رأي

نموذج الوصاية وخصخصة السياسة الدولية لايقاف الحرب في السودان: مقترحات الاستعمار الجديد بديلا عن السلام 

أمجد فريد الطيب

لا تنبثق الأفكار الخطرة في السياسة الدولية من فراغ، بل تُستولد في لحظات الانهيار البنيوي للنظام العالمي: حين تتراجع مبادئ الشرعية الدولية إلى الهامش، ويتم تجاهل حقوق الشعوب، ويترنح النظام الدولي نفسه تحت وطأة الشلل والعجز والإرهاق. في مثل هذه اللحظات، تتولد مشاريع تبدو للوهلة الأولى عملية أو تقنية، لكنها في جوهرها انعكاس لفراغ أخلاقي وسياسي.

من هذا السياق بالتحديد خرجت فكرة توسيع نموذج “مجلس السلام” (Board of Peace) – الذي أُنشئ أساسًا كآلية استثنائية للتعامل مع الكارثة في غزة – ليشمل السودان. الفكرة تُسوَّق باعتبارها استجابة مبتكرة لفشل الوساطات التقليدية، وكأنها تقدم بديلاً عقلانيًا لإدارة الأزمات. غير أن جوهرها يكشف عن تحوّل خطير: فهي لا تعالج جذور الصراع بوصفه قضية سيادة وعدالة سياسية، بل تُعيد صياغته كملف إداري تقني، يُدار عبر لجان بيروقراطية، بمعزل عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمسؤولية الدولية والحقوق التاريخية للشعوب ومبادئ السيادة والعدالة وحكم القانون.

إن هذا التحوّل ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل هو إعادة تعريف لطبيعة الصراع في السودان: من مأساة سياسية تتطلب مساءلة وعدالة واجراءات سياسية، إلى مشكلة إدارة تُختزل في أدوات بيروقراطية. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يُصبح العجز الدولي عن مواجهة جوهر الأزمة مدخلًا لتطبيع حلول سطحية تخدم مصالح خارجية وتُفرغ القضايا الوطنية من مضمونها، وتحوّلها إلى ملفات تقنية يتم ادارتها عبر أدوات خارجية بلا سياق ودون مرتكزات وطنية. هنا، لا نكون أمام سلام، بل أمام هندسة وصاية جديدة بواجهة تكنوقراطية.

نشأ مجلس السلام في أعقاب الكارثة المدمرة في غزة نتاج خطة أمريكية قادتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، وحصلت على غطاء قانوني عبر قرار مجلس الأمن رقم 2803. منذ البداية، لم يكن المجلس مجرد آلية تنفيذ، بل تجسيد لتحول بنيوي أعمق في مؤسسات المجتمع الدولي، يهدف الي تجاوز كامل ومقصود للأمم المتحدة باعتبارها الإطار المركزي لإدارة السلم والأمن الدوليين بعد الحرب العالمية الثانية.

تمت صياغة ميثاق المجلس والمصادقة عليه في منتدى دافوس 2026، لا في الجمعية العامة للأمم المتحدة. تشكّل مجلسه التنفيذي من شخصيات سياسية–اقتصادية ذات خلفيات غير دبلوماسية تقليدية، مثل جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وستيف ويتكوف أحد أباطرة سوق العقارات الامريكية ورفيق الرئيس ترامب في لعبة الغولف والذي يشغل ايضا منصب المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، والملياردير الأمريكي، مارك روان وهو الرئيس التنفيذي لشركة ” أبولو جلوبال مانجمنت”، وهي شركة ادارة أسهم خاصة مقرها نيويورك، بالاضافة الي رئيس الوزراء البريطاني الاسبق توني بلير وأجاي بانغا رئيس البنك الدولي فيما يتولى السياسي البلغاري نيكولاي ملادينوف منصب المندوب السامي للمجلس في غزة. وقد قامت الولايات المتحدة بدعوة عدد من الدول بلغ عددها ٦٠ دولة للانضمام الي عضوية المجلس، كاعضاء مؤسسين ويتوجب على كل واحدة منها دفع مبلغ مليار دولار في صندوق يسيطر عليه ترامب، لتكون دائمة العضوية وإلا فإن عضويتها في مجلس ستقتصر على فترة 3 سنوات. كان ذلك إشارة واضحة إلى نقل منطق السوق والاستثمار إلى قلب السياسة الدولية. ومع توسيع مهمته نظريًا إلى النزاعات العالمية، لم يعد السؤال: هل ينجح المجلس؟ بل: من يمنحه الشرعية؟ ومن يُحاسبه؟ ولصالح من تُدار نتائجه؟

في 4 فبراير/شباط 2026، خرج مسعد بولص – مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية – بتصريح نقلته وكالة الأناضول، قال فيه إن إدارة ترامب أعدّت خطة سلام متكاملة للسودان، وستُعرض – في حال قبولها – على مجلس الأمن الدولي، ثم تُقدَّم إلى مجلس السلام لاعتمادها وتنفيذها. هذا التصريح ليس تفصيلاً عابراً بل هو أول إعلان صريح عن نية إدخال السودان في مدار أعمال مجلس السلام. وهو يكشف عن نية مبيتة لاحتلال السودان والسيطرة عليه بوسائل جديدة، لكنه يكشف في الوقت نفسه إشكاليتين بنيويتين:

الأولى، أن بولص يتعامل مع المجلس بوصفه كيان له كامل الشرعية الدولية بحيث يصبح قادراً على إدارة دولة ذات سيادة، دون أي نقاش علني حول أسسه القانونية أو حدوده السياسية.

