في عالم السياسة والفكر، تلمع نجوم كأنها شهب كثيفة الضياء، ثم تتوارى خلف أستار الظلال، لعب بعض هؤلاء النجوم أدوارا مهمة في منطقتنا العربية والأفريقية، ولولا الحظ العاثر والابتعاد عن مساقط الأضواء لظلوا في الصدارة تحت وهج الشهرة، وما خبا الواحد منهم بعد التماع.
من هؤلاء المفكر السوداني الكبير، عبد الله زكريا إدريس، أحد أبرز المنظرين الاشتراكيين الإسلاميين، وأحد بناة الفكر القومي العروبي الممزوج بالأفريقانية، لمع وسط تزاحم الأنجم السياسية في ستينيات القرن الماضي، وكان هناك من كان من القادة والسياسيين في السودان آنذاك، لكنه سرعان ما ذهب إلى بلد آخر ساكبا عصارة أفكاره وتجربته وأحلامه، وشاد مع آخرين التوجهات الفكرية والسياسية لأربعة عقود من الزمان، حتى الرمق الأخير لقائد تلك البلاد، ورحيله هو في ليلة صيفية بالخرطوم.
ولد عبد الله زكريا إدريس بمدينة الفاشر غربي السودان عام 1932، جده هو مفتي الديار قاضي إدريس الفقيه القادم من أقصى شمال السودان في عام 1898، ليكون ثالث ثلاثة أعانوا السلطان علي دينار سلطان سلطنة دارفور (1898-1916) على توطيد حكمه واستعادة مجد آبائه وأجداده، وهو السلطان الشهير الذي كان يرسل المحمل إلى أرض الحجاز ويرسل كسوة الكعبة كل عام.
كما تنسب إليه (آبار علي) جنوب غرب المدينة المنورة وميقات الإحرام منها، وهو الذي أقام حلفا مع الخلافة العثمانية في تركيا وقاتل معها ومع الألمان في الحرب العالمية الأولى، وحافظ على سلطنته في دارفور حرة مستقلة حتى غزاها الجيش الإنجليزي وقُتل في عام 1916. عاصر عبد الله زكريا حياة جده مفتي السلطنة وقاضيها، فقد بدأ تعليمه الأولي في الفاشر، ثم التحق بعد المرحلة الوسطى بمدرسة حنتوب الثانوية وسط السودان ليزامل خلال سنواتها الأربع أبرز رموز السياسة والحكم بالسودان:
الرئيس الأسبق جعفر نميري، والدكتور حسن الترابي زعيم الإسلاميين في السودان، ومحمد إبراهيم نقد السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي السوداني، وإبراهيم منعم منصور أشهر وزراء المالية في تاريخ السودان، وميرغني النصري عضو مجلس رأس الدولة السابق، وأحمد إبراهيم دريج زعيم المعارضة بالبرلمان في الستينيات من القرن الماضي وحاكم دارفور، الجزولي دفع الله رئيس وزراء السودان الأسبق، وكان عبد الله أذكاهم وأكثرهم نباهة وتحصيلا معرفيا وثقافة واطلاعا.
بلغ نضجه السياسي بالمرحلة الثانوية، فالتحق بجماعة الإخوان المسلمين في بواكيرها بالسودان، وخاض غمار السياسة، وتحدث في ندوة شهيرة بمدينة الفاشر في عام 1952 خرجت بعدها تظاهرات عاتية أُحرق فيها العلم الاستعماري البريطاني، ومُرغ أنف الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس في تراب مدينة الفاشر.
تخرج في كلية الآداب جامعة الخرطوم عام 1955، وعمل مدرسا للجغرافيا لفترة قصيرة في المدارس الثانوية ثم ابتعث للدراسة بإنجلترا وحاز درجة الماجستير في جامعة لندن، وتزامل مرة أخرى مع الدكتور حسن الترابي الذي كان يتلقى دراساته العليا في القانون بالجامعة نفسها، والسيد الصادق المهدي الطالب بجامعة أكسفورد.
وطوال هذه الفترة كان عبد الله زكريا عضوا ملتزما بالتيار الإسلامي، لكنه نتيجة لتطورات فكرية ومشكلات تنظيمية، اختار مع آخرين الخروج من التنظيم الإسلامي، وشارك في تأسيس الحزب الاشتراكي الإسلامي، في مقاربة شديدة الأهمية ما بين العدالة الاجتماعية في الإسلام والأفكار الاشتراكية المحضة في محاولة قولبتها في نسق إسلامي، وكان الراحل بابكر كرار النور هو قائد الحزب ومعه عبد الله زكريا، وميرغني النصري، وناصر السيد، وآخرون.
