ثقافة وفنون

هيثم عباس و”أسلوب الغناء الرمادي”.. قراءة في أزمة التصنيف الفني

الاحداث – ماجدة حسن

يرى الكاتب هيثم عباس أن فن الغناء الشعبي يمثل لونًا غنائيًا أصيلًا له رموزه ومطربوه المعروفون، الذين تميّزوا بطبيعة أدائهم وأصواتهم، وبما تحمله أغنياتهم من تفاصيل ثرية في التطريب والقوالب التقليدية ذات القيم والمضامين الشعبية.

وفي المقابل، يشير إلى أن فن الغناء الحديث يمتلك أيضًا شكله وأسلوبه المعروفين، ويشكّل خطًا موازيًا واضح المعالم في الساحة الفنية. غير أن عباس يلفت إلى وجود فئة من المغنين تقف بين هذين اللونين، في مساحة وصفها بـ”الرمادية”، حيث تتحرك بين الغناء الشعبي والحديث دون أن تنتمي بوضوح لأي منهما.

وبحسب رؤيته، فإن هذه الفئة غالبًا ما تعجز عن تقديم إبداع حقيقي في الغناء الحديث، كما لا تحافظ في الوقت نفسه على موقعها الطبيعي داخل إطار الغناء الشعبي، وذلك بسبب غياب الوضوح الفني وضعف الوعي الثقافي بطبيعة المشروع الغنائي الذي تقدمه.

ويضيف أن هؤلاء الفنانين، رغم محاولاتهم التنقل بين الأنماط المختلفة، يظلون في جوهرهم أقرب إلى القوالب الشعبية بحكم التكوين الثقافي والفني، مشيرًا إلى أن هذا “المزيج غير الواضح” لا ينتج في العادة مشروعًا فنيًا متماسكًا، فلا هم رسخوا أنفسهم كمطربين شعبيين في الصدارة، ولا استطاعوا أن يقدموا تجربة تجديد حقيقية في الغناء الحديث.

كما ينتقد عباس ما يصفها بظاهرة تصدّر بعض هؤلاء الفنانين لمشروعات غنائية وثقافية يُفترض أن تعنى بالتجديد وتطوير الغناء الحديث، مشيرًا إلى أن اختيارهم في كثير من الأحيان يتم وفق تصنيفات جماهيرية أو مهنية غير واضحة المعايير، الأمر الذي لا يسهم في تطوير هذا المشروع الفني أو إثراء ثقافته.

وفي المقابل، يضرب مثالًا بتجارب معاصرة مثل فن الراب، الذي استطاع – بحسب رأيه – أن يفرض نفسه كخط غنائي حديث له خصوصيته وحدوده وقوالبه الواضحة، وهو ما مكّن فنانيه من تحقيق حضور قوي ونجاحات لافتة على مستوى النص والأداء.

ويخلص عباس إلى أن الفنان، أيًا كان انتماؤه، يحتاج إلى وعي حقيقي بطبيعة موهبته وحدود إمكاناته، وباللون الغنائي الذي يقدمه. فالتنقل بين الأنواع دون رؤية واضحة أو أدوات فنية متماسكة لا يصنع تجديدًا بقدر ما يخلق حالة من التشتت الفني.

ويؤكد أن إدراك الفنان لمساحته الحقيقية والعمل بعمق داخلها هو الطريق الأقصر نحو الإبداع، لأنه يتيح استثمار الجهد والوقت فيما يمكن تقديمه بصدق وتميّز، سواء كان ذلك في الغناء الشعبي أو الحديث أو أي لون موسيقي آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى