سليمان العقيلي
تتصاعد مواقف دولة الإمارات المتطرفة والتدخلية في شؤون البلدان العربية الأخرى. وفي آخر بياناتها الرسمية ترفض أن يُحدَّد مستقبل السودان من قبل ما تسميه “الجماعات المتطرفة”بما في ذلك تلك المرتبطة بما تسميه “تنظيم الإخوان”.
هذا الموقف لا يندرج فقط في إطار تحليل سياسي لأطراف النزاع بل يتحوّل إلى محاولة لفرض معايير أيديولوجية مسبقة على طبيعة النظام السياسي السوداني. في تناقض صريح مع مبادئ السيادة الوطنية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.
من منظور قانوني دولي لا تملك أي دولة حق تقييد خيارات شعب آخر في اختيار نظامه السياسي، ولا يجوز توظيف مفاهيم مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة وهي مفاهيم فضفاضة ومسيسة. كذريعة للتدخل في طبيعة النظام السياسي لدولة أخرى ولاستبعاد تيارات سياسية كاملة من المشهد الوطني، لأن ذلك يحوّل الخطاب الأمني إلى مشروع وصاية سياسية على الدول ذات السيادة.
الإمارات تدّعي في خطابها الرسمي أنها ترفض “التدخلات الخارجية في الشؤون العربية “. وتدعو إلى حماية “وحدتها السياسية” من التدخلات الأجنبية. لكن هذا الخطاب يتصادم مع واقع دورها في اليمن وليبيا والسودان والصومال. حيث تتدخل عبر دعم أطراف عسكرية وسياسية، وفرض خطوط حمراء على مشاركة قوى سياسية معيّنة في الحكم. بل و تدعم وتسعى لتقسيم دول اخرى!!
هنا تظهر المفارقة: ترفض الإمارات تدخل الآخرين في الشؤون العربية، بينما تمارس هي نوعًا من الوصاية السياسية على دول أخرى. مبررة ذلك بمكافحة “الإخوان” و”الإرهاب”رغم أن التوصيف السياسي لجماعات مثل الإخوان يختلف بين دول ومنظمات دولية.ولا يوجد أممياً وعربياً ما يتوافق مع رؤية الإمارات الضيقة تجاه الجماعات الاسلامية. كما لايوجد توافق عربي ودولي على تنميط الإمارات لطبيعة المشهد السياسي السوداني.
السؤال الجوهري الذي تتجاهله هذه الخطابات الظبيانية المعزولة والمستنكرة : من يملك سلطة تعريف “الجماعات المتطرفة”في السودان؟ هناك تيارات إسلامية مشاركة في الحياة السياسية منذ عقود، وبعضها خاض مفاوضات سلام وشارك في حكومات انتقالية، وآخرها تجربة الفترة ما بين 2019 و2021.
عندما ترفع الإمارات شعار “مكافحة الإخوان” كمعيار سياسي مسبق لقبول أو رفض أي مشروع انتقالي في السودان فإنها تحوّل مفهومًا أمنيًا أو أيديولوجيًا إلى معيار دستوري وقانوني، ما يعني أن أي حكم يقترب من هذه التيارات يُعتبر “غير شرعي” في نظر أبوظبي، حتى لو كان نتاج انتخابات أو توافق وطني. هذا يحوّل السياسة إلى سلطة حكم صادر من خارج الحدود، لا من داخل المجتمع السوداني.
القانون الدولي لا يمنح أي دولة حق “الاختيار” بين أحزاب أو تيارات سياسية في دولة أخرى، ولا يسمح لها بفرض نوع معيّن من النظام (مدني أو عسكري أو إسلامي أو علماني) على شعب آخر. ما يُسمح به هو الدعم الإنساني والاقتصادي، والوساطة في النزاعات، والدعوة إلى حلول سياسية، لكن ضمن مبادئ الحياد وعدم فرض شروط مسبقة على طبيعة النظام.
عندما تصر الإمارات على أن “الإخوان” لا يمكن أن يكون لهم دور في مستقبل السودان، فإنها تتجاوز دورها كدولة مراقبة أو وسيط محتمل، إلى دور حكم سياسي يقرّر من هو “مقبول” ومن هو “مرفوض” في المشهد السوداني. هذا يتناقض مع مبدأ تقرير المصير الذي يكفله الميثاق الأممي، ويستبدله بمشروع نفوذ إقليمي يقوم على استبعاد تيارات سياسية كاملة من المشهد بناء على تصنيف إماراتي داخلي. والنتيجة: وصاية معلنة باسم مكافحة الإرهاب.
في النهاية، الموقف الإماراتي من السودان لا يُقرأ فقط كقلق أمني أو سياسي، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المشهد السياسي في دول المنطقة وفق معايير أيديولوجية وسياسية تحددها أبوظبي تحت رايات مزيفة مثل مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة.
لكن لا يمكن أن يُبنى نظام إقليمي عادل على وصاية دولة واحدة على طبيعة الأنظمة السياسية في دول أخرى، مهما ادّعت أنها تحمي “الاستقرار” أو “النظام المدني”. السودان مثل غيره من الدول، يملك ميراثاً تاريخياً اكبر من عمر الدولة الاماراتية وتجربة سياسية ثرية وشعبًا ومؤسسات وقوى سياسية حية قادرة على اختيار نظامها السياسي بنفسها دون أن تفرض عليه ابوظبي أو غيرها مسبقًا قائمة بالمحظورات السياسية باسم مفاهيم ناتجة عن الصراع السياسي والمصالح الذاتية.