Energy)، الطاقة الحيوية (Bioenergy/Biomass)، وقود الإيثانول (Ethanol Fuel)، الطاقة الشمسية (Solar Energy)، والطاقة الشمسية الضوئية (Photovoltaic Solar Energy)، بينما يُعتبر الوقود الأحفوري (الفحم، والنفط، والغاز) من المصادر غير المتجددة التي يستغرق تشكيلها مئات الملايين من السنين، ويتسبب عند حرقه لإنتاج الطاقة، خاصة الكهربائية ( 84.32% من إنتاج الكهرباء في العالم يعتمد على الوقود الأحفوري)، في انبعاثات ضارة في المناخ، مثل: غاز ثاني أكسيد الكربون الذي زاد انبعاثه من 31.3 مليار طن في عام 2010م إلى 32.2 مليار طن في عام 2020م مع توقعات أن يصل ذلك إلى 43 مليار طن بحلول 2025م (حسب إحصائيات الأمم المتحدة)، لذا يعد التحول إلى الطاقة المتجددة أمراً ضرورياً لمعالجة أزمة المناخ العالمية بسبب تلك الانبعاثات، كما أن استغلال هذه الطاقة المتجددة أقل تكلفة حالياً في معظم البلدان، وهي تخلق وظائف أكثر بثلاث مرات من الوقود الأحفوري مما ينعكس ذلك علي الوضع الاقتصادي أيضا.
ولأهميتها في الحفاظ على البيئة والحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة، تهتم الأمم المتحدة ووكالاتها المختصة بتشجيع التحول نحو التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، حيث أفاد تقرير للوكالة الدولية للطاقة المتجددة والرئاسة البرازيلية لمؤتمر الأمم المتحدة الثلاثين للمناخ (كوب-30 / COP30) والتحالف العالمي للطاقة المتجددة وصدر في عام 2024م بأن الإضافات العالمية في سعة الطاقة المتجددة وصلت إلى مستوى غير مسبوق في عام 2024، حيث بلغت 582 غيغاوات (واحد غيغاوات يساوي مليار وات) ولكن التقرير أبان بأن هذا التطور لا يزال غير كافٍ للبقاء على المسار الصحيح لتحقيق هدف ما يُعرف بـ “إجماع الإمارات العربية المتحدة” الذي تم الاتفاق عليه في مؤتمر الأمم المتحدة الثامن والعشرين للمناخ (كوب 28)” الذي احتضنته الإمارات في عام 2022م، والمتمثل في الدعوة إلي مضاعفة الطاقة المتجددة لثلاثة أضعاق أي إلى 11.2 تيراوات (واحد تيراوات يساوي ترليون وات) بحلول عام 2030م. ومن بين مصادر الطاقة المتجددة، تعد الطاقة الشمسية أكثر وفرة لأن الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى سطح الأرض يتكون من حوالي 70% ضوء شمس مباشر وحوالي 30% منتشر، بسبب أن الغلاف الجوي والسحب يتصرفان كمرشحات عملاقة تحجب وتبعثر الطاقة الإشعاعية من الشمس في جميع الاتجاهات، لذا يسهل استخدامها لعدة ميزات تُستعرض لاحقاً، نسلط الضوء في هذه المساهمة على الطاقة الشمسية في السودان وآفاق الاستثمار الذي يساعد على استخدامها، فما هي الطاقة الشمسية؟
الطاقة الشمسية:
الطاقة الشمسية التي تعرف أيضًا باسم طاقة الشمس، وهي عبارة عن مصدر طاقة متجددة يستخدم جسيمات ضوء الشمس (الفوتونات) لإنتاج الطاقة، هذا ويساعد استخدام الطاقة الشمسية الدول على تقليل استخدامها للطاقة الأحفورية، وبالتالي خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتحقيق أهداف مكافحة تغير المناخ، من المتوقع بحلول عام 2027م أن تتفوق الطاقة الشمسية على إنتاج الفحم والغاز الطبيعي وتصبح بديلاً رائدًا للوقود الأحفوري لانتاج الطاقة النظيفة لأن الإشعاع الشمسي يستخدم لإنتاج طاقة كهربائية وأخرى حرارية، من خلال آليتين للتحويل: آلية الكهروضوئية (تحويل الإشعاع الشمسي أو الضوئي مباشرة باستخدام الخلايا الشمسية لإنتاج الكهرباء)، وآلية التحويل الحراري (تحويل الإشعاع الشمسي إلى طاقة حرارية عن طريق المجمعات (الأطباق) الشمسية والمواد الحرارية).
