من نيويورك إلى السودان: الحوار على طاولة الرباعية والخماسية
Mazin
مهند عوض محمود
في مقالي السابق، قلتُ إن قراءة التحركات الجارية تشير إلى احتمال اجتماع الرباعية والخماسية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وإن العلاقة بين ثلاثة مسارات ستكون في قلب النقاش: وقف الأعمال العدائية، والاستجابة الإنسانية، والحوار السياسي السوداني. وقد أكد الاتحاد الأفريقي انعقاد الاجتماع في منشور أصدره أمس (23 سبتمبر 2026). لكن تحقق احتمال الاجتماع ليس أهم ما في الأمر؛ الأهم هو الموقع الذي أُعطي للحوار في ما أُعلن بعده.
أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي أن المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية ينبغي أن تتقدم بالتوازي ويعزز بعضها بعضاً. ودعا الاجتماع إلى خارطة طريق تربط العمل الإنساني بوقف الأعمال العدائية والحوار المدني. ثم شددت الخماسية على تعميق التواصل مع المكونات المدنية السودانية المتنوعة والعمل على جمعها حول عملية سياسية شاملة. وفي ختام الاجتماع، حدد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ثلاث أولويات: هدنة إنسانية، ووقف الأعمال العدائية، وحوار شامل يملكه السودانيون.
تلك العبارات لا تعني أن الاجتماع اعتمد آلية حوار بعينها، لكنها تضع الحوار السوداني في قلب الجهود السياسية المعلنة، إلى جانب العمل الإنساني والمسار الأمني. ولا يمكن قراءة الدعوة إلى تقدم المسارات بالتوازي باعتبارها دعوة إلى انتظار توقف الحرب قبل أن يبدأ السودانيون النقاش في مستقبلهم.
وتستحق كلمة «المتنوعة» اهتماماً خاصاً. فجمع المدنيين حول عملية شاملة لا يتحقق بالاكتفاء بمن يتفقون سلفاً، ولا بمنح تحالف واحد حق التحدث باسم الجميع. يتحقق بفتح المشاورات أمام القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، وبسماع الاعتراضات على التوقيت والصيغة والضمانات. هذه مهمة تهيئة الحوار: أن تُنشئ مساحة يستطيع المختلفون دخولها، لا أن تفترض اتفاقهم قبل دعوتهم.
وقد بدأت هذه المهمة فعلياً داخل السودان. فبحسب تصريحات منشورة للناطق باسم لجنة تهيئة الحوار، المهندس عثمان ميرغني، عقدت اللجنة لقاءات مع أحزاب وتحالفات سياسية، وتتواصل مع أكثر من مئة مجموعة مجتمعية. كما أعلنت اللجنة أن مشاوراتها مع القوى السياسية والمجتمعية قطعت شوطاً ووجدت دعماً، وبدأت بعض المكونات تسمية من يمثلها في الحوار. الشمول، إذن، لم يعد وعداً مؤجلاً؛ لقد بدأت خطواته، وتبقى مسؤولية توسيعها قائمة.
في المقابل، نُقل عن المهندس عمر الدقير أن الأستاذ نبيل أديب دعاه هاتفياً إلى الحوار، وأن صمود رفضت الدعوة اعتراضاً على الصيغة المطروحة. ومن حق صمود أن تتمسك بموقفها، وأن تدعو إلى وقف الحرب وتطالب بضمانات للمشاركة. لكن المطالبة بوقف الحرب شيء، وجعل توقفها شرطاً يسبق أي حوار بين المدنيين شيء آخر. ما أُعلن في نيويورك يدعو إلى تقدم المسارات بالتوازي، لا إلى تعليق أحدها حتى يكتمل الآخر.
كنتُ قد قلتُ إن وجود صمود في نيويورك لن يكون كافياً، على الأرجح، لتغيير توجه الشركاء الدوليين نحو الحوار السوداني. وما نشره الاتحاد الأفريقي يعزز هذا التقدير في حدود الموقف المعلن: فالخماسية شددت على جمع المكونات المدنية المتنوعة حول عملية سياسية شاملة. لا يخبرنا المنشور بما دار في كل لقاء، لكنه لا يعلن تأجيل التواصل السياسي مع السودانيين إلى ما بعد توقف الحرب. وإذا كانت لدى صمود اعتراضات على طريقة تهيئة الحوار، فإن طرحها في المشاورات السودانية يمنح تلك الاعتراضات فرصة للنقاش العملي، ويمنح الحوار نفسه فرصة لاختبار قدرته على استيعاب المختلفين.
أما دعوة اجتماع الرباعية والخماسية إلى تنسيق أوثق بين المسارين السياسي والأمني، فلا تعني أن تتولى لجنة تهيئة الحوار التفاوض بشأن وقف الأعمال العدائية أو مراقبة أي اتفاق. فهذه مهام تُبحث في منابرها مع الجهات المعنية بها. تستطيع اللجنة أن تواصل مشاوراتها وجمع المكونات السودانية للحوار، بينما تمضي جهود وقف القتال في مسارها. وإذا تحقق تقدم أمني، فقد يساعد على توسيع اللقاءات وتيسير مشاركة مزيد من السودانيين في المؤتمر السياسي. بذلك يدعم كل مسار الآخر، من دون أن يتوقف الحوار انتظاراً لاتفاق أمني.
لم يعلن منشور الاتحاد الأفريقي اتفاقاً لوقف إطلاق النار أو اعتماد خارطة طريق نهائية. لقد حدد أولويات ومجالات للعمل اللاحق. أما داخل السودان، فالعمل السياسي لم ينتظر صدور تلك الخارطة: بدأت اللقاءات، واتسعت الاتصالات، وشرعت بعض المكونات في الاستعداد للمشاركة. هنا تلتقي دلالة نيويورك بما يجري على الأرض: حوار يملكه السودانيون، تتسع له المشاركة، ويسير إلى جانب الجهود الضرورية لوقف الحرب.
الحوار لا ينتظر نهاية الحرب؛ بل يساعد السودانيين على الاتفاق على الطريق إلى نهايتها.