والثانية، أن هذا الطرح لم يحظَ بتوافق داخل الرباعية نفسها، بل يتناقض صراحة مع المقترح السعودي–الأمريكي الذي تم طرحه بخصوص الهدنة قبل عدة اسابيع، الذي ركّز على وقف إطلاق النار بعد انسحاب المليشيا من المناطق المدنية ونشر الشرطة والادارات المدنية مع الزام الجيش الحكومي بالبقاء في ثكناته، ودور واضح للأمم المتحدة في المراقبة، وهو المسار الذي قبلت به الحكومة السودانية بشكل مبدئي.

ما يعني أن ما يدفع به بولص ليس تطوراً تفاوضياً، بل مبادرة موازية، يُراد تمريرها عبر الإعلام قبل السياسة، وتقفز على ما تم التوافق عليه بغرض تحقيق مكاسب لصالح اطراف خارجية محددة. مقترح بولص، الذي يدفع به في الاعلام يهدف الي تثبيت الانقسام السياسي بين مناطق سيطرة المليشيا ومناطق سيطرة الحكومة السودانية على غرار النموذج الليبي لجعل الانقسام امر واقع. وهو هدف ظلت تسعى من خلفه الجهات الداعمة للمليشيا والتي اصبحت تسعى لتفتيت السودان بشكل مفضوح لرفع الحرج عن دعمها الدموي المفضوح لمليشيا اجرامية.

لا يمكن فهم هذا الطرح دون التوقف عند شخصية مسعد بولص وخلفيته. فالرجل لا يأتي من مدرسة دبلوماسية، ولا من خبرة أممية أو أكاديمية في إدارة النزاعات، بل من خلفية تجارية خالصة. وحتى وقت قريب، كان نشاطه المعروف هو تجارة السيارات المستعملة في نيجيريا، قبل أن يقفز إلى موقع مؤثر في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية في أفريقيا، بعد انتخاب ترامب للولاية الثانية.

هذه الخلفية ليست مسألة شخصية، بل مفتاح لفهم المقاربة. في خطاب بولص، تتحول الازمات الي فرص للصفقات، والحروب والمعاناة الانسانية الي عوامل تتمّ اداراتها بمنطق (دعه يعمل، دعه يمر)، فهي لغة التاجر الذي يرى في الفوضى فرصة تجارية، وفي الانهيار سوقاً مفتوحة.

هذا النمط من التفكير يُسقِط على السودان منطق الصفقة: كيف نُدير الأزمة بأقل كلفة سياسية؟ لا كيف نُنهي أسبابها البنيوية. وهو منطق يُفرغ السياسة من بعدها الأخلاقي، ويحوّل السيادة إلى بند تفاوضي قابل لإعادة التوزيع.

الأخطر في طرح «مجلس السلام» ليس فقط مضمونه، بل توقيته وتناقضه مع مسار قائم. فالمبادرة السعودية–الأمريكية السابقة، التي شاركت فيها الأمم المتحدة، قامت على مبدأ واضح: وقف إطلاق النار أولًا، وضمان خروج مقاتلي المليشيا والمرتزقة الاجانب من مناطق المدنيين وتجميعهم في مناطق محددة للحد من الخطر الانساني الذي يمثلوه على المواطنين السودانيين، قبل الدخول في التفاصيل الاخرى.

هذا المسار – رغم تعثره – حظي بقبول مبدئي من الحكومة السودانية، وكان يضع الأمم المتحدة في قلب العملية. إدخال مجلس السلام الآن يعني نسفاً عملياً لهذا الالتزام، وإعادة خلط للأوراق، ورسالة مفادها أن القبول السوداني ليس عنصرًا حاسمًا إذا وُجد نموذج أكثر مناسبة من وجهة نظر واشنطن. وهو الامر الذي اعترضت عليه السعودية ومصر بوضوح في اجتماع الرباعية الذي انعقد في واشنطون على هامش الموتمر الذي تم ٣ فبراير الماضي، موضحين ان هذه المبادرة لا تحظى بتوافق.

