آخر دجاجة

محمد يوسف العركي

قصة حقيقية (نقلاً عن الأستاذ سراج الدين الصادق الحاج)

في قرية “قُفا”، تلك البقعة الوادعة الممتدة على الطريق الرابط بين كوستي والخرطوم بولاية النيل الأبيض، كان هناك قطيةٌ صغيرة تعيش في أطرافها. يقطنها زوجان اعتادا على العيش البسيط؛ حرثا مساحة صغيرة من الأرض حول بيتهما لتكون مصدر رزقهما الهادئ.
وكان لموقع بيتهما المتاخم للطريق السريع أثرٌ في حياتهما؛ فكثيراً ما كانت تقف بأعتابهما سيارة تعطلت في ظلام الليل، أو مسافرٌ ضلّ طريقه ويبحث عن مجيب. ولم يكن للزوجين سوى شيمة واحدة: **إكرام الضيف بما تجود به النفس**. كان قفص الدجاج الملاذ السريع للزوجة كلما طرق الغرباء الباب، تمد يدها بسخاء دون خوف من الغد، حتى دارت الأيام ولم يتبقَّ في القفص سوى **دجاجة واحدة فقط**.
وفي إحدى الأمسيات الغارقة في الهدوء، توقفت سيارة ضلت طريقها عند أطراف القرية، وقصد أصحابها القفيرة الوحيدة الظاهرة في العتمة. رحّب الزوج بالضيوف وأدخلهم بدفء، ثم التفت إلى زوجته يطلب منها إعداد عشاء يليق بالغرباء.
نظرت إليه الزوجة بلوعة وقالت بصوت خفيض:
> *”يا رجل، لم يتبقَّ في القفص إلا دجاجة واحدة فقط!”*
>
فما كان منه إلا أن رد بكلمات حاسمة ومليئة باليقين:
> *”أعدّي العشاء للضيوف.”*
>
لم تتردد الزوجة. ذبحت الدجاجة الأخيرة، وصنعت منها عشاءً غنياً بالمحبة، وقدمته للضيوف مع الشاي الدافئ. ومع تباشير الفجر الأولى، غادر المسافرون وهم يغمرون الأسرة الصغيرة بدعوات الشكر والامتنان. **أمسى الزوجان ليلتهما وقُفصهما فارغ تماماً.**
### نقطة التحوّل: بركة المطر والجود
مرّت الأيام، وحلّ موسم “لقيط القطن”، حيث يتقاطر العمال من ولايات بعيدة في رحلات شاقة. وفي ظهيرة أحد الأيام القائظة، توقف “لوري” محمل بالعمال قبالة قطية الزوجين. نزل السائق ونادى بصوت عالٍ يملأ المكان ليوقظ هدوء البيت.
خرج الرجل بشاشته المعتادة رادّاً التحية، فبادره السائق بلهفة:
> *”هل لديك ماء لهؤلاء القوم؟ فقد أخذ منهم العطش كل مأخذ.”*
>
لم يفكر الرجل لحظة، وأشار بيده إلى برميل ماء كبير مغطى بعناية، تبدو عليه علامات النظافة والاهتمام، وقال بترحيب سوداني أصيل:
> *”حبابهم عشرة! ليتفضلوا وليشربوا جميعاً.”*
>
تزاحم عمال اللقيط على البرميل، وشربوا حتى ارتووا ولم يبقَ في قاع البرميل إلا القليل.
وهُم يستعدون للمغادرة ومواصلة رحلتهم، التفت السائق إلى الدجاج المربوط على أطراف اللوري وقال للعمال:
> *”هذا الدجاج المعلق لم يذق قطرة ماء منذ يومين، ولو تركناه هكذا لسوف يموت لا محالة.. ما رأيكم أن ننزل هذه الطيور لهذا الرجل الطيب ليُسقيها متبقي هذا البرميل، وتكون هدية بسيطة له ولزوجته؟”*
>
استحسن العمال الفكرة بشدة، وأنزلوا حمولة الدجاج بالكامل وسط ذهول ورضا الزوجين.
### ثمرة الإيثار
وما هي إلا أيامٌ قلائل، حتى دبت الحياة في جسد تلك الطيور وانتعشت بالماء والعناية. اشترى الرجل حظيرة كبيرة، وفاض المكان بالبيض والدجاج بشكل لم يسبق له مثيل!
صار تجار السوق يتقاطرون على بيته كل يومين لأخذ حصتهم من البيض، وأسبوعياً لشراء الدجاج. تبدلت حياة الزوجين بالكامل، وأصبح هذا الرجل البسيط **أشهر وأكبر تاجر بيض ودجاج في قريته والقرى المجاورة**.
> **”فيا لها من دجاجة أخيرة.. جادوا بها في وقت الضيق، فأنبت الله لهم من كرمهم فرجاً ورزقاً لا ينقطع!”
>

Exit mobile version