السفير عطا المنان بخيت
جمهورية موزمبيق هى إحدى دول الجنوب الأفريقى، المطلة على المحيط الهندى، وتتقاسم الشاطئ الجميل إلى جانب كل من جمهورية جنوب أفريقيا جنوبا وجمهورية تنزانيا شمالاً.
تاريخيا ترتبط موزمبيق إرتباطا وثيقا بسلطنة عمان، إذ عرف البحارة العمانيون شاطئ هذه البلاد قبل عقود طويلة من وصول البرتغاليين إليها. وقد أورد الباحث الفرنسي وأستاذي فى الدراسات العليا، كريستيان لوشون، أن البحار العماني الشهير بن ماجه، هو من أرشد البحار والمستكشف البرتغالي فاسكو دي جاما على الطريق الأسهل للوصول إلى الهند. وتشير الروايات إلى أن إسم البلاد نفسه إشتق من إسم الحاكم العماني موسى بن بك.
خاضت موزمبيق نضالا طويلا ضد المستعمر البرتغالي قبل أن تحصل على إستقلالها فى العام 1975، وكانت جبهة تحرير موزمبيق المعروفة اختصاراً باسم ـ فريليموـ هي الجبهة السياسية والعسكرية التي قادت النضال ضد الإستعمار، وتولت السلطة منذ ذلك الحين وحتى الآن. وقد شهدت البلاد حرباً أهلية طاحنة بعيد الإستقلال، بدعم من الأنظمة العنصرية حينها فى كل من روديسيا ـ زيمبابوي ـ وجنوب أفريقيا.
إلا أن البلاد سرعان ما نجحت فى تحقيق السلام وإعتماد نظام سياسي تعددي منذ العام 1994 وظل حزب فريليمو يسيطر على السلطة في كل الإنتخابات التي جرت وآخرها إنتخابات أكتوبر 2024 والتي فاز فيها الرئيس الحالي، دانييل تشابو.
لم يكن قرار إعتماد دانييل شابو مرشحاً للحزب الحاكم قراراً سهلاً، كان نتاج ثورة عارمة قادها الشباب في مؤتمر الحزب العام، حيث رفض الشباب أي مرشح من الجيل القديم، وكاد الحزب الحاكم أن ينشق في ذلك المؤتمر العاصف. ولكن إرادة وعزم الشباب أثمرت في اعتماد مرشحهم ليكون أصغر رئيس يحكم البلاد منذ الإستقلال، فهو من مواليد 1977، أي مواليد ما بعد الإستقلال. وهكذا تحت ضغط تيار الشباب جاءت قيادة شابة لتقود حزب عريق تجاوز عمره نصف قرن، فى محاولة جادة لإنقاذ الحزب التاريخي الذى بدأ يترنح أمام ضربات احزاب المعارضة الموجعة.
لم تكن إنتخابات العام 2024 سهلة، فقد شابتها كثير من التجاوزات، مما دفع المعارضة لعدم الإعتراف بنتائجها، وحركت تظاهرات عارمة في كل البلاد سالت فيها كثير من الدماء ودخلت البلاد في أزمة سياسية حادة. مما وضع الرئيس الشاب أمام تحدٍ كبير، كيف يحافظ على مؤسسات الدولة، وكيف يستطيع خفض الإحتقان السياسي وفتح الباب لإصلاحات حقيقية تعالج أسباب الإحتقان، وتضع البلاد على الطريق الصحيح.
في هذا السياق، بادر الرئيس تشابو بطرح مشروع “الحوار الوطني الشامل” بوصفه بوابة سياسية لتهدئة الشارع، وإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية عبر إصلاحات مؤسسية، ودعا مرشح المعارضة، فانسيو موندلين، الذي هرب إلى البرتغال للعودة للبلاد، واستقبله في القصر الرئاسي وجرى الإتفاق على برنامج المصالحة الوطنية الشاملة.
لم تكن مبادرة الحوار الوطني مجرد دعوة عامة، إذ تحوّلت إلى مسار ذي سند قانوني بعد إقرار البرلمان “قانون الالتزام السياسي للحوار الوطني الشامل”، استنادًا إلى اتفاق وُقّع في 5 مارس الماضي بين الرئيس شابو وتسعة أحزاب معارضة، وبذلك نجحت الرئاسة في نقل الملف من دائرة الخطاب إلى إطار إجرائي قابل للقياس، وهو ما يُفسَّر كرسالة للداخل بأن الأزمة تُدار عبر المؤسسات وللخارج بأن البلاد تبحث عن استقرار طويل الأمد .
الخطوط العامة للمصالحة المقترحة تقوم على نقاشات تمس قضايا حساسة: إصلاحات دستورية، مراجعة صلاحيات الرئاسة، تعديل القوانين الانتخابية، وإصلاح الإدارة العامة والعدالة الإنتقالية. وجرى الإتفاق على تكوين فريق عمل يضم 21 شخصا من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، لوضع أجندة الحوار الذي سيفضي إلى اعتماد قانون إنتخابي جديد يلتزم به الجميع في الإنتخابات القادمة. كما ستضع هذه اللجنة آليات جبر الضرر والتحقيق في التجاوزات التي صحبت فترة ما بعد الإنتخابات الماضية.
لا شك أن الحوار الوطني في موزمبيق يواجه تحديات وفرص نجاح معًا. التحدي الأول هو الشمول: مَن يشارك، ومَن يثق، وكيف تُضمن مشاركة ذات معنى للفاعلين غير الموقعين أو المتحفظين. التحدي الثاني هو تحويل العناوين الكبرى إلى مخرجات قابلة للتنفيذ، تشمل تعديلات قانونية واضحة، قواعد انتخابية متفق عليها، وضمانات لعدم عودة العنف عند أول استحقاق، وأخيراً التحدي الأمني المتمثل في إيجاد تسوية سلمية لتمرد الجماعات الإسلامية المسلحة في إقليم كابو دولغادو، الغني بالنفط والغاز فى شمال البلاد.
أما فرص النجاح فتنبع من أن العملية تمتلك مظلة قانونية، وأن الرئاسة الشابة لها الإرادة السياسية لإنجاح الحوار الوطني، وعازمة على جعل الحوار بداية جديدة لإصلاح سياسى شامل.
ويبقى السؤال: هل يمكن أن تصبح موزمبيق تجربة يُحتذى بها؟ الجواب مشروط. إذا تمكنت من الجمع بين حوار شامل فعلي، وإصلاحات سياسية تُحسّن قواعد التنافس، ومعالجة أمنية–تنموية متوازنة، فقد تقدم نموذجًا لكيفية خروج دولة أفريقية من أزمة شرعية عبر الحوار، وربط المصالحة بإصلاح الدولة. أما إذا بقي المسار محصورًا في الإطار الشكلي، أو تعثر عند أول اختبار أمني أو انتخابي فستكون له بلا شك تبعات ثقيلة قد تعصف بحزب فريليمو التاريخي، وتهدد مستقبل المسار الديمقراطي الهش في موزمبيق. وهذا هو الإختبار الحقيقى لجيل الشباب الذي نجح في السيطرة على مفاصل الحزب، بغرض الإصلاح.