لا يمكن قراءة مجلس السلام بمعزل عن أزمة الأمم المتحدة المتفاقمة. المنظمة تعاني من شلل سياسي، وابتزاز من كافة الاطراف داخل مجلس الأمن، وتراجع في الفاعلية. لكن معالجة هذا الضعف لا تكون بتجاوزها، بل بإصلاحها. ما يحدث مع مجلس السلام هو العكس تمامًا. فعليًا، فان هذا التوجه يُنقل مركز الثقل الدولي من مؤسسة متعددة الأطراف – رغم عيوبها –تتساوى فيها دول العالم إلى مجلس صغير، غير منتخب، وغير خاضع للمساءلة الدولية، والدخول اليه برسوم انتساب يسيطر عليها الرئيس الامريكي. وهذا ليس إصلاحًا للنظام الدولي، بل إعادة هندسة له على أسس إمبريالية واستعمارية، تُقصي الشعوب والدول المتضررة عن تقرير مصيرها. ما يحدث في السودان، هو مراة لما يمكن ان يحدث في كافة دول العالم والمنطقة اذا تم القبول به وتمريره، وهو عملية خصخصة كاملة للسياسة الدولية.

يتجلى هذا الخطر بوضوح في ملف إعادة الإعمار. فالمقترح المتداول ينص على إنشاء صندوق خاص لإعمار السودان، تُحدِّد الدول الداعمة مهامه وأولوياته، وتُدير عملياته. هنا لا نتحدث عن دعم مالي، بل عن نقل قرار الدولة من المجال السيادي إلى إدارة خارجية. وبالتأكيد فان هذه الادارة الخارجية ستكون معنية بمصالحها وليس بمصلحة السودان والسودانيين.

ما يمثله مجلس السلام هو أحد أوضح تجليات الاستعمار الجديد متعدد الأطراف: لا قوة استعمارية واحدة، بل تحالف مصالح دولية–مالية، يتحكم في الدول المنهكة عبر مجالس وصناديق وآليات دعم وادارة. السيادة لا تُلغى رسميًا، لكنها تُفرغ من مضمونها، وتُستبدل بإدارة خارجية تتحكم في القرار والموارد والأولويات. في هذا النموذج، لا تحتاج القوى الكبرى إلى احتلال، بل إلى حوكمة عن بُعد. تُترك الدولة قائمة شكليًا، بينما يُدار جوهرها من الخارج.

وفي السودان الذي نال استقلاله بنضال مدني مجيد قبل اكثر من سبعين عام، لا يمكن لأي مبادرة سلام جادة أن تتجاهل حقيقة أساسية: الذاكرة الشعبية. وجود دول متهمة بدعم مليشيا الدعم السريع – وعلى رأسها الإمارات – كجزء من إدارة مجلس يُفترض أن يشرف على السلام، سيُقابل برفض شعبي واسع. هذا الرفض لا ينبع من أيديولوجيا، بل من تجربة دم وخراب. وهنا، لا تعود المسألة تمثيلًا إقليميًا أو جغرافيًا. حتى لو تغيّرت الدول، تبقى فكرة الوصاية نفسها مرفوضة. فالإشكال ليس “من” يدير، بل مبدأ أن تُدار السيادة السودانية من الخارج.

وحتى في نموذجه الأصلي، لم يُظهر مجلس السلام في غزة مؤشرات نجاح حقيقية. فحتى الآن، لم ينجح في تحقيق استقرار أمني مستدام، ولا في وقف دوامة العنف، ولا في إطلاق مسار سياسي ذي مصداقية. بقي المجلس محصورًا في إدارة الإغاثة وترتيبات أمنية هشة، دون معالجة جذور الصراع أو ضمان محاسبة حقيقية. وبل يظهر دوره في اضعاف ومحاربة الشرعية الدولية ومنظومة الامم المتحدة تبر الهجوم المستمر من بعض دوله الاعضاء والمؤسسة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على المنظمة الاممية الموكلة بشؤون الاغاثة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). وهذا الفشل الأولي يفضح محدودية النموذج، ويطرح سؤالًا بديهيًا: كيف يُصدَّر نموذج متعثر إلى ساحة أكثر تعقيدًا كالسودان؟

ان الحرب في السودان ليست أزمة تقنية، ولا نزاعًا بين شركتين متنافستين، بل صراع على طبيعة الدولة نفسها. أي مقاربة تتجاهل هذا الجوهر، وتبحث عن حلول جاهزة، ستفشل – أو تنجح شكليًا على حساب المستقبل.

ما يطرحه مسعد بولص، وما يمثله «مجلس السلام»، ليس مشروع سلام بقدر ما هو مشروع إدارة للخراب لضمان المصالح الاقتصادية لاطراف خارجية وخلق فرص تجارية لسماسرة الخراب. إدارة الانهيار، إدارة ما بعد الفشل، إدارة ما لا يُراد حله جذريًا. لكنه لا يقدّم إجابة على السؤال المركزي: كيف يستعيد السودان دولته، لا كيف تُدار أنقاضها؟

السلام ليس مجلساً، ولا صندوقاً، ولا آلية تنفيذ. السلام فعل وطني سيادي، يبدأ بتعريف الجريمة، ويمر بالمحاسبة، وينتهي بعقد اجتماعي جديد. وكل ما عدا ذلك، مهما بدا أنيقًا ومموّلًا، ليس سوى إعادة إنتاج للهيمنة بأدوات معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى