من وهم المحاور إلى لحظة الدولة: السعودية ومصر تقودان الشرق الأوسط خارج عصر المليشيات

مهند عوض محمود
لم تعد المليشيات في عام 2025 كما كانت عند اندلاع موجة الصراعات بعد عام 2011، لا في وظيفتها ولا في موقعها ضمن الحسابات الإقليمية والدولية ؛ ففي السنوات الأولى ، جرى التعامل معها بوصفها أدوات مؤقتة منخفضة الكلفة، تُستخدم لسد فراغ الدولة أو موازنة قوى قائمة أو فرض وقائع سريعة دون انخراط مباشر من الدول الراعية ؛ وكان الاعتقاد السائد أن هذه التشكيلات يمكن توظيفها مرحليًا ثم احتواؤها أو تفكيكها لاحقًا.
غير أن التجربة العملية خلال أكثر من عقد قلبت هذا التصور ؛ فالمليشيات لم تبقَ أدوات طيّعة، بل تحولت إلى فاعلين مستقلين يمتلكون السلاح والموارد وشبكات التمويل، ويفرضون أجنداتهم على الدول نفسها التي سمحت بنشأتهم أو راهنت عليهم ؛ فما قُدّم بوصفه حلًا مؤقتًا أصبح مشكلة دائمة، وما اعتُبر أداة نفوذ تحول إلى عبء يهدد الدولة ووحدتها واستقرارها.
الأخطر أن مفهوم «الوكالة» نفسه تغيّر ؛ ففي مرحلة ما بعد 2011، كانت المليشيا تُدار عن بُعد وتتحرك ضمن سقف مرسوم ؛أما بعد ذلك فقد باتت المليشيات تُدير مساحات جغرافية، وتتحكم في موارد سيادية، وتفاوض باسم مناطق وسكان، وتجرّ الدول الراعية إلى صراعات غير محسوبة. في كثير من الحالات، لم تعد الدولة هي من يستخدم المليشيا، بل أصبحت المليشيا هي من تبتزّ الدولة أو تحلّ محلها.
وفي هذا السياق، لم يكن الصراع في الشرق الأوسط بعد عام 2011 صراعًا مباشرًا بين دول ذات سيادة تتواجه بجيوشها وقراراتها المركزية كما جرى تسويقه سياسيًا وإعلاميًا، بل صراعًا يُدار بأدوات غير دولية، عبر مليشيات ووكلاء يعملون داخل دول عربية، فيما تُنقل كلفة الصراع كاملة إلى هذه الدول ومجتمعاتها ؛ فكانت العواصم الراعية تدير التوازن من الخارج، بينما كانت العواصم العربية هي التي تدفع ثمن الفوضى في أمنها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي.
ولم يعد هذا توصيفًا نظريًا، بل واقعًا ملموسًا ؛ فجماعة الحوثي تفاوض اليوم بوصفها سلطة أمر واقع تمسك صنعاء وملايين السكان، وتتحدث في ملفات الرواتب والموانئ والمطارات باسم «سكان مناطق سيطرتها». وفي لبنان، يقدّم حزب الله قراراته المصيرية بوصفها دفاعًا عن «الجنوب» و«الضاحية» وحماية لبيئته الاجتماعية، متجاوزًا مؤسسات الدولة. وفي العراق، تطرح فصائل مسلحة نفسها ممثلًا لإرادة محافظات كاملة تحت عناوين الأمن والخصوصية المحلية ؛ أما في السودان، فقد سلكت مليشيا الدعم السريع المسار ذاته؛ إذ لم تكتفِ بالعمل العسكري، بل قدّمت حربها بوصفها معركة من أجل الديمقراطية، وتحدثت باسم السودانيين، قبل أن تُعلن تشكيل حكومة موازية في دارفور، في انتقال واضح من قوة مسلحة ضمن إطار الدولة إلى فاعل يدّعي التمثيل السياسي والتفاوض باسم السكان والمناطق.
كانت الاصطفافات في تلك المرحلة واضحة: محور يبني نفوذه عبر السلاح غير النظامي والمليشيات العابرة للحدود، ومحور يواجهه بالأداة نفسها عبر دعم قوى محلية مسلحة مضادة، فيما قبل طرف ثالث بإدارة الفوضى بدل حسمها. لم يكن الهدف بناء دول مستقرة، بل ضبط توازن الصراع بما يمنع الحسم الكامل ويؤجل الانهيار الشامل.
وتُمثّل إيران النموذج الأكثر اكتمالًا لكلفة هذا النهج ؛ فقد بُني نفوذها الإقليمي على شبكة أذرع مسلحة ممتدة من لبنان إلى اليمن مرورًا بالعراق وسوريا ؛ وهذه الشبكة منحتها نفوذًا واسعًا، لكنها حوّلت ساحات النفوذ إلى ساحات استنزاف دائم. ويقدّم العراق مثالًا صارخًا؛ فعلى الرغم من هزيمة تنظيم داعش عام 2017، لم يتحول البلد إلى نموذج استقرار، بل إلى دولة مثقلة بالسلاح الموازي، والشلل السياسي، والغضب الشعبي المتراكم.
