نحو سودان جديد: رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتج (3)
Mazin
نعمان يوسف محمد
لسنوات طويلة ظل السودانيون يرددون بثقة أن السودان بلد غني بالموارد، وكأن وفرة الموارد وحدها تكفي لصناعة الازدهار. لكن التاريخ الاقتصادي يروي قصة مختلفة؛ فالثروة لا تولد من باطن الأرض، وإنما تُصنع في المصانع، ومراكز البحث، والأسواق، وسلاسل القيمة. ولعل أكبر المفارقات أن دولاً تفتقر إلى الموارد الطبيعية أصبحت من أغنى دول العالم، بينما بقيت دول أخرى، رغم وفرة ثرواتها، تعاني الفقر والتخلف الاقتصادي. فالفرق لم يكن في حجم الموارد، وإنما في القدرة على تحويلها إلى قيمة مضافة.
إن الثراء الحقيقي لا يقاس بما تختزنه الأرض، وإنما بما يستطيع الإنسان أن يصنعه منها. والموارد، مهما بلغت وفرتها، ليست سوى إمكانات خام لا تتحول إلى ثروة إلا عندما تمر عبر منظومة متكاملة من المعرفة، والتكنولوجيا، والتمويل، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والأسواق.
ويقف السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف اقتصاده بعد الحرب. فالمطلوب ليس مجرد زيادة الإنتاج، وإنما تغيير الفلسفة التي يقوم عليها الاقتصاد؛ بالانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الخام إلى اقتصاد يصنع القيمة في كل مرحلة من مراحل الإنتاج.
إن الفرق بين اقتصاد الموارد واقتصاد القيمة هو فرق في الرؤية؛ فالأول يقيس الثروة بما نملكه من موارد، بينما يقيسها الثاني بما نضيفه إليها من معرفة وتصنيع وابتكار، وهذه القيمة المضافة هي التي تصنع الفارق بين الدول المتقدمة والدول التي ظلت غنية بالموارد وفقيرة في التنمية.
وتبرز الزراعة مثالاً واضحاً على ذلك. فالمشكلة ليست في إنتاج القطن أو السمسم أو الصمغ العربي أو الثروة الحيوانية، بل في أن الجزء الأكبر من قيمتها الاقتصادية يغادر السودان مع تصديرها في صورتها الأولية. وهنا يكمن جوهر القضية؛ فالسؤال الذي ينبغي أن يحكم السياسات الاقتصادية ليس: كم ننتج؟ بل: كم من القيمة نحتفظ بها داخل الاقتصاد الوطني؟
لقد أدركت الاقتصادات الناجحة أن المنافسة العالمية لم تعد تدور حول امتلاك المواد الخام، وإنما حول السيطرة على الحلقات الأعلى قيمة في سلسلة الإنتاج، حيث تتولد الأرباح الأكبر من التصنيع، والابتكار، والخدمات، والتسويق، والعلامات التجارية.
ولذلك لا يحتاج السودان إلى تصدير مزيد من الموارد الخام، بقدر ما يحتاج إلى إعادة هندسة اقتصاده بحيث تصبح كل سلسلة إنتاج مشروعاً وطنياً متكاملاً. فالصمغ العربي، والذهب، والثروة الحيوانية، والسمسم، والفول السوداني، والقطن، والمعادن، وحتى الخدمات الرقمية، ينبغي أن تُدار باعتبارها سلاسل قيمة متكاملة، لا مجرد أنشطة إنتاجية منفصلة. غير أن بناء سلاسل القيمة لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى دولة تنموية توفر البيئة المؤسسية والتشريعية والتمويلية والبنية التحتية التي تجعل إنتاج القيمة ممكناً ومستداماً. ولم يعد نجاح السياسات الاقتصادية يقاس بعدد المشروعات أو بحجم الصادرات الخام، وإنما بارتفاع القيمة المضافة المحلية، وزيادة المحتوى الوطني، واتساع مساهمة المعرفة والتكنولوجيا في الاقتصاد.
الدولة لا تنتج القيمة بنفسها، لكنها تبني الطرق والموانئ والبنية الرقمية، وتطور التعليم والبحث العلمي، وتصلح النظام المالي، وتوفر البيئة التنظيمية التي تمكن القطاع الخاص من الاستثمار والإنتاج والابتكار.