انفتح عبد الله على التيارات السياسية السودانية، وعرف عنه نبوغه ونزوعه نحو إنتاج الأفكار واهتمامه بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وقناعاته الثورية الجامحة لمعالجة مشكلات الحكم والإدارة والسياسة والمجتمع.
ومع نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي، التقت خطاه مع زميل دراسته في المرحلة الثانوية والضابط بالجيش آنذاك جعفر نميري وخططا لانقلاب عسكري، بيد أن مجموعة الحزب الشيوعي وبعض القوميين العرب سبقوا بتدبير انقلاب 25 مايو/أيار 1969 مع جعفر نميري نفسه، ولم يكن الانقلاب بوجهه الشيوعي واليساري الصارخ من اليوم الأول ملبيا لتصورات وتطلعات مجموعة الحزب الاشتراكي الإسلامي.
كانت هناك علاقة حوارية فكرية مع الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر الذي قدم المجموعة: بابكر كرار، وناصر السيد، وعبد الله زكريا، للزعيم الليبي الشاب معمر القذافي عقب وصوله للسلطة في 1 سبتمبر/أيلول 1969، لتبدأ فصول مثيرة في حياة عبد الله زكريا مذ صافح القذافي.
التحقت مجموعة الحزب الاشتراكي الإسلامي بلحظة الهياج الثوري العارم في ليبيا، وتلاقت أفكارهم وطموحاتهم وأشواقهم السياسية مع شاب ممتلئ بالحماس الثوري والشعارات البراقة للاشتراكية والعروبة خلال تلك الفترة، واستقروا تماما في طرابلس في عام 1972، وانخرطوا في نشاط وحوارات فكرية وسياسية طويلة مع العقيد القذافي، بين أيديهم مانفيستو الحزب الاشتراكي الإسلامي السوداني.
وفيما كان زعيم المجموعة بابكر كرار متسما بالصرامة الفكرية والدوغمائية السياسية، نال عبد الله زكريا بذكائه الحاد ونفسه الضاجة بالقلق والثورة، إعجاب القذافي، وكان عبد الله من الموهوبين في عرض الأفكار وتجاوز المسلمات والتجديد، اجتمع قلقه ولفح روحه الثورية وطموحه الشاب بقلق وطموح وجرأة القذافي الذي أُخذ بمواهب عبد الله في التعبير بدقة عن آرائه، ولغته الساحرة ذات الجرس الموسيقي، وإجادته في صياغة الشعارات وبلورة الأفكار، وإتقانه الإنجليزية.
اصطفاه القذافي للمدارسات الفكرية الخاصة مع المفكر الليبي الصادق النيهوم، فخيم على ليالي طرابلس وطرقاتها القديمة ومباني السلطة اليافعة سحب ثقال من النقاشات الحيوية والأحلام الثورية المحلّقة تتجاوز المقارنات بالماركسية اللينينية وبالنسخة الصينية من الاشتراكية من أفكار المدرسة الفابية الإنجليزية، وإلهامات المفكرين الاشتراكيين الأوروبيين والتجارب الثورية اليسارية في أمريكا الجنوبية والوسطى والتيارات العروبية الاشتراكية العربية الناصرية ومانفيستو الحزب الاشتراكي الإسلامي السوداني.
نتجت عن هذه اللقاءات الثلاثية الطويلة مسودات مهمة (القذافي-النيهوم-عبد الله زكريا)، وحسب إفادات زكريا، فإنه كان يقوم بتلخيص الأفكار وتنقيحها ثم تقديمها للقذافي في اللقاء التالي، حين كان النيهوم في قمة قلقه وتطرفه الفكري يبعثر الآراء ويعبر عن المواقف، ويكثر من الاختلاف مع القذافي، ويقول عبد الله:” صياغة الكتاب الأخضر المربكة، ونصوص جمله ومقولاته التي تشبه قفزات السناجب لا تعبر إلا عن حالتنا في تلك الجلسات.. نقفز من فكرة إلى أخرى، نطلق شعارا رنانا وعبارة صادمة، كأننا نكتب سفرا مقدسا نلقيه للشراح والمفسرين”.
لم تنقطع جلسات القذافي مع الآخرين من المفكرين والسياسيين الليبيين والعرب والأجانب، لكن ملاذه كان مجموعته الصغيرة حيث تتمازج الأفكار والأمزجة واللغة ومنهج التفسير الفلسفي للحياة والمجتمع والسلطة والاقتصاد، واستطاع هذا الثلاثي إنتاج مسودات أساسية تمثل الفلسفة السياسية (الديمقراطية وسلطة الشعب) واعتماد (الاشتراكية) بمفهوماتها المتقاربة مع الإسلام لحل المعضلات الاقتصادية، بينما ذهبت بعض نظريات المفكرين الاجتماعيين ونقدها، لتصاغ في مصفوفة جديدة تكون هي أساس بناء مجتمعٍ جديد أراده القذافي في أحلامه مجتمعٍ قائم على النظرية العالمية الثالثة التي جُمعت بين دفتي كتيب صغير أطلق عليه “الكتاب الأخضر” ويقع في 120 صفحة من القطع الصغير.