وقد شكّل اليمن ساحة اختبار إضافية ؛ فالصراع هناك لم يعد محصورًا بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، بل امتد إلى داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه ؛ فقد شارك المجلس الانتقالي الجنوبي ميدانيًا تحت مظلة التحالف الذي تقوده السعودية في مواجهة الحوثيين، في إطار شراكة عسكرية فرضتها ضرورات الحرب ضد عدو مشترك، لا تقاطع في الرؤية السياسية حول شكل الدولة اليمنية ومستقبلها. وعندما طالبت الرياض المجلس بالانسحاب والعودة إلى الوضع السابق، لم يكن ذلك خلافًا تكتيكيًا، بل تأكيدًا على أن التحالف العسكري لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لمشاريع سياسية تقوّض الدولة.
وعند مقارنة السودان بكل من العراق وليبيا، تتضح الصورة بجلاء ؛ حيث أن ليبيا فقدت الدولة فتحولت إلى ساحة نفوذ بلا سيادة، والعراق احتفظ بالدولة شكليًا لكنه أُنهك بسلاح موازٍ ونفوذ متشابك. أما السودان، فيقف اليوم على الحافة بين النموذجين: إما أن يحسم خياره كدولة، أو ينزلق إلى مسار لا عودة منه.
في مقابل هذه النماذج، برز الدور السعودي بوصفه محاولة واعية لإعادة تصحيح معادلة الاستقرار الإقليمي ؛ فالمملكة، بما تمتلكه من ثقل اقتصادي عالمي، وقدرات ردعية وعسكرية متقدمة، ونفوذ سياسي واسع في علاقاتها مع الشرق والغرب، إضافة إلى مكانتها الدينية بوصفها قبلة العالم الإسلامي، باتت ترى أن استمرار نموذج المليشيات لم يعد يهدد دولًا بعينها، بل يهدد الإقليم بأكمله.
وقد عبّرت السعودية عن هذا التحول بوضوح في تصريحاتها الرسمية ومواقفها المعلنة، مؤكدة رفضها لأي دعم للتشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة، ومشددة على أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يقوم إلا عبر الدول الوطنية ومؤسساتها الشرعية، وحصر السلاح بيد الدولة. ولم يعد هذا الموقف مجرد خطاب انشائي ، بل قاعدة ثابتة تبنى عليها سياسات المملكة وتحركاتها الإقليمية ، وتستخدم كمرجعيّة عند التعامل مع أي أزمة أو صراع في المنطقة.
ولم يكن هذا التوجه سعوديًا منفردًا، بل تلاقى مع تحوّل في مواقف كل من مصر وتركيا وقطر. وفي هذا السياق، يبرز الموقف المصري بوصفه موقفاً مؤسساً لهذا التوجه قبل أن يتبلور بصيغة جماعية؛ إذ عكست السياسة المصرية تجاه السودان موقفًا واضحًا يقوم على حصر التعامل والدعم في إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمتها القوات المسلحة، ورفض أي مسار يضفي شرعية سياسية أو عسكرية على الفواعل المسلحة خارج هذا الإطار ؛ هذا النهج لم يُطرح في صيغة شعارات، بل تُرجم إلى ممارسة عملية في إدارة الملف السوداني، بما يعكس قناعة مصرية راسخة بأن استقرار الإقليم لا يتحقق عبر موازنة المليشيات، بل عبر دعم الجيوش الوطنية ومؤسسات الدولة بوصفها الضامن الوحيد لوحدة الدول ومنع تفككها. وقد أظهرت لغة البيانات والتصريحات الرسمية في هذه الدول تقاطعًا واضحًا حول مركزية الدولة الوطنية، ورفض الفواعل المسلحة غير النظامية، والتشديد على وحدة الأراضي وشرعية المؤسسات، بما يؤكد أن مرحلة إدارة الصراعات عبر المليشيات قد استُنفدت.
الخلاصة أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة أقل تسامحًا مع الفوضى، وأكثر صرامة مع الدول التي تراهن على المليشيات ؛ والسعودية ومصر، بثقلهما السياسي والاقتصادي والديني، في صدارة هذا التحول نحو إعادة الاعتبار للدولة بوصفها الفاعل الوحيد المشروع.
أما السودان، فطريقه بات واضحًا: جمع السلاح وتوحيده في يد الدولة، إنهاء أي وضع موازٍ للقوة، توحيد الخطاب الدبلوماسي، وضبط الموارد السيادية داخل مؤسسات الدولة. إن اتخاذ هذه الخطوات لن يعيد السودان فقط إلى محيطه، بل سيحوّله من حالة تُدار إقليميًا إلى شريك في التشكّل الإقليمي الجديد. ومن يتأخر عن هذه اللحظة، سيدفع ثمنها مضاعفًا.