أما القطاع الخاص، فينتقل من دور تاجر المواد الخام إلى قيادة عمليات التصنيع، والتطوير، والتصدير، وبناء العلامات التجارية، والاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية. ولا ينعكس هذا التحول على الأرباح والصادرات فحسب، بل يخلق وظائف جديدة، ويرفع المهارات، ويوسع قاعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويعزز نمو الطبقة الوسطى، ليصبح اقتصاد القيمة مشروعاً للتنمية الاجتماعية بقدر ما هو مشروع للنمو الاقتصادي.
وتظل المشروعات الصغيرة والمتوسطة العمود الفقري لسلاسل القيمة، لأنها تقود أنشطة التصنيع الأولي، والخدمات المساندة، والتعبئة، والنقل، والابتكار، ولذلك فإن تمويلها يعد استثماراً مباشراً في بناء الاقتصاد المنتج.
ويظل التمويل والتحول الرقمي من أهم متطلبات هذا التحول، إذ لا يمكن للصناعة أن تتوسع دون منظومة مالية قادرة على تمويل مختلف حلقات سلسلة القيمة، كما أصبحت البيانات، والمدفوعات الرقمية، والتتبع الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، عناصر إنتاج لا تقل أهمية عن الأرض ورأس المال.
إن اقتصاد ما بعد الحرب يجب أن يجيب عن سؤال محوري: كيف نحول مواردنا إلى قيمة مضافة؟ فهذا هو المعيار الحقيقي لنجاح الاقتصاد، والطريق لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، وأكثر قدرة على خلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي، فإن مرحلة ما بعد الحرب ينبغي أن تستند إلى خارطة طريق واضحة تقوم على ست أولويات استراتيجية:
1. إعادة بناء البيئة الإنتاجية من خلال استعادة الأمن والاستقرار، وتأهيل البنية التحتية، وإحياء مناطق الإنتاج.
2. تطوير سلاسل القيمة ذات الأولوية بالانتقال من تصدير المواد الخام إلى التصنيع والتحويل وإنتاج السلع عالية القيمة. 3. إصلاح منظومة التمويل والاستثمار لتمويل جميع حلقات سلاسل القيمة، مع تمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الرئيس للاقتصاد المنتج. 4. الاستثمار في المعرفة والتحول الرقمي عبر تطوير التعليم الفني، والبحث العلمي، والابتكار، والتقنيات الرقمية لرفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية. 5. تحسين بيئة الأعمال والحوكمة من خلال تبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وإقامة شراكة فاعلة بين الدولة والقطاع الخاص. 6. اعتماد القيمة المضافة معياراً لقياس النجاح بزيادة المحتوى المحلي، وتنويع الصادرات، وخلق فرص العمل، بدلاً من الاكتفاء بقياس حجم الإنتاج أو الصادرات الخام.
وإذا نجح السودان في تنفيذ هذه الأولويات، فإنه لن يكتفي بإعادة تشغيل اقتصاده بعد الحرب، بل سيؤسس لتحول هيكلي ينقله من اقتصاد يعتمد على استخراج الموارد إلى اقتصاد يصنع القيمة ويحقق نمواً مستداماً وشاملاً. إن بناء السودان الجديد لن يتحقق بمجرد زيادة حجم الإنتاج، بل بتغيير طبيعة الاقتصاد نفسه؛ من اقتصاد يستخرج الثروة إلى اقتصاد يصنعها، ومن اقتصاد يبيع موارده إلى اقتصاد يبني حولها المعرفة والصناعة والفرص.
لقد منحت الحرب، رغم كلفتها الباهظة، فرصة لإعادة كتابة قصة الاقتصاد السوداني على أسس جديدة. وإذا كانت المرحلة الماضية قد ارتبطت باقتصاد استخراج الموارد، فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة اقتصاد القيمة، حيث تتحول الموارد إلى منتجات، والمنتجات إلى صناعات، والصناعات إلى فرص عمل وثروة مستدامة.
إن مستقبل السودان لن يُقاس بعدد الأفدنة المزروعة، ولا بعدد أطنان الذهب المستخرجة، ولا بحجم الصادرات الخام، بل بقدرته على تحويل كل مورد إلى معرفة، وكل معرفة إلى صناعة، وكل صناعة إلى قيمة مضافة، وكل قيمة إلى رفاه للمواطن.
وعندما يصبح إنتاج القيمة هو معيار النجاح الاقتصادي، ستتحول موارد السودان من ثروة كامنة إلى قوة اقتصادية حقيقية، وسيغدو الاقتصاد أكثر تنوعاً، وأكثر قدرة على الصمود، وأكثر قدرة على خلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
فالفرق بين الأمم لا تصنعه وفرة الموارد… بل وفرة القيمة التي تعرف كيف تخلقها من تلك الموارد.