ولما وسّع القذافي جلساته الأخرى مع المفكرين مقدما إليهم مسودات المقولات التي صاغها ولخصها عبد الله زكريا، خلال أعوام 1973-1975، رأى القذافي ألا يصدرها مكتملة، ثم صدرت مجمعة عام 1979 في “الكتاب الأخضر”، وكان زعيم الاشتراكيين الإسلاميين بابكر كرار من المصوبين الرئيسيين لما أطلق عليه نظام المؤتمرات وسلطة الشعب، ولم يلبث القذافي أن طلب من عبد الله زكريا القيام بشرح متن “الكتاب الأخضر”، وعقد الندوات التنويرية والتعريفية بكل ما ورد فيه، وتنزيل المقولات لمستويات الفهم العام، وتأسس إثر ذلك المركز العالمي لدراسات “الكتاب الأخضر”، وكان عبد الله من أبرز رموزه ومن غيره لهذه المهمة العسيرة؟ أيضا تولى عبد الله زكريا كل الترجمات للنصوص والوثائق والكتابات الشارحة للنظرية العالمية الثالثة، وبرع متحدثا باللغة الإنجليزية وكاتبا بها بإجادة كبيرة، وخط المقالات في المجلات والصحف والدوريات داخل ليبيا وخارجها، تظلله ثقة القذافي المطلقة، وبدا كأنه الرقيب الناقد لأداء اللجان الثورية الليبية متتبعا تجربتها، وبجانب ذلك أسس حركة اللجان الثورية السودانية وقبلها الجبهة الشعبية الاشتراكية.
ثم كانت مسيرة طويلة مع القذافي وليبيا، دانت فيها السلطة وزاد بريقها واكتمل بناء هياكلها وصروحها وتعددت تحدياتها، واصطدمت مقولات “الكتاب الأخضر” بالواقع، وغاص المركب في وحل التطبيق، ومع مضي السنوات وخفوت البريق، لم يعد عبد الله زكريا يلتقي القذافي كما كان، وحال بينهما موج المسؤوليات السلطوية الجسام والحاشية التي لم تعش أيام الصفاء القديم.
بينما كان عبد الله يتنقل بين السودان وليبيا، استدعاه القذافي مع حصار ليبيا عام 1992 وكلفه بالطواف في أفريقيا وجمع شيوخ الطوائف الدينية وزعماء القبائل والكهنة، يوم أن بدأت تطرأ على الزعيم الليبي بوارق توجهاته الأفريقية التي كان ختام مطافها أن نصب نفسه ملك ملوك أفريقيا.. وتلك قصة أخرى كما قال الأديب السوداني الكبير الطيب صالح في رائعته موسم الهجرة إلى الشمال.
بعد كل هذا التاريخ الطويل، ماذا جنى المثقف الكبير من السلطة وصولجان السلطان؟ تبدّدت الأحلام الكبيرة، وطاشت السهام بعيدا، وسقطت ليبيا في هوة سحيقة من التطبيقات المجحفة لنظرية تنتمي لعالم اليوتوبيا الساحر، وتمأسست دكتاتورية باطشة، ليحرث الشعب الليبي في البحر، حتى أسقط نظام القذافي دون أن تتحقق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وسلطة الشعب الموعودة. عاد عبد الله زكريا إلى السودان في خريف العمر، زاهدا معدما، مرهقا، كسير الخاطر، عاد كجندي مطعون بين الكتفين.. ليس لديه إلا الذكريات، وليالٍ مثقلات بالخيبات وأحلام مهيضة الأجنحة، وترك وراءه ليبيا تعاند حاضرها ومستقبلها.. بعد المتاهة التي استمرت أكثر من أربعين عاما حسوما.
توفي عبد الله زكريا بعد أن عاش 91 عاما، أغمض عينيه وغفا إغفاءته الأخيرة في 28 مايو/أيار 2023 بالخرطوم.. وحتى وفاته كان مديرا للمركز العالمي للدراسات الأفريقية الذي أسسه له الرئيس البشير، وترك إرثا فكريا عريضا مثل “الدولة الفاطمية الثانية”، و”زيارة إلى الصين بلد السماء”، و”محاكمة الفكر السياسي السوداني”، وهو كتاب ضخم تحت الطبع، وبوفاته هوى من سقف النجوم.. نجم، أي نجم!