نور محمدين .. لحظات باقية

إشارات

راشد عبد الرحيم

منها هي تبقي اللحظات باقية عميقا في النفوس لانها صافية و صادقة و عميقة  .

إنها الأم .

أدركت باكرا في نفورا من تناول اللحوم في أعياد الاضحية و دأبت علي أن تعد لي وجبة إفطار من سمك البلطي بياضه من بياض محبتها و عمقها .

كنت أتناول الوجبة باشهي ما يكون و ببقي طعمها العيد كله تتسرب بين أضلعي شبعا و تعقبها بعصير مثلج بارد ليس أ شهي منه .

كان دأبها  أن تتحسس رغباتي و مطالبي  و تلبيها قبل ان أطلبها لا يصرفني عن إفطارها في العيد صارف ضيوف او دعوات .

شملتني برعاية لا مثيل لها أنا و إخوتي و رغم أنا كنا علي علاقات واسعة إلا أنها تسع كل ضيوفنا من يشرفنا ساعة طعام أو وقت مبيت

كانت تقوم علي محبة عميقة لإخوتها و أخواتها ترعي شأنهم و كأنها ولدتهم تكمل نواقصهم في العيد من طعام و شراب و ملابس و عيدية لأطفالهم .

رعت والدي بمثلما رعتنا و كانت تقوم علي ضيوفه بأعدادهم الكبيرة و كانوا من الشيوعيين  و لم تمنعها عنهم بغضاء و لا كراهية  و لم تكن تحمل منها شيئا  و بمثل ما كانت ترعي ضيوفنا من الإسلاميين رعتهم .

في أيام الإنتخابات تخرج طعامها للفريقين المتخاصمين من الإفطار و الغداء و العشاء و فرش من يبيت في بيتنا او من بقوم علي حراسة خيمتهم الإنتخابية .

تقوم علي شأن الجيران مثلما تقوم بشأن أبنائها و إخوتها لا تنام إلا بعد أن تطمئن لإكتمال حاجاتهم في العيد .

كثير من الأشياء العميقة التي تقوم بها سرا و كثير منها لا نعلمه منها بل من الذين وسعتهم بفضلها  .

علمت أن صبية من الحي وقعت في خطأ كبير حيث حملت سفاحا و لم تعنفها و تغلظ عليها بل أعدت لها مكانا خفيا و رعتها  حتي حانت ساعة ولادتها فأحضرت ( الداية ) و أشرفت عليها و علي مولودها ثم حملتها لدار رعاية و أودعت المولود و حثت الأم علي رعاية مولودها و تسميته و إرضاعه و شجعت الأم علي حث والده ليعترف به و أن يحسن إليهما بالإعتراف بما إغترف و أن يكمل زواجه ليعيش المولود بين والديه .

لم تنقطع يوما عن إصطحاب الأم لزيارة إبنها و إرضاعه و تربيته و هو في ذاك البيت الذي يشق علي الناس الإنتساب إليه .

تواصل فضلها علي من في ذاك البيت و رعت منهم و هم في مقامهم و تواصلت معهم إلي تلقي دراساتهم و تيسير حياتهم بالمضي في التعليم و نسيان او تناسي مآسيهم الخاصة .

كانت لحظاتها التي تفيض بها  علينا و علي من حولنا هي اللحظات الباقية التي لا تنسي

كأنما كانت تستقي عواطفها و جهدها و خيرها من إسمها فقد كان إسمها ( نور محمدين ) و بقي نورها ساطعا و كأنه من إسم والدها  ( محمدين ) و ليس حمدا واحدا و تسعي و كأنها تستمد عملها من إسم والدتها ( رابعة ) فقد كانت بحق في حسن طاعتها لربها و زهدها كما كانت رابعة العدوية .

في كل عيد آجد لذة و مشقة ذكراها و أتمني و أسأل الله أن يكتسب أبنائي و إخوتي من سيرتها و يكونوا جميعا و نكون نورا علي من حولنا فقد علمتنا أن تشمل بمحبتها  زوجاتنا و اهلهم  و أزواج شقيقاتي و ذويهم و جميع من نعرف و من هم حولنا .

Exit mobile version