تتميز الطاقة الشمسية خاصة في إنتاج الكهرباء ليس فقط بنظافتها، بل بقدرتها على تحقيق العدالة الطاقية؛ إذ يمكن تركيب الألواح الشمسية في المناطق النائية والفقيرة، مما يساهم في تقليص الفجوة بين المجتمعات. ومع تطور تقنيات التخزين، بات بالإمكان تجاوز مشكلة تقلبات الطقس وضمان استمرارية التزويد بالطاقة خاصة إنتاج الكهرباء ولأهمية الطاقة الشمسية، فإن هذه المساهمة تركز على مستقبل الطاقة الشمسية في السودان كأحد الحلول السريعة التي يمكن تبنيها للحد من تفاقم أزمة الكهرباء في السودان وذلك عبر تبني الدولة لها كأحد مصادر إنتاج الكهرباء في البلاد، وفتح المجال للقطاع الخاص للاستثمار فيها بالاستفادة من تجارب دول عديدة من بينها ماليزيا التي سنتعرض تجربتها في الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية وإمكانية إسقاط نموذج ذلك الاستثمار على السودان.
الطاقة المتجددة في السودان: الوضع الحالي وآفاق المستقبل:
صدرت دراسة حديثة بتاريخ يناير 2025م تحت عنوان: Renewable Energy in” Sudan: Current Status and Future Prospects” ونُشرت في مجلة Engineering Reports المجلد السابع، العدد الأول، وجاء فيها أن السودان يعتمد في توليد الطاقة الكهربائية على التوليد المائي الذي يمثل 54.6% من مصادر توليد الكهرباء، و0.78% من مصادر الطاقة المتجددة، و44.62% من المشتقات النفطية المكررة، مما يؤثر على البيئة بسبب استخدام هذا المصدر الأخير لتوليد الطاقة خاصة الكهرباء. وحددت الدراسة مصادر الطاقة المتجددة في السودان التي يمكن الاستفادة منها مستقبلاً علي نحو:
(1) الطاقة الشمسية: يعد السودان أحد دول حزام الطاقة الشمسية ويمتلك إمكانيات هائلة للطاقة الشمسية مع متوسط سطوع يتجاوز 300 يوم سنويًا وإشعاع يتراوح بين 5.5 و7.5 كيلووات/ساعة لكل متر مربع يوميًا، يهيئ هذا الموقع أرضية صلبة لزيادة التوليد من مصادر الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء بصورة نظيفة بيئياً، علاوة على فك اختناقات الشبكة القومية للكهرباء، (2) الرياح البرية: للسودان محطة وحيدة وتنتج 0.8 ميغاوات مربوطة بالشبكة القومية، وهناك محطة توليد أخرى تحت الإنشاء لإنتاج 100 ميغاوات، وتخطط الدولة لإنتاج 1550 ميغاوات من الكهرباء بحلول 2035م باستخدام مصادر الرياح البرية، (3) الوقود الحيوي: يخطط السودان لاستخدام الوقود الحيوي من قصب السكر خاصة لإنتاج 199 ميغاوات، منها أقل من 20 ميغاوات تُنقل بالشبكة القومية، وهناك مخطط لتوليد 270 ميغاوات من الوقود الحيوي وربطه بالشبكة القومية بحلول عام 2032م، (4) الطاقة الحرارية الأرضية: لم يستخدم هذا المصدر بعد رغم ملاءمة ذلك لمنطقة البحر الأحمر للاستفادة من الطاقة الحرارية الأرضية، ولكن الدولة تخطط لإنتاج 54 ميغاوات بحلول عام 2030م، (5) الطاقة النووية: هناك تخطيط لإنتاج 600 ميغاوات باستخدام مفاعلات للطاقة النووية بحلول 2030م، و(6) طاقة الأمواج: يمكن للسودان استخدام طاقة الأمواج لإنتاج 1.2 تيراوات/ساعة كهرباء سنوياً ولكنه لم يُشرع ذلك في بعد.
*ستكتمل الصورة في الحلقة الثانية ببسط القول عن الطاقة الشمسية في السودان وإمكانية الاستثمار فيها بإسقاط النموذج الماليزي للاستثمار في الطاقة الشمسية.